آخر الأخبار

هيكلة دعم الوقود: الدروس التي يجب أن تستفيد منها ليبيا

شارك

يتزايد الجدل في ليبيا حول مستقبل دعم الوقود وإمكانية استبداله بمنظومة دعم نقدي مباشر للمواطنين. وعلى الرغم من أن الفكرة تبدو منطقية من الناحية الاقتصادية، فإن التجارب الدولية تشير إلى أن نجاحها لا يرتبط بمجرد رفع الدعم أو توزيع مبالغ نقدية، بل بكيفية تصميم الإصلاح وتنفيذه ضمن إطار اقتصادي ومؤسسي متكامل.

تُعد التجربة الإيرانية من أبرز التجارب في هذا المجال. ففي عام 2010 اتخذت الحكومة قرارًا جريئًا برفع أسعار الوقود والطاقة بشكل كبير، مقابل تقديم تحويلات نقدية مباشرة لمعظم المواطنين. وقد ساهمت هذه الخطوة في البداية في خفض استهلاك بعض أنواع الوقود وتقليل جزء من الأعباء المالية المترتبة على الدعم. إلا أن المشكلة ظهرت لاحقًا عندما تحولت التحويلات النقدية إلى التزام دائم وواسع النطاق، بينما أدت معدلات التضخم المرتفعة إلى تآكل قيمتها الشرائية. ومع مرور الوقت، وجدت الدولة نفسها أمام ضغوط مالية واجتماعية أعادت الدعم بأشكال مختلفة، ما جعل التجربة مثالًا على أن الدعم النقدي قد يفقد فعاليته إذا لم يكن مصحوبًا باستقرار مالي ونقدي حقيقي.

أما إندونيسيا فقد حققت نتائج أفضل نسبيًا من خلال الجمع بين رفع أسعار الوقود وبرامج تحويل نقدي موجهة للفئات الأقل دخلًا. وقد نجحت الحكومة في خفض فاتورة الدعم بشكل ملحوظ، كما أظهرت الدراسات أن التحويلات النقدية كانت أكثر كفاءة في تخفيف الفقر مقارنة بالدعم السعري التقليدي. غير أن هذه التجربة كشفت أيضًا أن الإصلاحات الاقتصادية تظل عرضة للضغوط السياسية، إذ عادت الحكومة إلى توسيع الدعم عندما ارتفعت أسعار الطاقة عالميًا، ما يؤكد أن نجاح الإصلاح لا يعتمد فقط على الجانب الفني، بل يحتاج إلى توافق سياسي ومجتمعي واسع.

وفي المقابل، تقدم نيجيريا نموذجًا مختلفًا يبرز مخاطر رفع الدعم دون توفير شبكات حماية اجتماعية كافية. فبعد إلغاء دعم الوقود ارتفعت تكاليف النقل والمعيشة بصورة حادة، بالتزامن مع تراجع قيمة العملة المحلية وارتفاع معدلات التضخم. واضطرت الحكومة لاحقًا إلى إطلاق برامج دعم نقدي طارئة للتخفيف من آثار الإصلاح على الأسر محدودة الدخل. وتوضح هذه التجربة أن الإصلاح المالي قد يتحول إلى أزمة اجتماعية إذا لم يسبقه إعداد مؤسسي جيد وإجراءات واضحة لحماية الفئات الأكثر تضررًا.

وتقودنا هذه التجارب إلى حقيقة مهمة مفادها أن الدعم النقدي ليس عصًا سحرية لحل مشكلة دعم الوقود. فهو قد يكون أكثر عدالة وشفافية وكفاءة من الدعم العيني، لكنه يحتاج إلى سجل اجتماعي دقيق، ونظام دفع موثوق، واستهداف واضح للمستحقين، إضافة إلى بيئة اقتصادية مستقرة تحافظ على القيمة الحقيقية للتحويلات النقدية. كما يتطلب إصلاحًا أوسع لمنظومة الطاقة والنقل وآليات التسعير، بحيث يصبح جزءًا من رؤية اقتصادية متكاملة، لا مجرد إجراء مالي منفصل.

بالنسبة لليبيا، فإن النقاش يجب ألا يقتصر على مسألة استبدال الدعم العيني بدعم نقدي، بل ينبغي أن يركز على كيفية بناء منظومة مستدامة تحقق العدالة الاجتماعية، وتحد من الهدر والتهريب، وتراعي قدرة الدولة المالية على المدى الطويل. فالتجارب الدولية تؤكد أن الدعم النقدي ينجح عندما يكون موجهًا ومحددًا وقابلًا للمراجعة، أما إذا تحول إلى حق شامل ومفتوح النهاية، فإنه قد يصبح عبئًا جديدًا لا يقل تكلفة عن الدعم الذي جاء لاستبداله.

الرائد المصدر: الرائد
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا