تحت عنوان «متاهة تمويل المؤسسة الوطنية للنفط»، ناقش الخبير النفطي د. محمد الشحاتي كيفية تمويل أنشطة المؤسسة ومشروعاتها، داعيا إلى خصم تكاليف تشغيلها من الإيرادات النفطية.
وقال الشحاتي: «لا يجوز النظر إلى إجمالي قيمة مبيعات النفط على أنه إيراد أو عائد، فالإيراد النفطي الحقيقي هو الفائض من بيع النفط بعد خصم التكاليف»، مشيرا إلى أن «الإنتاج حتى في قطاع ريعي كالنفط يجب أن يغطي تكلفته أولا، والفائض فقط هو ما يمثل العائد».
كما ناقش الخبير النفطي، في مقالة على صفحته بموقع «فيسبوك»، اللجوء إلى القروض لتمويل المؤسسة كأحد الحلول الممكنة، إذ رأى في هذا التوجه بُعدا سياديا حساسا يتمثل في «الرهنية»، موضحا أنه في سبيل الحصول على قرض لا يرهن النفط كملكية، وإنما رهن حق الحصول على إيراداته المستقبلية، وهو ما عده نوعا من «التنازل المقيد عن جزء من السيادة المالية».
وأضاف أنه في حالة غياب الشفافية وضعف الإطار المؤسسي، فإن القروض تميل إلى التحول نحو نماذج أكثر صرامة، تقترب من رهن الإنتاج فعلياً، وهو ما يُزيد من المخاطر السيادية على المدى الطويل.
وأكد الخبير الاقتصادي أن القروض على الرغم من أنها قد تكون مفيدة، فهي ليست حلا مستداما، بل أداة يمكن أن تكون مفيدة أو خطيرة حسب كيفية استخدامها. وعندما تكون مدعومة بتدفقات نفطية مستقبلية، فإنها تتحول من مجرد التزام مالي إلى قرار سيادي بتخصيص جزء من الثروة المستقبلية، وهو ما يجب ملاحظته مسبقا.
وأشار إلى أن تمويل المؤسسة الوطنية للنفط لا يرتبط بندرة الموارد، بل بغياب ترتيب مؤسسي واضح يحدد: كيفية تدفق الإيرادات، وآلية خصم التكاليف، وتعريف الإيراد السيادي، وحدود استخدام أدوات التمويل. وقال: «الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بالاقتراض، بل ببناء نظام مالي شفاف ومنضبط، يجعل من الاقتراض خياراً محسوباً، لا ضرورة مفروضة».
ولأهمية الفصل بين موارد الدولة والحكومة، تنشر «بوابة الوسط» نص المقال، لفائدته في حسن توظيف مورد الليبيين الأساسي.
نص المقال
متاهة تمويل المؤسسة الوطنية للنفط
================
أصبح موضوع تمويل المؤسسة الوطنية للنفط أحد أكثر الملفات جدلاً في النظامين الاقتصادي والسياسي في ليبيا. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في نقص الحلول، بل في غياب فهم دقيق لطبيعة العلاقة بين الملكية السيادية للموارد، والإدارة التشغيلية لها، وأدوات تمويلها.
يكمن أصل الإشكال في طبيعة دور المؤسسة الوطنية للنفط بوصفها جهة تشغيلية تتولى استخراج وإنتاج وتسويق الموارد الهيدروكربونية المملوكة للدولة، وهنا يجب تأكيد نقطة مفصلية: ملكية النفط والغاز لا تنتقل إلى المؤسسة في أي مرحلة من مراحل الاحتياطي أو الإنتاج أو النقل، بل تبقى مملوكة للدولة حتى لحظة البيع وفق الأطر التعاقدية المعمول بها.
غير أن إدارة هذه الموارد تفرض واقعاً عملياً مختلفاً، فالإيرادات الناتجة عن البيع تتدفق أولاً إلى المؤسسة بوصفها الجهة التي تتحمل تكاليف الإنتاج والتشغيل، قبل إجراء أي تسويات مالية مع الدولة. ومن هنا، فإن أول استخدام لهذه الإيرادات يجب أن يكون لتغطية التكاليف التشغيلية والرأسمالية وفق ميزانية معتمدة، وضوابط محاسبية دقيقة، وهذه ليست مسألة تقديرية، بل عملية قابلة للقياس والتحقق وفق المعايير الدولية في المحاسبة النفطية، التي تتيح تقدير التكاليف بدرجة عالية من الدقة.
وبعد خصم التكاليف، يتبقى الفائض الاقتصادي، وهو ما يمكن وصفه «الإيراد النفطي الحقيقي». أما اعتبار إجمالي قيمة المبيعات إيراداً، فهو خلط بين التدفقات النقدية والعائد الاقتصادي. فالإنتاج، حتى في قطاع ريعي كالنفط، يجب أن يغطي تكلفته أولاً، والفائض فقط هو ما يمثل العائد.
وهذا الفائض ينقسم بدوره إلى شقين:
شق سيادي يمثل حق الملكية العامة للموارد (الريع السيادي)، وشق يمكن توجيهه للإنفاق العام عبر الحكومة وفق قانون الميزانية. وهنا يصبح التمييز بين الدولة والحكومة ضرورياً: الدولة هي المالك للإيراد، بينما الحكومة جهاز تنفيذي يتلقى جزءاً منه وفق ما تقرره السلطة التشريعية.
في هذا السياق، يطرح التوجه نحو تمويل المؤسسة عبر القروض كأحد الحلول الممكنة. غير أن هذا التوجه يحمل في طياته بُعداً سيادياً حساساً، يتمثل في الرهنية، فالقروض في قطاع النفط، خاصة في الدول ذات المخاطر السيادية المرتفعة، لا تُمنح عادةً دون مقابل، بل تكون مدعومة بشكل مباشر أو غير مباشر بتدفقات الإنتاج النفطي المستقبلية.
بمعنى أدق، فإن المؤسسة، في سبيل الحصول على قرض، لا ترهن «النفط كملكية»، وإنما ترهن حق الحصول على إيراداته المستقبلية، وهذا يشكل عملياً نوعاً من التنازل المقيد عن جزء من السيادة المالية على هذه التدفقات، حيث يجرى تخصيص جزء من الإنتاج أو عائداته لسداد القرض. ومن هنا يمكن القول إن القرض، في هذه الحالة، هو تمويل مدعوم بالاحتياطي النفطي، حتى وإن لم يُصرّح بذلك قانونياً.
هذا البُعد يفرض قيوداً صارمة على استخدام القروض، فلا يجوز توظيفها في تمويل المصروفات التشغيلية الجارية، مثل الرواتب أو الخدمات، لأن ذلك يعني استهلاك مورد سيادي مستقبلي دون خلق قدرة إنتاجية مقابلة. القروض يجب أن تُوجَّه حصراً إلى استثمارات ترفع الإنتاج أو تحسن الكفاءة، بحيث تولّد تدفقات نقدية إضافية قادرة على خدمة الدين وسداده.
كما أن إدارة القروض يجب أن تجرى وفق منهجية مرحلية، تقوم على «موجات تمويلية» تستفيد من تقلبات أسعار الفائدة في الأسواق الدولية، بدلاً من التزام تمويلي كبير في توقيت واحد قد يكون غير ملائم. وبين هذه الموجات، ينبغي أن يتدخل المالك، أي الدولة، عبر تخصيصات رأسمالية مباشرة، لضمان استمرارية الاستثمار، وعدم تآكل القدرة التنافسية للمؤسسة مقارنة بالشركات الدولية.
وهنا يمكن الاستفادة من تجربة ADNOC، ولكن مع فهم دقيق لطبيعتها، فـADNOC لا تعتمد على رهن الإنتاج الخام بشكل مباشر، بل تبني قروضها على: تدفقات نقدية مستقرة وقابلة للتنبؤ، وأصول تشغيلية قائمة (مثل البنية التحتية)، وتصنيف ائتماني مدعوم سيادياً، وفصل مؤسسي واضح بين الإيرادات والتكاليف.
بمعنى أن الرهنية، إن وجدت، تكون مالية ومؤسسية (cash-flow based)، وليست مادية مباشرة على البرميل المنتج، وهذا الفارق جوهري، لأنه يحافظ على السيادة الشكلية والعملية للدولة، ويمنح الشركة مرونة تمويلية دون تقييد إنتاجها بشروط تعاقدية صارمة.
أما في حالة غياب الشفافية وضعف الإطار المؤسسي، فإن القروض تميل إلى التحول نحو نماذج أكثر صرامة، تقترب من رهن الإنتاج فعلياً، وهو ما يُزيد من المخاطر السيادية على المدى الطويل.
ومن هنا تأتي أهمية الشرط الأساسي لأي توجه نحو الاقتراض:
إقفال الحسابات الختامية للمؤسسة بشكل دوري، ونشرها بشفافية، وإخضاعها لمراجعة طرف ثالث مستقل وفق معايير دولية. فدون هذه الخطوة، يصبح تقييم القدرة على السداد مستحيلاً، ويتحول القرض إلى أداة عالية المخاطر، سواء على المؤسسة أو على الدولة.
إن متاهة تمويل المؤسسة الوطنية للنفط لا ترتبط بندرة الموارد، بل بغياب ترتيب مؤسسي واضح يحدد: كيفية تدفق الإيرادات، وآلية خصم التكاليف، وتعريف الإيراد السيادي، وحدود استخدام أدوات التمويل.
والقروض على الرغم من أنها قد تكون مفيدة، فهي ليست حلا مستداما، بل أداة يمكن أن تكون مفيدة أو خطيرة حسب كيفية استخدامها. وعندما تكون مدعومة بتدفقات نفطية مستقبلية، فإنها تتحول من مجرد التزام مالي إلى قرار سيادي بتخصيص جزء من الثروة المستقبلية، وهو ما يجب ملاحظته مسبقا.
وعليه، فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بالاقتراض، بل ببناء نظام مالي شفاف ومنضبط، يجعل من الاقتراض خياراً محسوباً، لا ضرورة مفروضة.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة