اختتمت في العاصمة طرابلس جلسات مسار السلم الاجتماعي والمصالحة الوطنية بالحوار المهيكل، بعد نقاشات موسعة تناولت أوضاع المدن والمناطق التي شهدت صراعات خلال السنوات الماضية، وحاجتها إلى إعادة الإعمار وجبر الضرر.
ركزت المحادثات على مدن ومناطق ورشفانة وتاورغاء وبني وليد ومرزق، مع طرح رؤى ومقترحات لدعم مسار المصالحة الوطنية وترسيخ الاستقرار في البلاد.
سيف النصر: ورشفانة دفعت ثمناً باهظاً
وقال عضو الحوار المهيكل الدكتور أبوعجيلة عامر سيف النصر، في تصريح إلى «بوابة الوسط»، إن المشاركين قدموا إحاطات تناولت تداعيات النزاعات المسلحة على مجتمعاتهم المحلية، إلى جانب رؤى ومقترحات لدعم مسار المصالحة الوطنية وتعزيز السلم الاجتماعي.
وتحدث سيف النصر في إحاطته عن ورشفانة التي «دفعت ثمناً باهظاً منذ عام 2011»، حسب تعبيره، مشيراً إلى تعرضها لـ«اجتياحات عسكرية وحصار وتهجير واستهداف للبنية التحتية والسجلات المدنية والعقارية».
وأضاف أن ورشفانة «اختارت الانحياز لمؤسسات الدولة ورفضت الانجرار إلى ردود الفعل الانتقامية»، معتبراً أن ما شهدته المنطقة يجعلها «نموذجاً وطنياً للمصالحة»، بعدما بادرت – بحسب قوله – إلى فتح الطرق وقبول لجان الصلح والتمسك بخيار الدولة المدنية.
وأشار إلى أن مجلس النواب سبق أن أعلن ورشفانة «منطقة منكوبة إنسانياً» عقب أحداث العام 2014، لافتاً إلى أن المنطقة «لم تحظَ ببرامج إعمار حقيقية على الرغم من القرارات الصادرة بهذا الشأن».
وتضمنت الإحاطة، وفق سيف النصر، جملة من المقترحات لإنجاح مسار المصالحة، من بينها «الاعتراف بالانتهاكات وجبر الضرر وإعادة الإعمار، وتفكيك خطاب الكراهية، وضمان المساءلة القانونية، إلى جانب إشراك البلديات والمجالس الاجتماعية والشباب والنساء في جهود المصالحة».
وأكد سيف النصر أن «ورشفانة لا تطلب الشفقة، بل تسعى إلى شراكة وطنية قائمة على العدالة والكرامة»، مضيفاً أن «إنصاف ورشفانة يمثل انتصاراً لفكرة الدولة وهزيمة لمنطق الإقصاء والغلبة».
عبدالله الحاسي: المصالحة والعدالة الانتقالية مدخل للاستقرار
من جانبه، قال عضو الحوار المهيكل عبدالله الحاسي إن اللقاء الأخير للمجموعة ركز بصورة موسعة على ملفات المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، باعتبارهما مدخلاً أساسياً لتحقيق الاستقرار وتهيئة البلاد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وأوضح الحاسي، في تصريح إلى «بوابة الوسط»، أن المجموعة استعرضت خلال اجتماعاتها مختلف التجارب السابقة المرتبطة بالمصالحة الوطنية، وما واجهته من تحديات سياسية ومجتمعية وأمنية، إلى جانب تقييم النجاحات التي تحققت خلال السنوات الماضية، والدروس المستفادة من تعثر بعض المبادرات.
وأضاف أن المشاركين ناقشوا بصورة معمقة قضايا العدالة الانتقالية وآليات جبر الضرر ومعالجة آثار النزاعات والانقسامات التي شهدتها البلاد، إضافة إلى أهمية بناء الثقة بين المكونات الاجتماعية والمناطق المختلفة، بما يسهم في تعزيز السلم الاجتماعي وتهيئة بيئة مستقرة للحوار السياسي.
وأشار الحاسي إلى أن المجموعة خلصت إلى «عدة توصيات رصينة» تهدف إلى إعادة تفعيل مسار المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، مؤكداً أن هذه التوصيات تستند إلى ضرورة إشراك جميع الأطراف والمكونات الليبية في أي مشروع وطني شامل للمصالحة، وعدم الاكتفاء بالحلول السياسية التقليدية.
- مساران في «الحوار المهيكل» يستأنفان الاجتماعات في طرابلس
- قزيط لـ«بوابة الوسط»: عدم تنفيذ مخرجات الحوار المهيكل قد يؤدي إلى فوضى سياسية.. وتشكيل حكومة جديدة «مطلب شعبي»
- البعثة الأممية تعلن نتائج اجتماعات مسار الحوكمة في «الحوار المهيكل»
وأكد أن المجتمعين شددوا على أن تحقيق الاستقرار الدائم في ليبيا لا يمكن أن يتم بمعزل عن معالجة الملفات الإنسانية والاجتماعية العالقة، وفي مقدمتها قضايا المهجرين والمفقودين والموقوفين وتعويض المتضررين من النزاعات، مع ضرورة ترسيخ مبادئ العدالة وسيادة القانون.
وبيّن الحاسي أن الحوار المهيكل يرى في المصالحة الوطنية «أساساً حقيقياً» لبناء الدولة وتهيئة الظروف الملائمة لإجراء انتخابات وطنية شاملة تحظى بقبول مختلف الأطراف، موضحاً أن أي عملية انتخابية دون توافقات مجتمعية وسياسية واسعة قد تعيد إنتاج الأزمة من جديد.
العقوري: يجب اعتماد ميثاق يُعنى بالعدالة
بدورها، قالت عضوة الحوار المهيكل أماني العقوري إن جلسة الحوار الأخيرة خُصصت لملف المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، باعتباره أحد أبرز المسارات الضرورية لإنهاء الانقسام السياسي والاجتماعي في ليبيا وبناء أرضية مشتركة تفضي إلى الاستقرار الدائم وإجراء الانتخابات الوطنية.
وأوضحت العقوري، في تصريح إلى «بوابة الوسط»، أن المشاركين شددوا على أهمية اعتماد «ميثاق وطني ليبي» بملكية ليبية يُعنى بالمصالحة والعدالة الشاملة بين الليبيين، ويؤسس لرؤية وطنية جامعة تقوم على مبادئ التوافق والإنصاف وعدم الإقصاء، مؤكدة أن هذا الميثاق يجب أن يشارك في صياغته مختلف مكونات المجتمع الليبي.
وأضافت أن المجتمعين أكدوا ضرورة إشراك جميع الفئات الاجتماعية في مسار المصالحة، بما في ذلك المرأة والأشخاص ذوو الإعاقة والمكونات الثقافية، إلى جانب الشباب ومؤسسات المجتمع المدني، لضمان أن يكون مشروع المصالحة شاملاً ومعبرًا عن مختلف الأطياف الليبية.
وبيّنت العقوري أن النقاشات ركزت كذلك على ضرورة بناء المصالحة على «ثوابت وطنية» ومبادئ حاكمة تعزز قيم المواطنة والعدالة وسيادة القانون، وتدعم اللحمة الوطنية بعد سنوات من الصراع والانقسام، مشيرة إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الطروحات النظرية إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ على الأرض.
وأكدت أن المشاركين في الحوار اعتبروا العدالة الانتقالية ركيزة أساسية لأي تسوية وطنية مستدامة، من خلال معالجة آثار النزاعات السابقة وجبر الضرر وتحقيق الإنصاف للمتضررين، بما يسهم في استعادة الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع.
وختمت العقوري بالتأكيد على أن نجاح مشروع المصالحة الوطنية من شأنه أن يمهد لمرحلة جديدة تكفل للشعب الليبي الأمن والاستقرار، وتفتح الطريق أمام بناء دولة موحدة قائمة على الشراكة الوطنية والتوافق بين جميع الليبيين.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة