تحولات اجتماعية متسارعة يشهدها المجتمع الليبي، ربما من أخطرها الظواهر السلوكية الجديدة التي لم تكن مألوفة، منها تنامي مظاهر اللامبالاة والسلوك العدواني لدى فئة الأطفال في سن ما قبل المراهقة وبداياتها.
مشاهد يومية تبرز بشكل واضح هذه التحولات العميقة التي طرأت على هذه الفئة السنية، فلم يعد الأطفال مدركين للمخاطر من حولهم، فنرى البعض يقود السيارات بشكل متهور في الشوارع، أو يعبرون الطرق السريعة وهم يطلقون الضحكات ويقومون بحركات عجيبة، حتى أن كثيراً منهم يلقي حتفه بسبب هذه اللامبالاة، ناهيك عن التلفظ بألفاظ بذيئة على مرأى ومسمع من الأهل والجيران والمارة.
في هذا التقرير تستكشف «الوسط» الأسباب الكامنة خلف هذه السلوكيات، يقول الأخصائي النفسي والباحث الاجتماعي خالد عطية إبراهيم، «إثارة هذا الملف في الوقت الراهن تعد خطوة بالغة الأهمية، نظراً لما تشهده البيئة الاجتماعية من تغيرات عميقة أفرزت أنماطاً سلوكية دخيلة على المجتمع الليبي»، موضحاً أن هذه الظواهر لم تنشأ من فراغ؛ بل جاءت نتيجة تراكمات معقدة من الظروف الأمنية والاجتماعية والنفسية.
اضطرابات نفسية عميقة
يضيف الباحث الاجتماعي والمعالج السلوكي «أبرز ملامح هذه الظاهرة لدى الأطفال هي اللامبالاة التي تتجلى في سلوكيات متعددة، منها التهور في الشارع، والاقتراب من مصادر الخطر، إضافة إلى انتشار المشاجرات والعنف بين الأطفال، كما تمتد إلى تبني سلوكيات منحرفة مثل التدخين أو الانخراط في ممارسات غير سوية، وهي كلها مؤشرات تعكس اضطراباً نفسياً عميقاً».
ويربط إبراهيم هذه السلوكيات بالحالة النفسية للأطفال فهو يرى أن العلاقة وثيقة للغاية؛ إذ إن هذه السلوكيات غالباً ما تكون انعكاساً مباشراً لاضطرابات نفسية ناتجة عن ظروف قاسية، أبرزها الحروب التي شهدتها البلاد، والانفلات الأمني، فضلًا عن التعرض المستمر لمشاهد العنف عبر وسائل الإعلام، سواء محلياً أو من خلال متابعة ما يحدث في مناطق نزاع مثل فلسطين.
ويعلق على دور الأسرة في هذا السياق قائلا «الأسرة تمثل الحلقة الأهم، إلا أن الخلل في العلاقات داخلها، خاصة بين الأب والأم، أدى إلى نوع من الجفاف العاطفي، وانعكس سلباً على الأبناء، فغياب التوازن العاطفي والتربوي، إلى جانب الإهمال، يدفع الأطفال إلى البحث عن بدائل، غالباً ما تكون عبر الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية التي تعزز العنف والسلوكيات المنحرفة.
التكنولوجيا تعمق المشكلة
ويؤكد أن التكنولوجيا تلعب دوراً في تعميق المشكلة؛ إذ يلفت الباحث إلى أن بعض التطبيقات والألعاب لا تكتفي بعرض مشاهد العنف، بل تحفز الأطفال على تقليدها وتجربتها، ما يسهم في ترسيخ أنماط سلوكية خطيرة، خاصة في ظل غياب الرقابة الأسرية.
وينتقد خالد عطية إبراهيم ما وصفه بضعف دور الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين داخل المدارس، مؤكداً أن دورهم في التوجيه والدعم يكاد يكون غائباً، وهو ما يفاقم من حدة المشكلة، كما يشدد على ضرورة أن يكون المعلم قدوة أخلاقية وسلوكية، لا مجرد ناقل للمعرفة.
وحول انتشار الألفاظ النابية بين الأطفال يقول إن «هذا السلوك يرتبط بشكل مباشر بالبيئة الأسرية، حيث يؤدي غياب الاحترام المتبادل بين الوالدين، وارتفاع وتيرة النزاعات، إلى ترسيخ هذه الأنماط لدى الأبناء، كما يسهم الاحتكاك بأقران سيئي السلوك في تعزيزها، فضلا عن تأثير الإعلام والألعاب».
ويحذر من خطورة تطبيع هذه الألفاظ، خاصة تلك التي تمس «لفظ الجلالة»، معتبراً أنها مؤشر خطير على خلل في التربية الدينية والأخلاقية، ما يستدعي تدخلاً عاجلاً من الأسرة والمؤسسات الدينية.
كيف يمكن حماية أطفالنا؟
خالد عطية إبراهيم يؤكد «أن الحل لا يمكن أن يكون جزئياً؛ بل يتطلب تكاملاً حقيقياً بين مختلف المؤسسات، الأسرة، والمدرسة، والمسجد، ووسائل الإعلام، والأجهزة الأمنية»، داعياً إلى تبني خطاب ديني وتربوي مبسط وقريب من الناس، يراعي اختلاف مستوياتهم، ويسهم في إعادة بناء المنظومة القيمية لدى النشء، ويختم بقوله: «نحن أمام تحدٍ حقيقي يتعلق بمستقبل جيل كامل، الأمر الذي يتطلب تحركاً جاداً ومسؤولا، قائما على الوعي والتخطيط، بعيدا عن المجاملة أو الإنكار».
- للاطلاع على العدد «547» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
في سياق البحث عن تفسير أعمق للظواهر السلوكية المستجدة لدى الأطفال، تقدم أخصائية التربية المتخصصة في تعديل سلوك الأطفال غادة العقوري قراءة واقعية تنطلق من التجربة اليومية والمعايشة المباشرة، وترى أن الأسباب في مجملها حديثة، ولا ترتبط بالعادات أو التقاليد الليبية الأصيلة؛ بل تعود أساساً إلى تحولات طرأت على أساليب التربية، وتوضح أن الأجيال السابقة اعتمدت على تربية متوارثة، واضحة المعالم، تنقل من جيل إلى آخر، بينما يواجه الجيل الحالي تحديات جديدة لم تكن موجودة من قبل.
تقول العقوري إن أبرز هذه التحديات هو دخول التكنولوجيا والأجهزة الذكية التي غيّرت بشكل جذري بيئة التنشئة، حيث لم تعد الأسرة قادرة على فرض نفس مستوى الرقابة الذي كان قائماً سابقاً، ففي الماضي، كانت هناك منظومة قيمية تضبط سلوك الطفل، قائمة على مفاهيم الحشمة والعيب، إلى جانب رقابة مجتمعية غير مباشرة، أما اليوم، فقد تراجع هذا الدور بشكل ملحوظ.
هل فقدت الأسرة قدرتها على متابعة الأطفال؟
وتجيب حول سؤالنا لها عن هل فقدت الأسرة قدرتها على المتابعة قائلة: نعم إن المتابعة أصبحت شبه غائبة، خاصة مع انشغال الأمهات بالعمل، واعتماد كثير من الأسر على منح الأطفال الهواتف الذكية دون رقابة فعلية، وتضيف أن ما يُتداول حول وجود تطبيقات رقابية فعالة لا ينعكس على الواقع، إذ إن الاستخدام الحقيقي لها محدود جداً، إن لم يكن معدوماً.
غادة العقوري توضح «أن غياب الرقابة ووعي الخطر أدى إلى ترك الأطفال لفترات طويلة دون توجيه، ما يفتح المجال أمامهم لتبني سلوكيات غير منضبطة، سواء في الشارع أو عبر التفاعل مع المحتوى الرقمي، وهو ما ينعكس على مستوى السلوك العام لديهم».
وتطرح موقفاً نقدياً من بعض أساليب التربية الحديثة، خاصة تلك التي تعتمد على التجاهل أو العقاب بالحرمان فقط، معتبرة أنها لا تتناسب دائماً مع واقعنا الاجتماعي، وتشير إلى أن التربية في السابق كانت تقوم على مزيج من التوجيه والحزم، بما في ذلك أساليب تأديبية منضبطة، ساهمت - من وجهة نظرها - في ضبط سلوك الأبناء.
تقول بأسف «إن المدرسة فقدت جزءاً من دورها التربوي، خاصة مع انتشار التعليم الخاص، حيث يركز بعض أولياء الأمور على الجانب التعليمي فقط، دون السماح بأي تدخل تربوي من المؤسسة، وهو ما أدى إلى تراجع ما يمكن تسميته بـ«السلطة التربوية» المشتركة بين البيت والمدرسة».
وترى العقوري أن التعرض الواسع للمحتوى الرقمي، خاصة عبر منصات التواصل، أسهم في اكتساب الأطفال ألفاظاً وسلوكيات لا تتماشى مع القيم المجتمعية، نتيجة تقليد ما يشاهدونه من نماذج تحظى بمتابعة وإعجاب كبيرين.
ولمعالجة هذه الإشكاليات تقترح جملة من الحلول، في مقدمتها إعادة تفعيل الأنشطة التربوية والترفيهية، مثل الأندية الصيفية والبرامج الجماعية التي كانت متاحة في السابق، لما لها من دور في توجيه طاقات الأطفال بشكل إيجابي، كما تؤكد أهمية دعم الأنشطة الرياضية كالكاراتيه والسباحة.
إعادة التوازن للعملية التربوية داخل المدارس
كما تشدد على ضرورة إعادة التوازن للعملية التربوية داخل المدارس، مع تعزيز دور الأسرة في المتابعة اليومية، خاصة فيما يتعلق باستخدام الأطفال للهواتف الذكية، ومعرفة محيطهم الاجتماعي، وتطرح فكرة تطوير تطبيقات رقمية توعوية موجهة للأطفال، تعتمد على أساليب جذابة تتناسب مع طبيعة الجيل الحالي، بحيث تقدم محتوى تربويا في قالب تفاعلي.
العقوري تؤكد أن التوعية الدينية تظل من أهم المداخل لمعالجة هذه الظواهر، باعتبارها الأقرب إلى الفطرة، والأكثر تأثيراً في ترسيخ القيم، مهما اختلفت الظروف أو أنماط التربية.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة
مصدر الصورة