بينما ينظر سياسيون ليبيون إلى مبادرتي واشنطن والأمم المتحدة على أنهما «وجهان لعملة واحدة»، تسارع الولايات المتحدة إلى كسب مزيد مواقف الحكومات الغربية، على غرار إيطاليا، في صفها، في وقت ينظر فيه الروس بعين الريبة إلى خطط الأميركيين في ليبيا على كونها محاولة لإقصاء موسكو من البلاد، والاستئثار بموارد الطاقة، وعقد الصفقات التجارية على حسابها.
وفي روما، وبعد ساعات من زيارة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة»، عبدالحميد الدبيبة، ولقائه رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، اجتمعت الأخيرة مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وكان الملف الليبي ضمن القضايا البالغة الأهمية التي أُثيرت بين الجانبين.
توافق أميركي - إيطالي بشأن ليبيا
واعتبرت جرائد إيطالية أن اللقاء لم يكن مجرد تقارب طبيعي في وجهات النظر حول ليبيا، بل هو توافق حقيقي على رهان إيطالي «أقنع» إدارة واشنطن بمقاربتها. مع ذلك، لا تزال هناك صعوبات سياسية وتقنية، كما أشارت مبعوثة الأمم المتحدة هانا تيتيه، التي أوضحت أن الجمود السياسي في ليبيا وتنافس المؤسسات يعرقلان إجراء الانتخابات الوطنية، وجهود إعادة توحيد البلاد.
ووفقًا لهانا تيتيه، فإن خريطة الطريق التي قدمتها في أغسطس الماضي لم تُحقق نتائج ملموسة حتى الآن.
في المقابل، يتابع مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، الملف الليبي، ويُقال إنه يعمل على اتفاق سياسي صعب، لكنه ممكن، بين مركزي القوة الرئيسيين في ليبيا: المشير خليفة حفتر والدبيبة.
مبادرتا واشنطن وتيتيه وجهان لعملة واحدة
ورأى رئيس تجمع تكنوقراط ليبيا، أشرف محمد بلها، بخصوص مبادرة واشنطن وتيتيه أنهما «وجهان لعملة واحدة»، لأن كلتيهما تقوم على التفاهم بين طرفي النزاع الليبي من حيث آلية التفاوض وشكل المخرجات.
وأضاف بلها في تصريح إلى «الوسط»: «كل طرف هو واجهة لمجموعة أو جبهة متكونة من قوى عدة، سياسية وعسكرية وقضائية وسيادية، والفارق البسيط هو أن مبادرة مسعد بولس مدعومة من أميركا فقط، بينما خطة المبعوثة الأممية لها غطاء أممي ضعيف ومتنازع».
- المجلس الأطلسي: ماذا وراء مبادرة بولس في ليبيا وهل تنجح في تحقيق الاستقرار؟
- «جون أفريك»: هل تقترب «ليبيا الموحدة» عبر تحركات مسعد بولس؟
- جريدة «الوسط»: رسائل مشفرة من طرابلس مقابل تفاؤل أميركي
- بولس: الولايات المتحدة تدعم جهود تيتيه الحالية للوصول إلى الانتخابات في ليبيا
وإن كانت هذه العملية تقود نحو تشكيل حكومة موحدة أم تقاسم السلطة بين الشرق والغرب، يرى السياسي الليبي أن القرارات الدولية في مجلس الأمن ومبادرات البعثة الأممية للدعم في ليبيا تؤكد تشكيل حكومة جديدة. لكن تشكيلها على أنها حكومة جديدة بالكامل، أو حكومة موحدة، هو أمر تفرضه مخرجات التفاوض، وتوافق الأطراف الخارجية المتدخلة في الشأن الليبي.
لكن بالنسبة للروس، فإن مساعي الولايات المتحدة وراء خططها في ليبيا هو لإقصاء موسكو من ليبيا، والاستئثار بموارد الطاقة. وما أثار تحفظها أن الخطة لا تقوم على انتخابات ديمقراطية، بل على اتفاق قبلي، إذ يُقترح تقسيم السلطة في البلاد بين عائلتين نافذتين، بل إن وراء هذه المبادرة السلمية حسابات تجارية بحتة: تسعى واشنطن إلى القضاء على الوجود الروسي في البلاد، والسيطرة على الموارد التي سارعت شركات أميركية نافذة إلى ترسيخ وجودها فيها.
وسردت جريدة «إزفستيا» الروسية، الثلاثاء، تفاصيل هذه الصفقة.
اهتمام إدارة ترامب بليبيا
وبدأت الولايات المتحدة العمل على هذه المبادرة في عهد الرئيس السابق جو بايدن، لكنها اكتسبت زخمًا جديدًا في عهد دونالد ترامب. وتُبدي الإدارة الأميركية الحالية استعدادها لمناقشة الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الليبية المجمدة وإبرام صفقات تجارية، مما يُسهل المفاوضات بشكل كبير.
ونقل المصدر عن مسؤول أميركي قوله: «هذا جهد حكومي شامل لجعل ليبيا متاحة لشركات النفط الأميركية، وخلق فرص لليبيين».
وكلف الرئيس الأميركي مندوبه الخاص لشؤون أفريقيا، مسعد بولس، بحل هذه المسألة. وفي الأسبوع الماضي، زار وزير النفط الليبي واشنطن.
توحيد ليبيا من خلال المصالحة بين عائلتين نافذتين
وقال مدير قسم شمال أفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، ريكاردو فابياني: «هناك أموال طائلة يمكن جنيها من استكشاف حقول النفط الجديدة، والأميركيون مهتمون جدًا بكل هذا، خاصة الآن، في ظل الحرب في إيران».
ووفقًا لخطة إدارة ترامب، يجب توحيد ليبيا من خلال المصالحة بين عائلتين نافذتين في البلاد: عائلة الدبيبة التي تسيطر على معظم غرب ليبيا، وعاصمتها طرابلس، وعائلة حفتر التي تسيطر على شرق البلاد.
كما تحاول الولايات المتحدة، تحت غطاء المناورات العسكرية، ترسيخ موطئ قدم لها في ليبيا، وتسعى إلى تعزيز موقعها في شمال أفريقيا، وإضعاف نفوذ موسكو.
ليبيا أكبر احتياطيات نفطية في أفريقيا
تمتلك ليبيا أكبر احتياطيات نفطية في أفريقيا، إذ تبلغ نحو 48.4 مليار برميل، ما يضعها في المرتبة التاسعة عشرة عالميًا. إضافة إلى ذلك، تسعى البلاد جاهدة لاستكشاف حقول جديدة، حيث تحتوي الأحواض الرسوبية الليبية على ما يقارب 18 مليار برميل من النفط الصخري وعشرات التريليونات من الأمتار المكعبة من الغاز.
وقال الباحث في قسم الشرق الأوسط وما بعد الحقبة السوفيتية بمعهد المعلومات العلمية للعلوم الاجتماعية التابع للأكاديمية الروسية للعلوم، دانيلا كريلوف، لـ«إزفستيا»: «قبل الإطاحة بالزعيم معمر القذافي، كانت ليبيا تحتل المرتبة الثانية عشرة تقريبًا في العالم من حيث صادرات النفط، حيث كانت تنتج نحو 1.6 مليون برميل يوميًا.
وبالمقارنة، يسمح ميناء الفجيرة في الإمارات العربية المتحدة، على ساحل خليج عُمان في المحيط الهندي، حاليًا للإمارات بشحن نحو 1.8 مليون برميل يوميًا».
موارد النفط الليبية ذات أهمية بالغة للدول الغربية
ومع انقطاع الإمدادات من إيران والبحر الأحمر، باتت موارد النفط الليبية ذات أهمية بالغة للدول الغربية.
ووفقًا للمؤسسة الوطنية للنفط، بلغت عائدات النفط في أبريل 2.9 مليار دولار، أي ثلاثة أضعاف المبلغ في بداية العام.
مع ذلك، يعتقد بعض الخبراء أن هذه الأرقام بعيدة عن الواقع إلى حد ما بسبب أنشطة الحكومة غير الشفافة، ويجادلون بأن الحرب في إيران «لم تُغير بشكل ملحوظ بيئة الاستثمار في البلاد». ويقول مؤسس موقع «ليبيا-أناليسيس» مؤلف كتاب «ليبيا والاضطراب العالمي المستمر»، جيسون باك: «إذا اعتقدت الولايات المتحدة وحلفاؤها أن ليبيا ستكون قادرة على تعويض خسارة كميات النفط بسبب ما يحدث في الخليج العربي، فسوف يصابون بخيبة أمل».
ويقارن الوضع الحالي بالوضع الذي نشأ في عام 2022، عندما اعتقدت العديد من الدول أن ليبيا يمكن أن تحل محل روسيا كمورد للغاز إلى أوروبا.
ويؤكد الخبير قائلاً: «لكن الليبيين لم ينجحوا، ولن ينجحوا الآن. إن فكرة قدرة ليبيا على توفير كميات كبيرة من النفط في فترة زمنية قصيرة بينما تستمر الحرب مع إيران هي فكرة مثيرة للسخرية».
الأميركيون يسعون لإخراج روسيا من أفريقيا
بدوره، يُشير عالم السياسة دانيلا كريلوف إلى أن الأميركيين يسعون لإخراج روسيا من أفريقيا ليس فقط من أجل موارد الطاقة.
ويذكر الخبير: «هناك قاعدة عسكرية روسية في جنوب ليبيا، وتواجه هذه القاعدة مشاكل في الإمداد. لا يمكننا التوصل إلى اتفاق مع السودان بشأن السيطرة على ميناء بورتسودان، وإنشاء قاعدة بحرية هناك، على غرار القاعدة الموجودة في طرطوس، لتوفير الإمدادات للجماعة. كما لا يمكننا التوصل إلى اتفاق مع مصر، لأن الدستور يحظر نشر قواعد عسكرية أجنبية في البلاد». وبحسب قوله، سيستمر تزويد الفيلق الأفريقي التابع لوزارة الدفاع الروسية عبر شرق ليبيا.
أما بالنسبة للأميركيين، فيُعد هذا الفيلق «شوكة في خاصرتهم، وبإخراجه من ليبيا وتعطيل منظومة القيادة بأكملها، لن يخلقوا لأنفسهم فرصة بقدر ما سيوسعون نطاق نفوذ الفرنسيين».
وحسب التقرير الروسي، تركز الولايات المتحدة حاليًا على الوصول إلى موارد الطاقة الليبية، وتراهن على النمو الاقتصادي. ففي فبراير، حصلت شركة «شيفرون» على ترخيص للتنقيب في حوض سرت الليبي. وفي أغسطس، وقعت شركة «إكسون موبيل» مذكرة تفاهم مع المؤسسة الوطنية للنفط بشأن عودتها إلى السوق الليبية.
في الوقت نفسه، تعمل شركتا «إيني» الإيطالية و«ريبسول» الإسبانية على زيادة عمليات الحفر، بهدف زيادة الإنتاج إلى مليوني برميل يوميًا بحلول عام 2030.
استثمار شديد المخاطر في ليبيا
وتستثمر الشركات الغربية في بنيتها التحتية، لكنها تفعل ذلك بحذر شديد نظرًا للمخاطر السياسية، حيث تبني «إيني» مشروع «ستركتشرز إيه آند إي» بتكلفة ثمانية مليارات دولار، ومن المقرر إنجازه بحلول نهاية عام 2027. وتعمل «ريبسول» على زيادة الإنتاج في حقل الشرارة من خلال تطبيق تقنيات جديدة. إلا أن الصراع الطويل الأمد أدى إلى تدمير جزء كبير من البنية التحتية للنفط والغاز في البلاد، التي ورثتها البلاد من عهد معمر القذافي.
ويتطلب إعادة بناء وتحديث صناعة النفط، فضلاً عن تحقيق هدف الإنتاج الطموح البالغ مليوني برميل يوميًا، استثمارات ضخمة. وتشير تقديرات مختلفة إلى الحاجة إلى ما بين 3 و4 مليارات دولار سنويًا.
وستُستخدم هذه الأموال بشكل أساسي في ترميم المنشآت المتضررة، وتحسين الإنتاج بالحقول القديمة، واستكشاف حقول جديدة.
وقد تستغرق عملية التحديث من خمس إلى سبع سنوات، بافتراض استقرار الوضع السياسي، وهو ما يفتقر إليه القطاع حاليًا.
وعلى الرغم من عدم وجود أي حديث عن تقارب بين الجانبين الليبيين، فقد أُحرز بعض التقدم الطفيف. ففي أوائل أبريل، أعلن مصرف ليبيا المركزي اعتماد أول موازنة موحدة للبلاد منذ فترة طويلة.
المبادرة الأميركية في ليبيا ضرب من الخيال
ويرى دانيلا كريلوف أن احتمالية توحيد العائلتين تحت قيادة الولايات المتحدة ضئيلة للغاية، ويعد المبادرة الأميركية ضربًا من الخيال.
ويضيف: «علاوة على ذلك، تبرز تساؤلات: هل يدرك الأميركيون تمامًا تفاصيل التفاعلات القبلية في ليبيا؟ وهل يدركها أحد في المنطقة أو العالم أجمع؟ لا أظن ذلك. لكن الولايات المتحدة ستحاول. مع ذلك، لن يفيد هذا أحدًا، لذا من المرجح أن ينتهي بنا المطاف بمنطقة صراع أخرى فوق المناطق التي نعانيها بالفعل».
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة