تتصاعد مخاوف أغلب الليبيين من استغلال جهات دولية الانقسام السياسي والأمني وهشاشة الدولة لترتيب خطط تغرق البلاد بمن يسمون الوافدين أو المهاجرين الذين دخلوا البلاد بطرق غير قانونية، ضمن محاولات مشتبه بها لتوطين هذه الفئة على الأرض الليبية. هذه المخاوف مصحوبة برفض قاطع لتحويل السلطات في ليبيا إلى حارس يمنع وصول المهاجرين إلى السواحل الأوروبية، ما يرسخ بقاء هؤلاء داخل الأراضي الليبية ويعزز مخاوف التوطين.
ويعد ملف الهجرة حساسًا للغاية، حيث يوجد مئات الآلاف من المهاجرين واللاجئين في ليبيا بشكل فوضوي خارج القوانين التي تنظم دخولهم وانخراطهم في سوق العمل، ما أفسح المجال أمام المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين للتعامل مع هذا الملف كأمر واقع.
غضب شعبي من محاولات التوطين
واتسعت موجة الغضب والاحتقان في الشارع الليبي بعد تداول معلومات تشير إلى ترتيبات تتعلق بتقديم المفوضية خدمات صحية واجتماعية لحاملي بطاقات اللجوء، بجانب مزاعم أخرى تتحدث عن مشاريع إسكان قد تؤدي إلى استقرار أعداد من المهاجرين في الأراضي الليبية.
وحسب المجلس الاجتماعي لمنطقة السراج التي تحتضن مقر المفوضية بالعاصمة طرابلس، فقد تلقى إفادات من عدد من الصيدليات والمحال التجارية في المنطقة تفيد بتواصل جهات مرتبطة بالمفوضية معها بشأن ترتيبات لتقديم أدوية وخدمات لبعض حاملي بطاقات اللجوء، حيث ترتفع أصوات بعدم قانونية وجود هذه المنظمة في ليبيا التي لم توقع على الاتفاقية الخاصة بأوضاع اللاجئين التي انبثقت عنها المنظمة.
وقفة احتجاجية أمام مقرض مفوضية اللاجئين
وقرر عدد من المكونات الاجتماعية تنظيم وقفة احتجاجية أمام مقر مفوضية اللاجئين، الخميس، بهدف طردها من البلاد ومنحها مهلة عشرة أيام لإغلاق مكتب الهيئة التابعة للأمم المتحدة، بينما تصدر وسم «لا للتوطين» عديد صفحات التواصل الاجتماعي الليبية.
وتنشط المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في ليبيا منذ العام 1991 بموجب مذكرات تفاهم، وتدافع عن دورها بأنه يقتصر على تقديم الدعم الإنساني، لكن كون ليبيا ليست طرفًا في اتفاقية 1951 فإن السيادة هنا للقانون الليبي الذي لا يمنح صفة اللاجئ المقيم خاصة للوافدين بصورة غير قانونية. وتماشيًا مع هذا التنويه، ذهب الممثل الدائم السابق لليبيا لدى الأمم المتحدة، إبراهيم الدباشي، إلى حد المطالبة بإغلاق مكتب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في ليبيا، معتبرًا في تدوينة له بمنصة «فيسبوك» أن وجود مكتب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في ليبيا لا يستند إلى أي أساس قانوني، مطالبًا بإنشاء سلطة وطنية تتولى إدارة ملف المهاجرين واللاجئين وفق القوانين الليبية.
وحسب القانون رقم 24 لسنة 2023 بشأن مكافحة توطين الأجانب، فقد تضمن عقوبات رادعة ضد كل من يدخل البلاد بقصد التوطين أو يساهم في تسهيل ذلك، سواء كان شخصًا أو جهة اعتبارية، ويعرف القانون التوطين بأنه «العمل على إدخال الأجانب إلى ليبيا بقصد البقاء فيها واتخاذها موطنًا دائمًا لهم، ويعتبر من قبيل التوطين إعادة الأجانب إلى ليبيا بعد خروجهم واجتيازهم الإقليم الليبي».
- للاطلاع على العدد «550» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وعلى الرغم من وضوح المشرع الليبي في تعريف التوطين، فإن مراقبين يدعون إلى عدم تجاهل أطراف داخلية سهلت تدفق المهاجرين من الحدود البرية والبحرية، وتحولت مناطق ليبية بعينها إلى مراكز لـ«مافيا» التهريب تقف وراءها مجموعات مسلحة تستغل الوضع الأمني الهش في البلاد لإدخال الأفارقة مقابل مالي.
إجراءات ضد الهجرة غير القانونية
وفي هذه الأثناء، وضعت مختلف الأجهزة الأمنية في شرق البلاد وغربها في حالة استنفار، تحسبًا لما قد يؤول إليه الوضع جراء موجة الغضب والاحتقان إزاء مسألة المهاجرين.
والأربعاء، أعلنت مدينة زوارة شمال غربي ليبيا، التي عرفت نشاطًا ملحوظًا في هذا النوع من التهريب، شأنها شأن مناطق أخرى كالزاوية وصبراتة على سبيل المثال، فرض حظر تجول موقت على الأجانب المقيمين بالمدينة مساء كل يوم.
وبررت البلدية في بيان لها القرار بـ«تعزيز الأمن والسلامة العامة»، وعقدت مديرية أمن زليتن اجتماعًا مع رؤساء الجاليات السودانية والتشادية والنيجيرية والغانية المقيمة في المدينة لبحث أوضاع العمالة الوافدة وتنظيمها.
وفي شرق البلاد، أصدر نائب قائد القيادة العامة صدام حفتر تعليمات للأجهزة الأمنية شرقًا وجنوبًا باتخاذ إجراءات فورية لإنهاء مظاهر التواجد غير القانوني للمهاجرين والأجانب، وضبط المخالفين وغير النظاميين ممن لا يحملون وثائق أو تصاريح أو إجراءات إقامة قانونية في ليبيا.
شملت التعليمات اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم وفقًا لأحكام القانون واللوائح المنظمة للإقامة وشؤون الأجانب، وتزامن ذلك مع ورود معلومات تفيد بضبط الأجهزة الأمنية في مدن بنغازي والبطنان وأجدابيا أعدادًا كبيرة من المهاجرين غير النظاميين استعدادًا لترحيلهم إلى بلدانهم.
وأصدرت الحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد توجيهات عاجلة للأجهزة العسكرية والأمنية ببدء إجراءات واسعة لمكافحة الهجرة غير النظامية، ومنع أي محاولات لتوطين أجانب داخل البلاد، ودعت المنظمات الأممية العاملة في مجال اللجوء إلى احترام سيادة البلاد وعدم تجاوز الاختصاصات الممنوحة لها.
حكومة الدبيبة ترفض التوطين
وأمام هذه المستجدات، أكد المكلف بتسيير شؤون وزارة الخارجية بـحكومة «الوحدة الوطنية الموقتة»، الطاهر الباعور، رفض حكومته أي مشاريع تهدف إلى توطين المهاجرين غير النظاميين في ليبيا، مرجعًا في تصريح صحفي تفاقم ظاهرة الهجرة مؤخرًا إلى ظروف سياسية واقتصادية عالمية، إلى جانب هشاشة الوضع الأمني والانقسام السياسي في ليبيا، ما جعلها ممر عبور رئيسيًا، وفق قوله، موضحًا أن ليبيا غير قادرة على تحمل الأعباء والتكاليف المالية للتعامل مع الأعداد الضخمة من المهاجرين.
وبخصوص بطاقات اللجوء التي أثارت جدلًا، كشف الباعور عن مطالبة البعثة الأممية مؤخرًا بإعادة دراسة الاتفاقيات القانونية الموقعة مع السلطات الليبية خلال السنوات الماضية، مشيرًا إلى أن مفوضية شؤون اللاجئين تمنح بطاقات اللجوء لسبع جنسيات فقط (الصومال، إريتريا، السودان، جنوب السودان، اليمن، سورية، وفلسطين)، وأن هذه البطاقة تهدف إلى نقل اللاجئ إلى بلد ثالث وليس البقاء في ليبيا، ولا يجرى إصدارها إلا بالتنسيق مع وزارة الداخلية والأجهزة المختصة.
ومن جهته، أكد المجلس الأعلى للدولة رفضه لأي مشاريع أو ترتيبات أو تفاهمات من شأنها أن تؤدي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى توطين المهاجرين داخل ليبيا، مشددًا على أن أي إجراءات تمس التركيبة السكانية أو الهوية الوطنية للمجتمع الليبي مرفوضة تحت أي مسمى أو ذريعة.
وفي المقابل، طالب مجلس النواب جميع الجهات التنفيذية والإدارية والرقابية والأمنية بـ«التصدي لأي إجراءات أو ترتيبات يمكن أن تفسر أو تُستغل باعتبارها تمهيدًا أو غطاءً لأي مشروع يستهدف توطين الأجانب أو إحداث تغيير ديمغرافي في البلاد».
ولا تستبعد شواهد ميدانية في عديد المناطق الليبية، بما فيها العاصمة طرابلس، تصاعد موجة الغضب جراء الوضع الفوضوي الحالي للمهاجرين وما في حكمهم من العمالة الوافدة، بما ينذر بصدامات غير مستبعدة بين السكان المحليين وبعض أولئك المهاجرين، مع تزايد خطاب التحريض ضدهم وعجز السلطات القائمة عن احتواء الموقف.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة