أكد معهد «لو دبلومات ميديا» الفرنسي صعوبة إقناع شريحة واسعة في الشارع الليبي بعدم وجود مشروع دولي لتوطين المهاجرين، وسط هشاشة مؤسسات الدولة وانعدام الثقة المتأصل في الجهات الفاعلة الدولية.
وسلط المعهد الضوء على التحولات السياسية في المشهد الحالي في ليبيا التي تتجاوز حدود البلاد بكثير. ففي الرابع من يونيو الجاري تجمع مئات المتظاهرين أمام مكاتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في طرابلس. وكانت رسالتهم واضحة لا لبس فيها، «رفض التوطين الدائم للمهاجرين على الأراضي الليبية» وطالبوا بطردهم.
قلق ليبي متزايد من توطين المهاجرين
وتحت شعاري «ليبيا لليبيين» و«لا للاستيطان»، أعرب المتظاهرون عن قلق متزايد، وهو رؤية بلادهم تتحول إلى منطقة إعادة توطين دائمة للمهاجرين الأفارقة والشرق أوسطيين العالقين على طريق أوروبا.
وحسب المصدر، يكمن في جوهر هذا الحراك قناعة تنتشر على نطاق واسع في الرأي العام الليبي، تتمثل في وجود مشروع دولي يهدف إلى تثبيت المهاجرين في ليبيا بشكل دائم بدلاً من تسهيل عودتهم أو مغادرتهم إلى بلدانهم الأصلية.
- قواعد اللجوء الجديدة في أوروبا تثير الجدل.. فما علاقة ليبيا؟
- وفد دبلوماسي هولندي يتابع أوضاع النزلاء في مركز إيواء المهاجرين بشرق طرابلس
- حكومة حماد تشكل لجنة من 11 عضوًا لمتابعة أوضاع الوافدين والمهاجرين
- الطرابلسي خلال لقائه حراك «لا للتوطين»: لن نسمح بأي تواجد غير شرعي داخل ليبيا
- تقرير دولي: مسار «بنغلاديش – ليبيا – إيطاليا» من أكبر ممرات الهجرة غير القانونية عالميا
وعلى الرغم من نفي بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا سريعًا لأي استراتيجية لإعادة التوطين، واصفةً الاتهامات بأنها «لا أساس لها من الصحة»، إلا أن الضرر قد وقع. ففي ظل هشاشة المؤسسات وانعدام الثقة المتأصل في الجهات الفاعلة الدولية، يصعب إقناع الناس بهذا النفي المتكرر.
ومن المفارقات أن حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» نفسها ساهمت في تأجيج التساؤلات بتأكيدها، في اليوم نفسه، معارضتها لأي سياسة لتوطين المهاجرين على الأراضي الوطنية. ويبدو أن هذا التصريح يُضفي مصداقية على نقاشٍ تُشكك الأمم المتحدة في وجوده.
أعداد المهاجرين واللاجئين في ليبيا
بحسب المنظمة الدولية للهجرة، يوجد حاليًا نحو 900 ألف مهاجر ولاجئ في ليبيا. إلا أن السلطات المحلية والعديد من الشخصيات السياسية تشير إلى أعداد أعلى بكثير، حيث تفترض وصول عدد الموجودين في البلاد إلى 1.5 مليون شخص.
وأدت الحرب الأهلية التي تعصف بالسودان منذ العام 2023 إلى تفاقم هذه الظاهرة. فقد عبر مئات الآلاف من اللاجئين الحدود الجنوبية لليبيا، ما زاد الضغط على البنية التحتية المتهالكة والاقتصاد المنهك أصلاً.
بالنسبة لجزء واسع من السكان، يُنظر إلى هذا الوجود الهائل الآن ليس فقط على أنه تحدٍ اقتصادي وأمني، ولكن أيضًا على أنه تهديد ديموغرافي من المرجح أن يغير بشكل دائم توازنات البلاد.
منذ سقوط العقيد معمر القذافي، ظلت ليبيا دولة ممزقة. فبين الحكومة المعترف بها دوليًا في طرابلس والسلطات الشرقية، تكافح البلاد لإعادة بناء سلطة وطنية قادرة على السيطرة على كامل أراضيها.
انتعاش شبكات تهريب المهاجرين
ووفق تحليل المعهد، أدى هذا الفراغ في السلطة إلى انتعاش نشاط شبكات إجرامية متخصصة في تهريب المهاجرين. في حين أصبح الساحل الليبي أحد أهم نقاط الانطلاق إلى أوروبا، بينما يمثل جنوب الصحراء ممرًا لتدفقات المهاجرين من منطقة الساحل والقرن الأفريقي، والآن من السودان.
وتعكس المظاهرات الأخيرة في طرابلس قلقًا أعمق للسكان الذين يعتقدون أنهم فقدوا السيطرة على حدودهم ويرون في الإدارة الدولية لأزمة الهجرة تعديًا آخر على سيادتهم.
وبعيدًا عن الحالة الليبية، يكشف هذا الحراك عن قصور الاستراتيجية الأوروبية التي تُلقي بمسؤولية مراقبة الهجرة على عاتق الدول الهشة. فعندما ترفض دول العبور نفسها أن تصبح دولًا مضيفة دائمة، تصبح التوترات السياسية والاجتماعية حتمية وفق المعهد.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة