رأى مقال نشره المجلس الأطلسي أن التدريبات العسكرية المشتركة التي شهدتها مدينة سرت ضمن مناورات «فلينتلوك 2026» تعكس جهود الولايات المتحدة لتعزيز الشراكات الأمنية في أفريقيا، في ظل تصاعد التهديدات الإرهابية واتساع نفوذ روسيا والصين في القارة.
وقال كاتب المقال، زميل مبادرة «سكوكروفت» لأمن الشرق الأوسط بالمجلس الأطلسي، أليكس بليتساس، إن النموذج الذي تتبعه الولايات المتحدة في ليبيا لإعادة توحيد المؤسسات العسكرية يمكن أن يُطبق على جهود مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل وأفريقيا، مشيرا في الوقت نفسه إلى وجود بعض الفجوات التي تهدد القارة بأسرها تتمثل في غياب الاستخبارات وقيود الوصول وضعف الحوكمة، مع انتشار الخصوم الذي يتوقون لملء هذا الفراغ.
تدريبات الأولى من نوعها
وشاركت قوات من معسكرات متنافسة في ليبيا في تدريبات اعتمدت على سيناريو تحرير رهائن وتنفيذ هجمات ضد أهداف إرهابية إلى جانب قوات أميركية ودولية، في خطوة وصفها بأنها غير مسبوقة بعد سنوات من الحرب والانقسام.
- محلل إيطالي: تحول لافت في المقاربة الإيطالية - الأمريكية تجاه ليبيا
- من النفط والغاز إلى «فلينتلوك»..فرص النجاح وعوامل الفشل لـ«صفقة واشنطن» في ليبيا
- كيف تقود «أفريكوم» مسار الاستقرار في ليبيا عبر بوابة التعاون العسكري؟
وجاءت التدريبات ضمن جهود دعم توحيد المؤسسات العسكرية في ليبيا، فيما قالت القيادة الأميركية في أفريقيا «أفريكوم» إن هذه هي المرة الأولى التي تستضيف فيها ليبيا موقع عمليات تشارك فيه قوات مشتركة في تدريبات موحدة.
وربط المقال بين أهمية المشهد وموقع التدريبات في سرت، مشيرا إلى ماضي المدينة التي كانت أبرز معاقل تنظيم «داعش» خارج العراق وسورية، معتبرا أن تدريب قوات من معسكرات متنافسة داخل المدينة يمثل مؤشرا على إمكانية تحويل الفراغات الأمنية إلى فرص للاستقرار من خلال الانخراط الأميركي المستمر.
نموذج شراكة فريد رغم التحديات
وقال بليتساس، الذي أجرى زيارة إلى مقر «أفريكوم» وجولة ميدانية في سرت، إن «ما شاهده عزز قناعته بأن نموذج الشراكة الذي تتبعه القيادة الأميركية في ليبيا قادر على تحقيق نتائج ملموسة».
لكنه حذر في الوقت نفسه من أن التحديات الأمنية في أفريقيا لا تزال تمثل نقطة ضعف استراتيجية للولايات المتحدة بسبب نقص الموارد وضعف الاهتمام.
وأشار إلى أن أجزاء من أفريقيا تحولت إلى ملاذات آمنة للتنظيمات المتشددة، على غرار ما كانت عليه أفغانستان بالنسبة لتنظيم «القاعدة» قبل هجمات 11 سبتمبر 2001.
تطورات مثيرة للقلق في مالي
وفي هذا السياق، سلط المقال الضوء على التطورات في مالي ومنطقة الساحل، حيث كثفت جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» المرتبطة بتنظيم «القاعدة» ضغوطها على المجلس العسكري المدعوم من روسيا في مالي، ونفذت هجمات تهدد سيطرة الحكومة ومساراتها الاقتصادية.
ولفت إلى تراجع الوجود الغربي في مالي منذ انسحاب فرنسا العام 2022، في حين توسع الدور الأمني الروسي، ورأى أن هذا الواقع يمثل تحذيرا لواشنطن من أن تراجع الولايات المتحدة وشركائها يفتح المجال أمام الجماعات المتشددة والقوى المنافسة لملء الفراغ».
وأكد المقال أن التهديد الإرهابي القادم من أفريقيا لم يعد قضية هامشية بالنسبة للولايات المتحدة، بل بات يشكل تهديدا مباشرا، في ظل مساهمة الشبكات الأفريقية في التمويل والتنسيق والتجنيد والتخطيط لعمليات تتجاوز حدود القارة.
تهديد خطير في أفريقيا
وأشار إلى أن تنظيم «داعش» في الصومال بات يؤدي دورا مهما في دعم أنشطة التنظيم عالميا من خلال جمع الأموال وتجنيد المقاتلين والتخطيط لهجمات خارج أفريقيا، فيما تحول فرع «الكرار» المرتبط بالتنظيم إلى مركز رئيسي لإدارة شبكات التمويل.
كما أوضح أن حركة «الشباب» المرتبطة بتنظيم «القاعدة» لا تزال تمثل التهديد الأكبر والأكثر رسوخا في شرق أفريقيا، بفضل امتلاكها منظومة واسعة للجباية والابتزاز تتيح لها جمع نحو 100 مليون دولار سنويا.
وذكر بليتساس أن «أفريكوم» نفذت سلسلة ضربات ضد «داعش - الصومال» وحركة «الشباب»، من بينها عملية استمرت أسبوعين في أغسطس 2025 استهدفت قيادات ومخابئ للتنظيم في جبال غوليس بمنطقة بونتلاند، إضافة إلى عمليات أخرى بالتنسيق مع الحكومة الفدرالية الصومالية.
لكنه شدد على أن الضربات العسكرية وحدها لا تكفي، مؤكدا ضرورة تعزيز التعاون مع السلطات المحلية، وتحسين استهداف شبكات التمويل، والحفاظ على تغطية استخباراتية مستمرة.
وفي منطقة الساحل، أشار التقرير إلى أن تنظيمي «داعش-الساحل» و«نصرة الإسلام والمسلمين» وسعا نطاق نشاطهما في بوركينا فاسو ومالي والنيجر، مع انتقال الضغوط تدريجيا نحو الدول الساحلية مثل بنين وتوغو وساحل العاج وغانا.
وأضاف أن منطقة الساحل باتت تمثل غالبية الوفيات المرتبطة بالإرهاب على مستوى العالم، وفقا لمؤشر الإرهاب العالمي، ما يعكس حجم الأزمة الأمنية التي تواجهها الحكومات الأفريقية.
تنامي النفوذ الصيني والروسي
كما تناول التقرير تنامي النفوذ الروسي والصيني في أفريقيا، موضحا أن «فيلق أفريقيا» الروسي، الذي خلف مجموعة «فاغنر»، ينشط في مالي وبوركينا فاسو والنيجر عبر تقديم دعم أمني للأنظمة العسكرية مقابل النفوذ والمكاسب الاقتصادية.
وأشار أيضا إلى أن الصين عززت حضورها في القارة من خلال الاستثمارات في البنية التحتية والتعدين والخدمات اللوجستية، في وقت تمتلك فيه أفريقيا نحو 30% من الاحتياطيات العالمية للمعادن الحيوية المستخدمة في الطاقة والتكنولوجيا والصناعات الدفاعية.
وأكد التقرير أن الولايات المتحدة تسعى إلى تقليل اعتمادها على الصين وروسيا في سلاسل توريد المعادن النادرة، لكنه شدد على أن تحقيق هذا الهدف يتطلب توفير الاستقرار الأمني ودعم الاستثمار والتنمية.
كما دعا إلى توسيع قدرات الاستخبارات والمراقبة والطائرات المسيرة، وتعزيز التعاون الأمني، واستعادة النفوذ الدبلوماسي الأميركي في أفريقيا.
ولفت إلى أن الولايات المتحدة فقدت جزءا مهما من قدراتها الاستخباراتية في منطقة الساحل بعد انسحابها من النيجر، بما في ذلك قاعدة «أغاديز 201»، الأمر الذي تسبب في فجوات في عمليات المراقبة والرصد.
وفي ختام المقال، أكد الكاتب أن أفريقيا أصبحت تمثل أولوية استراتيجية متزايدة بالنسبة للولايات المتحدة، محذرا من أن استمرار التردد الأميركي سيمنح الجماعات المتشددة وروسيا والصين مزيد المساحة لتوسيع نفوذها داخل القارة.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة