فيما حط الملف الليبي مجدداً في القاهرة عبر اجتماع الثلاثية «مصر، وتونس، والجزائر»، أثير جدل حاد داخل البلاد حول قضايا المساءلة، ومسار العدالة الانتقالية، ونزاهة القضاء، على خلفية الحكم ببراءة متهمين من رموز النظام السابق، إلى جانب متابعة محاكمة المتهم الليبي خالد الهيشري أمام المحكمة الجنائية الدولية، حيث استحوذت جلسات تأكيد التهم والاستماع لشهود وضحايا القيادي السابق فيما يعرف بجهاز الردع، المتهم بانتهاكات ضد محتجزين في سجن معيتيقة، على الاهتمام، ما سلط الضوء على جوانب أخرى من طبيعة دور بعض الأجهزة الرسمية في تغول قادة السجون والمعتقلات.
الهيشري يواجه 17 تهمة
ويواجه الهيشري 17 تهمة بالتورط المباشر في انتهاكات بحق محتجزين، وفق محامي الادعاء أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، وتعد هذه المرحلة إجرائية، تهدف إلى تقييم ما إذا كانت الأدلة المقدمة من الادعاء كافية للانتقال إلى مرحلة المحاكمة، علماً بأن الهيشري، حتى اللحظة، غير مدان قانونياً.
واستند الادعاء إلى عشرات الشهادات والمواد التوثيقية خلال جلسات الاستماع التي استمرت ثلاثة أيام حتى الخميس، وعرض الادعاء 17 تهمة، منها 6 تهم تتعلق بجرائم حرب، و11 تهمة تتعلق بجرائم ضد الإنسانية داخل سجن معيتيقة، ضمن ما وصفه الادعاء بمنظومة الاحتجاز التابعة لجهاز الردع، وشملت الإفادات أيضاً عناصر وحراساً سابقين.
وتضمنت الجلسة عرض شهادات عن وقائع تعذيب، واحتجاز تعسفي، وعنف جنسي بحق نساء ورجال وأطفال داخل مراكز الاحتجاز.
وحسب حقوقيين ليبيين، فإن الانتهاكات موجودة في سجون ومقار احتجاز أخرى في عدة مدن، من بينها مصراتة، والماية، والزاوية، والكويفية، وقرنادة وغيرها، بينما لا يزال عديد المسؤولين والمتورطين في انتهاكات مشابهة بعيدين عن أي مساءلة حقيقية حتى اليوم.
دفاع نجيم يطعن ضد الإجراءات المتخذة بحقه
وفي السياق، قدم فريق الدفاع عن آمر جهاز الشرطة القضائية السابق، أسامة نجيم، طعناً رسمياً أمام المحكمة الجنائية الدولية ضد مقبولية الإجراءات القضائية المتخذة بحقه، مطالباً بإحالة القضية إلى القضاء الليبي، رافضاً محاكمته في لاهاي، وهو الآخر متهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وترى مذكرة الدفاع أن استمرار محاكمته أمام المحكمة الجنائية الدولية يتعارض مع مبدأ التكامل المنصوص عليه في نظام روما.
وتعود تفاصيل القضية إلى نوفمبر الماضي، حين أعلن مكتب النائب العام حبس نجيم احتياطياً، على خلفية وقائع تتعلق بانتهاك حقوق نزلاء مؤسسة الإصلاح والتأهيل بطرابلس.
تبرئة 25 من قيادات النظام السابق
ويثير هذا المطلب جدلاً متواصلاً حول مدى استقلالية ونزاهة القضاء الليبي، بعيداً عن الاعتبارات السياسية في إصدار أحكامه، خصوصاً تلك التي صدرت قبل أيام، حيث فوجئ الليبيون، بعد مضي نحو 15 عاماً، بإعلان «استئناف طرابلس» انتهاء ملاحقة سيف الإسلام القذافي قضائياً، وتبرئة ساحة 25 من قيادات النظام السابق، بينهم رئيس جهاز الاستخبارات الليبي السابق عبدالله السنوسي، من التهم المتعلقة بقمع المتظاهرين خلال أحداث فبراير 2011.
وشمل الحكم أيضاً البغدادي المحمودي، آخر رئيس وزراء في عهد النظام السابق، ومنصور ضو قائد الحرس الشعبي، ومحمد بلقاسم الزوي، آخر أمين لمؤتمر الشعب العام، وأبوزيد دوردة، آخر رئيس لجهاز الاستخبارات الخارجية السابق، وعبدالحفيظ الزليتني، المحافظ السابق لمصرف ليبيا المركزي.
لكن السنوسي ما زال يواجه تهمة تتعلق بقضية سجن أبوسليم التي وقعت عام 1996، وقُتل فيها أكثر من 1200 سجين، إذ عبرت رابطة أهالي ضحايا مجزرة أبوسليم عن «صدمتها» من حكم براءة عبدالله السنوسي، معتبرة أن الحكم صدر على الرغم من وجود «أدلة مادية ومرئية وصوتية» توثق وقائع القتل والقمع.
اجتماع الآلية الثلاثية بالقاهرة
ويأتي ذلك في وقت طار فيه الملف الليبي مجدداً ليحط في القاهرة، باجتماع آلية التشاور الثلاثية بشأن ليبيا، الخميس، بمشاركة وزراء خارجية مصر بدر عبدالعاطي، والجزائر أحمد عطاف، وتونس محمد علي النفطي.
ويعزز الاجتماع الثلاثي الجهود الإقليمية والدولية، والتعاون مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، من أجل مواصلة دعم وتشجيع الحوار الليبي–الليبي للتوصل إلى التسوية المنشودة.
- «استئناف طرابلس» تقضي ببراءة قيادات بالنظام السابق من تمهة قمع المتظاهرين إبان ثورة 17 فبراير
- «الجنائية الدولية» تختتم جلسة تأكيد التهم ضد الهيشري.. وتوضح الخطوة التالية
- وزراء خارجية دول الجوار في بيان مشترك: الحل السياسي الشامل السبيل الوحيد لإنهاء الأزمة الليبية
- المنفي وممثلو 29 حزبا يدعون إلى إطلاق نقاش وطني لعبور المرحلة الانتقالية
- عقيلة أمام مجلس النواب المصري: نتطلع إلى تكامل وتعاون سياسي واقتصادي
وزار رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، العاصمة المصرية هذا الأسبوع، وسط تساؤلات حول أهداف الزيارة التي تزامنت مع الحراك الدبلوماسي والدولي الجاري عبر المبادرة الأميركية، ولجنة «4+4»، والحوار المهيكل، التي قد تدفع في نهاية المطاف نحو إعادة تشكيل السلطة في ليبيا.
وشدد عقيلة صالح على أهمية الدور المصري، مؤكداً أن القاهرة «تدفع باتجاه توحيد المؤسسات، وإخراج القوات الأجنبية، وتشكيل حكومة موحدة تمهد لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وفق إرادة الليبيين».
توافق بين المنفي ورؤسا الأحزاب
داخلياً، أعلن المجلس الرئاسي، الأربعاء، عن توافق سياسي جديد بين رئيسه محمد المنفي، ورؤساء وممثلي عددٍ من الأحزاب السياسية، في لقاء جمع الطرفين، حول مجموعة من المبادئ والمحددات الوطنية المنظمة للمسار السياسي المقبل، في خطوة تستهدف دعم الاستقرار ومنع عودة الانقسام المؤسسي والسياسي في البلاد.
وأوضح المجلس الرئاسي، في بيان، أن اللقاء ناقش بصورة معمقة مستقبل العملية السياسية الليبية، وآليات الدفع بالمسار الديمقراطي، إلى جانب سبل توحيد الرؤى الوطنية، وتحصين الاستحقاقات الانتخابية المقبلة من أي أزمات أو نزاعات جديدة.
وحسب البيان، فإن اللقاء «جاء في إطار ما وصفه المجلس بمسؤوليته الوطنية والتاريخية باعتباره المؤسسة السياسية السيادية العليا ورمز وحدة البلاد، وسط ظروف سياسية دقيقة تشهدها ليبيا، تستدعي تكثيف التشاور بين رئاسة الدولة والقوى السياسية لتجاوز حالة الجمود، ومنع تحول أي استحقاق سياسي قادم إلى نقطة انقسام جديدة».
وطرح المنفي والأحزاب رؤية مشتركة تعتبر أن نجاح المرحلة المقبلة لا يرتبط فقط بإقرار القوانين أو تحديد مواعيد الانتخابات، بل يتطلب أيضاً إطلاق نقاش وطني واسع بشأن الضمانات السياسية والأمنية والمؤسسية الكفيلة بحماية نتائج الانتخابات، وأن العملية السياسية يجب أن تبقى قائمة على الملكية الوطنية الكاملة، مع حصر دور الشركاء الدوليين والبعثة الأممية في الإطار الداعم والميسر.
دعم أوروبي للجهود الأممية
وفي الأثناء، جدد الاتحاد الأوروبي، على لسان السفير نيكولا أورلاندو، عقب اجتماع رؤساء البعثات الأوروبية مع مبعوثة الأمم المتحدة إلى ليبيا هانا تيتيه، الثلاثاء، التأكيد على «الدعم القوي لجهود التيسير التي تبذلها البعثة الأممية»، وضرورة انخراط جميع الأطراف الليبية بجدية في خريطة الطريق التي ترعاها الأمم المتحدة، بما يدعم وحدة ليبيا وسيادتها واستقرارها وازدهارها.
كل هذا لم يزح الحالة الضبابية التي تلازم المشهد الليبي على مدى السنوات الماضية، ولا يزال الوضع في ليبيا في حالة سيولة، دون مؤشرات حاسمة للتغيير، أو المضي بالعملية السياسية إلى الأمام، وصولاً إلى اتفاق على موعد الاستحقاق الانتخابي من قبل الفرقاء كافة.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة