ألقت مجلة «غلوبال فاينانس» المالية الأميركية الضوء على ما وصفته بـ«الواقع المجزأ للقطاع النفطي» في ليبيا، حيث لا تزال قدرات التكرير وشبكات التوزيع وواردات الوقود الممولة عبر الدعم تعاني ضغوطا نتيجة سنوات من الانقسام المؤسسي منذ العام 2011، على الرغم من ارتفاع الإنتاج النفطي إلى نحو 1.4 مليون برميل يوميا.
وقالت، في تقرير نشرته أمس الجمعة، إن هذا الاختلال يعكس واقع قطاع المصب النفطي المجزأ، حيث تستمر صادرات الخام، بينما تبقى قدرات التكرير وشبكات التوزيع وواردات الوقود المدعومة مثقلة بسنوات من الاضطراب المؤسسي منذ العام 2011 عندما شهد الإنتاج تراجعا حادا.
المكاسب النفطية الليبية
أشارت «غلوبال فاينانس» إلى أن تحويل ارتفاع الإنتاج النفطي وعوائد قطاع المنبع إلى فوائد مباشرة للدولة والمواطنين لا يزال يمثل تحديا، على الرغم من إعلان المؤسسة الوطنية للنفط تحقيق إيرادات إجمالية من النفط بلغت 2.82 مليار دولار في أبريل، تلتها إيرادات تقارب 4 مليارات دولار في مايو، وهي أعلى حصيلة شهرية منذ أكثر من عشر سنوات.
- «بيزنس فرونت»: ليبيا تستهدف رفع إنتاجها من النفط إلى مليوني برميل يوميا
- «بلومبرغ»: النفط في قلب التحرك الأميركي لإعادة تشكيل المشهد الليبي
وتزامنت القفزة المسجلة في مايو مع زيادة حادة في واردات الوقود، إذ أكد رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مسعود سليمان، التعاقد على 17 ناقلة بنزين، وهو أكبر حجم شهري لواردات الوقود في تاريخ ليبيا.
لكن على الرغم من ارتفاع نشاط الاستيراد، سجلت مدن عدة في غرب ليبيا نقصا في الوقود، وشهدت طوابير طويلة أمام محطات التعبئة، ما كشف استمرار الاختلالات في منظومة التوزيع المحلية.
وقالت المجلة الأميركية: «لا يزال تحويل الإيرادات النفطية إلى سيولة نقدية يجري بصورة غير متوازنة هيكليا. ففي أبريل، وصل إلى مصرف ليبيا المركزي 1.91 مليار دولار فقط من أصل 2.82 مليار دولار من الإيرادات الإجمالية، بعد خصم تكاليف استيراد الوقود، والتسويات المالية التي تمر عبر آلية المصرف الليبي الخارجي، ما أبقى نحو 910 ملايين دولار عالقة ضمن طبقات تسويات قطاع المنبع بانتظار تحويلها النهائي إلى منظومة السيولة السيادية».
المصرف المركزي في قلب الأزمة المالية
في سياق متصل، ذكرت «غلوبال فاينانس» أن المصرف المركزي في ليبيا يقع «في قلب التصعيد السياسي»، فهو في صميم الدورة المالية للدولة، لأنه الجهة القانونية الوحيدة المخولة بتلقي عائدات الهيدروكربونات، ثم يتولى تحويل التدفقات المالية إلى سيولة محلية، لتغطية الرواتب والواردات وتخصيصات النقد الأجنبي، ما يجعله مركز المقاصة الرئيسي للاقتصاد الوطني.
وأضافت: «وضعه هذا الدور مرارا في قلب التصعيد السياسي. ففي أغسطس الماضي، أدى خلاف حول قيادة المصرف المركزي إلى توقف الإنتاج في النصف الشرقي من البلاد، ما تسبب في هبوط سريع للإنتاج من نحو 959 ألف برميل يوميا إلى 591 ألف برميل يوميا».
كما أشارت المجلة الأميركية إلى انقسام الهيكل السياسي الأساسي المستمر في ليبيا بين شرق البلاد وغربها، مما دفع بعثة الأمم المتحدة للدعم للتحذير من أن أي تعطيل لوظيفة المقاصة التي يؤديها المصرف المركزي سيؤدي إلى تجميد الاعتمادات المستندية ومدفوعات الرواتب، نظرا لأن الهيدروكربونات تمثل أكثر من 90% من عائدات الصادرات.
عودة الشركات العالمية وسط استمرار المخاطر السياسية
يأتي ذلك بينما يتواصل تعافي الإنتاج، إذ تستهدف ليبيا الوصول إلى 1.6 مليون برميل يوميا بحلول نهاية العام 2026، مدعومة بإعادة تأهيل الحقول الناضجة في حوضي سرت ومرزق، إلى جانب المكاسب التدريجية الناتجة عن عمليات الحفر. كما بدأت الاستثمارات تعود على نطاق واسع.
ففي فبراير، منحت ليبيا تراخيص لاستكشاف النفط والغاز للمرة الأولى منذ 17 عاما، حيث حصلت شركات «شيفرون» و«إيني» وقطر للطاقة و«ريبسول»، إلى جانب شركات عالمية أخرى، على مناطق امتياز في أحواض سرت ومرزق والمناطق البحرية في البحر المتوسط.
وجاءت هذه الجولة بعد اتفاقات أوسع في قطاع المنبع، شملت شركات: «توتال إنرجيز» و«كونوكو فيليبس» و«بي بي» و«شل» و«إكسون موبيل»، ما يعكس تجدد اهتمام الشركات الدولية باحتياطيات ليبيا المؤكدة، التي تتراوح بين 48 و50 مليار برميل، وهي الأكبر في أفريقيا.
وترى شركة التحليلات «جيوسياسيتيكال ديسك» أن القيود التي تواجه ليبيا أصبحت مالية أكثر منها جيولوجية، إذ استقر الإنتاج، لكن «تدفقات التمويل لا تزال غير منتظمة، ودورات المشتريات مقيدة، والسلطة المالية محل نزاع بين الإدارات المتوازية».
والنتيجة هي مشهد يجمع بين مستويات إنتاج قياسية وإيرادات متزايدة وتنسيق سياسي جزئي، في مقابل استمرار الانقسام في تنفيذ السياسات المالية، ما يعني أن تعافي قطاع النفط الليبي يُقاس بالبراميل المنتجة، لكنه يظل مقيدًا في مدى تحوله الكامل إلى قوة للدولة.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة