رصد مقال نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأميركية اهتمام إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، اللافت بالملف الليبي، وتحولها عن سنوات من التذبذب بين الإهمال والتدخل المحدود، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى ما وصفه بـ«تناقضات واضحة» في تعامل مع ملف الأزمة.
وقال كاتبا المقال، الباحث في معهد «كارينغي» للسلام الدولي، فريدريك ويري، والباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، جلال حرشاوي، إن التحرك الاميركي الحالي يتركز على إنهاء حالة الانقسام المستمرة بين حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة»، برئاسة عبدالحميد الدبيبة، في طرابلس غربا، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد في بنغازي شرقا.
وفي الوقت الذي أعلن فيه مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، تحقيق «اختراق كبير» بإعلان الاتفاق على موازنة موحدة، يرى المقال، الذي نُشر أمس الجمعة، أن «واشنطن يجب ألا تتوهم أن ما هو في جوهره صفقة مالية بين الطرفين المتنافستين سيشكل تقدما كبيرا نحو التوحيد السياسي».
وأوضح أن «الاتفاق الموقع في 11 أبريل لا يعالج الأسباب الأعمق للأزمة الليبية، بل يرفع مخاطر عودة الاضطراب»، مشيرا إلى ما وصفه بـ«تناقض النهج الأميركي في ليبيا، الذي يركز على إبرام الصفقات بدلا من إرساء استقرار حقيقي».
مبادرات أممية غير ناجحة
على الرغم من حالة الهدوء النسبي الذي شهدته ليبيا منذ العام 2020 تقريبا، فإن استمرار استنزاف موارد الدولة لتحقيق مكاسب شخصية من قِبل الطرفين الحاكمين أدخل البلاد في أزمة مالية عميقة، وتركها من دون سلطة تنفيذية موحدة.
- «وول ستريت جورنال»: واشنطن تستخدم «وحدة الجيش الليبي» سلاحا لمناورة موسكو في أفريقيا
- تقرير تركي: واشنطن تختبر نهجا جديدا في ليبيا مغايرا للدبلوماسية التقليدية
- المجلس الأطلسي: عودة الولايات المتحدة للانخراط في ليبيا «قرار صائب في توقيت حرج»
وقد فشلت الجهود المتعاقبة في معالجة هذه التحديات، بحسب المقال الذي أشار إلى المبادرات المتعددة التي أطلقتها الأمم المتحدة منذ العام 2020، لتوحيد القطاع المصرفي، وتعزيز الشفافية في قطاع النفط، وتشجيع إصلاحات الحكم المحلي، تمهيدا لتشكيل حكومة موحدة، وإعادة هيكلة المؤسسات السياسية، وإجراء انتخابات وطنية خلال عام. غير أن الانتخابات جرى تأجيلها، مع فشل المسار الأممي دون دعم من الإدارة الأميركية السابقة.
وفي العام 2022، توسطت الإمارات، بموافقة أميركية، في اتفاق أُبرم خلف الأبواب المغلقة، أتاح لعائلة الدبيبة تعيين رئيس موالٍ للمشير خليفة حفتر على رأس المؤسسة الوطنية للنفط. وبحلول العام 2025، نجحت تلك الصيغة في تجنب اندلاع حرب أهلية جديدة، لكنها لم تحقق أكثر من ذلك، إذ ظلت ليبيا غارقة في أزمة اقتصادية وشلل سياسي.
مقاربة جديدة لترامب
يرى المقال أن أحد الأسباب الرئيسية لفشل اتفاق العام 2022 يعود إلى ما وصفه بـ«طابعه النفعي القائم على الاعتقاد الخاطئ بأن الجمود السياسي الليبي يمكن كسره عبر استمالة المصالح التجارية للنخب المتنافسة، بدلا من معالجة احتياجات الشعب الليبي».
وقال: «واشنطن ينبغي أن تتبنى مسارا أوسع وأكثر شمولا في ليبيا بدلا من السعي إلى اختراق دبلوماسي وصفقة اقتصادية مع نخب غير منتخبة، وينبغي لهذا المسار البديل أن يدعم الجهود الأممية الرامية إلى تعزيز استقلال المؤسسات المالية والإدارية، ويمهد الطريق أمام انتخابات وطنية، ويكبح الاضطرابات التي تسببها تركيا، الفاعل الخارجي الأكثر تأثيرا في البلاد».
الدور التركي
في سياق متصل، حذر المقال مما وصفه بـ«قدر خطير من التراخي يتعلق بالهدوء النسبي الذي تشهده ليبيا أخيرا»، وقال: «عائلتا الدبيبة وحفتر استخدمت المكاسب المالية التي حققتها كل منهما لشراء أسلحة متطورة، وتعزيز تحالفاتهما العسكرية، ما يُزيد خطر المواجهة العنيفة».
وتطرق أيضا إلى تأثير القوى الخارجية على مسار الأزمة في ليبيا، ولا سيما تركيا، حيث قال: «سياسة أنقرة في ليبيا تتركز على السعي إلى تثبيت اتفاق بحري، أُبرم في العام 2019، يمنح تركيا نفوذا إقليميا غير مسبوق، ويربطها بالسواحل الشرقية الليبية».
وأشار إلى ما وصفه بـ«تحول لافت عن تحالفها التقليدي مع الدبيبة». فبعد سنوات من محاولة تعزيز نفوذها في المنطقة الغربية، تحركت أنقرة خلال العام 2025 إلى التقرب من السلطات في بنغازي، أملا في الحصول على تصديق برلماني على الاتفاق البحري.
وانتقد المقال، في الوقت نفسه، تراجع دور الولايات المتحدة إبان إدارة جو بايدن، وتركيز الإدارة الراهنة على «عقد الصفقات بدلا من تعزيز الديمقراطية بهدف إرساء الاستقرار في ليبيا».
وقال: «تعيين شخصية موالية لحفتر على رأس المؤسسة الوطنية للنفط شجع القادة المتنافسين على مزيد من التدخل في الاقتصاد، فسارع الطرفان وحلفاؤهما إلى اقتسام عائدات الدولة، وممارسة النفوذ على المصرف المركزي، وإنفاق الأموال العامة على مشاريع بنية تحتية وفق تقديراتهم الخاصة».
تناقض سياسة واشنطن في ليبيا
فيما يتصل بسياسة إدارة ترامب الراهنة في ليبيا، يرى المقال أنها «تعاني تناقضات واضحة»، موضحا أن «إصرارها على المصالحة بين العائلتين الحاكمتين كشرط مسبق لأي هيكل حكم موحد يوحي بأن كلتيهما مرشحتان للبقاء في السلطة بالمستقبل المنظور».
وأضاف: «تركيز واشنطن على صفقات النخب والدبلوماسية الاقتصادية اتضح جليا في زيارة بولس طرابلس وبنغازي، حيث تعهد الطرفان بمنح المستشار الأميركي فرصا تجارية ضخمة، شملت عقودا بمليارات الدولارات لشركات أميركية».
وفي حين تؤكد الإدارة الأميركية أن دبلوماسيتها ستساعد الشركات الأميركية على الفوز بفرص أعمال، فهي تتجاهل هشاشة الوضع في بلد يرتبط فيه النفوذ السياسي بعدد محدود من الشخصيات المؤثرة، بحسب المقال.
وعلى الرغم من إعلان عدد من شركات النفط الأميركية توسيع نطاق أعمالها في ليبيا، بما في ذلك «إكسون موبيل» و«شيفرون»، يرى المقال أنها لن تجد إطار مؤسسيا يمكن الاعتماد عليه إذا ثبت عدم موثوقية المسؤولين الذين رحبوا بها.
كما يمتد الخلل في نهج البيت الأبيض إلى تعامله مع المؤسسة العسكرية المنقسمة، حيث أوضح المقال: «لقد بذلت واشنطن جهودا لإقناع قادة عسكريين من الشرق والغرب بالمشاركة معا في مناورات (فلينتلوك) العسكرية في أبريل، لكنها دفعت ثمنا لذلك، إذ امتنعت لأشهر عن ممارسة ضغط جدي على أي من الطرفين خشية انسحاب أحدهما، ولم توجه انتقادات علنية للممارسات الفاسدة أو تفرض عقوبات على شخصيات متوسطة المستوى».
خلل «سياسة الصفقات»
إلى ذلك، يؤكد المقال أن «تحقيق الأهداف التجارية لإدارة ترامب في ليبيا يتطلب مستوى من الاستقرار المؤسسي لا يمكن لسياسة الصفقات الشخصية توفيره».
وبالتالي تحتاج واشنطن إلى توسيع نطاق انخراطها مع ليبيا، ومع الدول الأجنبية المؤثرة فيها، وعلى رأسها تركيا. لهذا، يؤكد المقال أن واشنطن ينبغي أن تمنح الأولوية لتحقيق الاستقرار المالي، واستقلال المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط.
كما يجب دعم المساءلة والشفافية من خلال عمليات تدقيق مستقلة وعلنية، وآليات خارجية لمراقبة الإيرادات، ومعارضة التدخلات السياسية التي قادت إلى أزمة المؤسسة الوطنية للنفط في العام 2022، وأزمة المصرف المركزي بالعام 2024.
ويرى المقال أيضا أن «أي جهد أميركي جاد لتحقيق الاستقرار في ليبيا سيتطلب تنسيقا شاملا مع تركيا، أو استعدادا للضغط عليها، وعلى واشنطن أن تتجه إلى انخراط مستدام ودقيق يستخدم التنسيق الدبلوماسي والضغط الحازم لكبح التحركات التركية الأحادية».
وبصورة أوسع، يتعين على الولايات المتحدة دعم ضرورة إجراء انتخابات وطنية تفضي إلى سلطة تنفيذية موحدة، وهي تملك بالفعل منصة جاهزة لذلك تتمثل في خريطة الطريق الجديدة للأمم المتحدة بشأن ليبيا، التي تدعو إلى مشاورات واسعة مع الليبيين، لمعالجة المظالم الاقتصادية والسياسية، وتوحيد الإدارات الموازية، والأهم إجراء انتخابات.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة