بعد «لقاء روما»، انخرطت البعثة الأممية في نشاط مكثف ضمن مقاربة شاملة تركز على المسار العسكري، الذي تستهدف من ورائه تهيئة البيئة الأمنية والسياسية المحيطة بإجراء الاستحقاقات المؤجلة، وسط مقاومة عدة أطراف لهذا الحراك، أبرزهم مجلس الدولة، بعدما بعث مجددًا لجنة «6+6» للتحاور مع مجلس النواب.
من طرابلس ثم بنغازي، تُقدَّم اجتماعات بعثة الأمم المتحدة مع القادة العسكريين على أنها ترمي إلى توحيد الجيش الليبي، ومعالجة حالة الانقسام داخل أهم مؤسسة في البلاد، لكنها تحمل أبعادًا أعمق تسعى لإدماج المسار الأمني والسياسي ضمن نطاق يضمن التوصل إلى تفاهمات تمنع تدخل المجموعات المسلحة في العملية الانتخابية مستقبلًا، خاصة بعد محاولة تجاوز إشكالية رئاسة المفوضية العليا للانتخابات، والإطار القانوني لإجراء الاقتراع.
مشاورات حول توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية
تركزت المشاورات على «ملف توحيد المؤسسات الوطنية، بما في ذلك المؤسسات العسكرية والأمنية»، وفي السياق أجرت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هانا تيتيه، لقاءين منفصلين مع رئيس الأركان العامة التابع لحكومة الوحدة الوطنية الموقتة، الفريق صلاح النمروش، وآمر المنطقة العسكرية الغربية التابع للمجلس الرئاسي، الفريق أسامة الجويلي.
وبحثت تيتيه الملفات ذاتها، وعلى رأسها مستجدات الوضع الأمني وملف توحيد المؤسسة العسكرية، وأفادت رئاسة الأركان العامة بطرابلس، بأن اللقاء ناقش تطورات الوضع الأمني في البلاد، وضرورة إحراز تقدم في مسار توحيد المؤسسة العسكرية، بما يعزز الاستقرار.
وتسعى الأمم المتحدة إلى اختراق إيجابي في مسار توحيد الجيش الليبي برعاية أميركية، عقب مناورات «فلينتلوك» العسكرية التي رعتها «أفريكوم»، بمشاركة قوات من شرق البلاد وغربها، أبريل الماضي، وتكللت خلالها بتشكيل غرفة «3+3» ضمت عسكريين من الطرفين.
وبعدها شاركت قوات من شرق البلاد وغربها في مناورات «إيفس-2026» مع وزارة الدفاع التركية، في مؤشر على تقارب عسكري بين الطرفين المتنازعين في ليبيا، بحسب موقع «ديفينس نيوز»، وأكدت وزارة الدفاع التركية، في بيان، أن هذه المشاركة ضمن تمرين واحد تمثل علامة فارقة نحو تحقيق رؤية ليبيا موحدة.
جولة نقاش جديدة من الحوار المهيكل
تواكب الحراك الأممي الغربي مع انخراط أعضاء في الحوار المهيكل الذي ترعاه الأمم المتحدة، في جولة نقاش بشأن سبل تطوير جيش موحد، بمشاركة أعضاء مجموعة العمل الأمنية المنبثقة عن لجنة المتابعة الدولية المعنية بليبيا ضمن عملية برلين، في جلسة موسعة عُقدت بمدينة بنغازي، مع أعضاء المسار الأمني في «الحوار المهيكل».
وخلال الجلسة التي ترأستها تيتيه، أكد المشاركون في الحوار أن تحقيق الوحدة الوطنية يرتكز بالدرجة الأولى على توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، وفق مبادئ سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، وعلى الرغم من التقاطعات بين المسارين الأميركي والأممي، في شقيه العسكري والسياسي، إلا أن المخاوف لا تزال قائمة بشأن فرضية التعارض بين المبادرتين في عملية التسوية، إذ حذر محللون من أن الخطة التي يقودها المبعوث الأميركي مسعد بولس قد تدفع العملية الدبلوماسية في ليبيا إلى الخلف، وقد تثير ردود فعل سلبية داخل البلاد.
ومن سويسرا، تحدث عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني، الخميس، خلال زيارة بدعوة من جامعة جنيف، عن الحراك السياسي الأخير، خصوصًا ما يسمى بمبادرة بولس، ليؤكد أن ما يجرى تداوله حول مشروع أميركي لإدارة الدولة «لا يعكس الواقع»، مشيرًا إلى لقائه المبعوث الأميركي لليبيا مسعد بولس في واشنطن، الذي أكد له عدم وجود توجه لدى الولايات المتحدة أو تحركات دبلوماسية لفرض أي حل لا يتماشى مع إرادة الليبيين.
تقارب بين مجلسي النواب والدولة بشأن القوانين الانتخابية
في المقابل، وعلى خلفية اجتماع الطاولة المصغرة «4+4»، تحرك رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة عبر عدة جبهات، ومع أعيان مدينة المرج، جرت الإشادة بالخطوات الأخيرة التي اتخذها المجلس في إطار التقارب مع مجلس النواب، بشأن ملف القوانين الانتخابية وعدد من القضايا التشريعية.
وأكد المشاركون أهمية مواصلة هذا المسار السياسي، بما يسهم في إنهاء حالة الجمود، والدفع نحو توافق وطني يقوم على الأطر القانونية والدستورية المنظمة للعملية السياسية في ليبيا.
- ماذا دار في لقاء الدبيبة في روما مع ميلوني؟
- مجلس الدولة يصوت على إعادة تشكيل لجنة القوانين الانتخابية (6+6)
- «فورين أفيرز»: هل يعيد ترامب إنتاج الأزمة في ليبيا؟
- تيتيه تبحث مع النمروش والجويلي ملف توحيد المؤسسة العسكرية
- البعثة الأممية تعلن نتائج اجتماعات مسار الحوكمة في «الحوار المهيكل»
- للاطلاع على العدد «546» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
كما صوت المجلس، خلال جلسة رسمية عقدها في طرابلس برئاسة محمد تكالة، على إعادة تشكيل لجنة القوانين الانتخابية المعروفة بـ«6+6»، في قرار جديد يقول إنه سوف يعيد النظر في القوانين الانتخابية، وتجاوز نقاط الخلاف التي أعاقت تنفيذها.
وفيما لا يزال مجلس النواب صامتًا، تقرر تشكيل لجنة موسعة مكونة من 15 عضوًا يمثلون مختلف الدوائر الانتخابية، تتولى مهمة التواصل المباشر مع مجلس النواب، وذلك بعد تعثر الحوار بينهما لأشهر، منذ تمسك كل طرف بشخصية لرئاسة المفوضية العليا للانتخابات.
مجلس الدولة يرفض مخرجات اجتماع روما
وأصدر مجلس الدولة، من جهته، بيانًا رفض مخرجات اجتماع روما المصغر، بما فيها تشكيل مجلس جديد للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات من ستة أعضاء، بواقع ثلاثة من مجلس النواب وثلاثة من مجلس الدولة.
وقال المجلس، في بيان، إنه تابع «باستياء قيام البعثة بعقد لقاءات في روما، وإشراكها عضوين من المجلس على نحو أوحى بأنهما يمثلان المجلس»، مشددًا على أن تمثيل المجلس في أي محفل «يجب أن ينبع من إرادة أعضائه عبر القنوات الرسمية، وليس عبر استدعاءات تختار فيها البعثة أشخاصًا بعينهم للتوقيع على تفاهمات مسبقة».
زيارة الدبيبة لإيطاليا
وفي روما أيضًا، يتنوع الحراك السياسي، حيث يزور رئيس حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» عبدالحميد الدبيبة العاصمة الإيطالية، ويجري محادثات مع رئيسة وزراء إيطاليا، جورجيا ميلوني، وحسب موقع «ديكود 39» الإيطالي، تأتي هذه الزيارة في ظل نشاط دبلوماسي متجدد على طول محور روما - طرابلس، وفي وقت تكثف فيه إيطاليا تواصلها مع الأطراف الليبية غربًا وشرقًا.
ولم يعكس كل هذا الحراك أي تبدل إيجابي مهم باتجاه حلحلة الأزمة الشاملة، بقدر ما أنتج مزيدًا من الخلافات التي تتعلق بتفاصيل مسارات العملية السياسية، إن كانت تلك التي ترعاها الأمم المتحدة، أو تتولاها أطراف دولية مؤثرة في الحالة الليبية.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة