رأت جريدة «وول ستريت جورنال» أن السياسة الأميركية تجاه الملف الليبي تشهد تحولا جذريا، حيث لم تعد واشنطن تكتفي بدور المراقب أو الوسيط الدبلوماسي البعيد، بل انتقلت إلى مرحلة «المبادرة الهجومية»، وهو ما يتجلى في قيادة تدريبات «فلينتلوك 26»، التي تعد الأداة العسكرية الأبرز لتنفيذ استراتيجية «خنق» النفوذ الروسي المتصاعد.
ونقلت الجريدة، في تقرير نشرته الخميس، عن مسؤولين غربيين، لم تكشف هوياتهم، أنه «في حال نجاح تدريبات (فلينتلوك) العسكرية وفق الخطة، فإن الخطوة التالية ستكون خنق النفوذ الروسي في تمركزه الأكبر بالقارة الأفريقية، ووضع إحدى أغنى دول المنطقة بالطاقة والمعادن على مسار أكثر ميلا صوب الغرب».
أهداف طموحة
في تصريحات إلى صحفيين، قال نائب القيادة الأميركية في أفريقيا، جون برينان: «حجم الإمكانات الاستثمارية في ليبيا يمثل حافزا لإعادة التوحيد. كما أن استقرار ليبيا قد يتيح الاستفادة من الموارد لمختلف الصناعات، ولا سيما في مجالي التكنولوجيا المتقدمة والدفاع».
- جريدة «الوسط»: «فلينتلوك» تجمع فرقاء «الجيش» في سرت
- إعلان «ليبي ـ أميركي ـ إيطالي» مشترك بشأن مناورات «فلينتلوك 2026» في ليبيا
- السفارة الأميركية: «فلينتلوك 2026» خطوة نحو بناء مؤسسات عسكرية ليبية أكثر قوة ووحدة
وعلقت «وول ستريت جورنال» على ذلك بأن تلك الأهداف طموحة للغاية، لكنها تصطدم بالواقع على الأرض، مشيرة إلى العنف والصراع الذي يخيم على المشهد السياسي والأمني في ليبيا منذ سنوات، وانقسام الحكم والمؤسسات والجيش بين معسكرين متنافسين في الشرق والغرب
هذا الفراغ في السلطة سمح لروسيا بالتدخل، لدعم أطراف بعينها في ليبيا، حيث نشرت مقاتلي «الفيلق الأفريقي»، «فاغنر» سابقا، مع توفير الدعم العسكري والمادي لهم. ومن ليبيا، انطلقت موسكو لدعم حلفائها في دول الساحل وأفريقيا، حيث وضعت نصب عينها السيطرة على احتياطات الذهب والألماس والمعادن.
الضغط عبر الوحدة
إلى ذلك، رأت «وول ستريت جورنال» أن محاولة الوساطة التي تقودها الولايات المتحدة في ليبيا تستخدم ما وصفته بـ«جزرة» الاستثناء من قرار حظر التسليح المفروض من مجلس الأمن الدولي، في حال نجح الفريقين المتنافسين بليبيا في التعاون لإنشاء قيادة عسكرية مشتركة.
وتحدث مسؤول أميركي، في تصريح إلى «وول ستريت جورنال»، عن «تقارب بين القيادة العسكرية في شرق وغرب ليبيا، تجلى في إنشاء لجنة مشتركة من ستة أفراد، للإشراف على التدريبات العسكرية».
غير أن الجريدة الأميركية رأت أن «الطريق لتحقيق هذا الهدف مازال طويلا»، مضيفة: «عملية بناء الثقة طويلة. لكن المبادرات على غرار تدريبات (فلينتلوك) العسكرية المشتركة تشير إلى أن ليبيا بدأت تتحرك إلى الأمام بالفعل».
تعليقا على ذلك، قال رئيس شركة «نورث أفريكا ريسك كونسلتينغ» للاستشارات، جيف بورتر: «تشهد ليبيا تماسكا متزايدا تدريجيا، وباتت الجهات الغربية التقليدية أكثر استعدادا للتفاعل مع غرب وشرق ليبيا، ما أدى إلى تهميش روسيا».
كما قال مسؤولون غربيون إن إعادة توحيد المؤسسات العسكرية في ليبيا قد يساعد في «خنق» الجسر الجوي الذي تستخدمه روسيا لنقل المقاتلين والأسلحة إلى حلفائها في أفريقيا، كما كان الحال في تحييد النفوذ الروسي بسورية عقب سقوط نظام بشار الأسد.
مكاسب اقتصادية
في سياق آخر، تحدثت «وول ستريت جورنال» عن دوافع اقتصادية أخرى تحكم التوجه الأميركي في ليبيا، مشيرة إلى أن المكاسب الاقتصادية الناجمة عن الاستقرار والسلام الدائم في ليبيا يصب لمصلحة ليبيا والولايات المتحدة على حد السواء.
وأشارت إلى الاحتياطات الهائلة من النفط والغاز الطبيعي التي تملكها ليبيا، وتعد من بين الأكبر في ليبيا، التي عانت الإهمال سنوات طويلة بسبب النزاع الداخلي.
وتبدي شركات النفط الأميركية الرئيسية، بينها «شيفرون»، اهتماما كبيرا بالعودة والعمل داخل ليبيا. ففي فبراير الماضي، وقعت «شيفرون» أول صفقة لها في ليبيا، بعد حصولها على ترخيص للتنقيب في حقل بحري. وفي الوقت نفسه، وافقت شركة «إكسون موبيل»، العام الماضي، على العودة إلى ليبيا، بعد أن أوقفت عملياتها منذ العام 2013.
ويشهد إنتاج النفط في ليبيا زيادة بالفعل، حيث سجل 1.4 مليون برميل يوميا، بداية الشهر الجاري، وهو أعلى مستوى منذ عقد تقريبا. لهذا، فإن تحقيق الاستقرار داخليا يسهل تطوير الاحتياطات الهائلة من النفط والغاز والمعادن التي تملكها ليبيا، وبينها اليورانيوم والليثيوم والكوبالت.
خطوة صوب الوحدة العسكرية
تمثل تدريبات «فلينتلوك» العسكرية، بحسب «وول ستريت جورنال»، خطوة إضافية صوب إعادة توحيد المؤسسات العسكرية في ليبيا. وقد شاركت في التدريبات أيضا عناصر من الجيش الألماني، قدمت الرعاية الطبية، والقوات التركية التي عرضت الدعم وتوفير المسيرات. كما حضر ممثلون من إيطاليا وبريطانيا ومصر وفرنسا، وكذلك تشاد.
ومن المتوقع أن تفتح التدريبات العسكرية الباب أمام ليبيا للحصول على معدات وتدريبات من الولايات المتحدة وحلفائها، مما يسمح لها بالنهاية بتقليل اعتمادها على روسيا وبيلاروسيا.
إلى ذلك، قال السفير البريطاني لدى ليبيا، مارتن رينولدز، الذي حضر التدريبات العكسرية: «نرغب في رؤية حكومة موحدة، لا تضطر إلى الاستعانة بأي قوة أجنبية، ولا سيما روسيا».
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة