يقف أطراف الأزمة في ليبيا، المعروفون بـ«الأجسام السياسية»، أمام أحد خيارين لتجاوز حالة الجمود القائمة: أحدهما أميركي لا يحظى بإجماع القبول، والآخر أممي لم ينضج بعد الحوار المهيكل، الأمر الذي حرك المياه الراكدة في المجلسين «الرئاسي» و«الدولة»، وأثار جدلاً حول احتمال فقدان الأمم المتحدة دورها كوسيط مشروع، في وقت عادت فيه الإجراءات الأحادية من طرف مجلس النواب لتزرع مزيدًا من التعقيدات في البلاد.
وأثار التوجه الأميركي لإعادة ترتيب المشهد السياسي في ليبيا انقسامات حتى داخل معسكر طرابلس؛ إذ رفض المجلس الأعلى للدولة إقصاءه من أي تسوية خارجة عن اتفاق الصخيرات العام 2015، ما وضع البعثة الأممية في قلب عاصفة جديدة.
مبادرة أميركية لحل الأزمة الليبية
وتداولت الطبقة السياسية تفاصيل تحركات أميركية تقود مسارًا تفاوضيًا بين شخصيات تمثل السلطات القائمة، في مسعى لتوحيد مؤسسات الدولة، ولأنها دارت داخل كواليس الأمم المتحدة ومبعوثي واشنطن خلال اجتماعات متكررة، قادها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا، والقائم بالأعمال بالسفارة الأميركية لدى ليبيا جيرمي برنت، فقد جرى تسريب أبرز محاور المبادرة كبالون اختبار لمعرفة تقبلها من عدمه.
تتمحور الخطوة الأميركية حول ثلاثة مسارات: سياسي يستهدف توحيد الحكومتين، وعسكري لتشكيل قوة مشتركة بين شرق وغرب البلاد، واقتصادي يقوم على إقرار ميزانية موحدة، استنادًا إلى الاتفاق التنموي الموحد الموقع بين مجلسي النواب والدولة نوفمبر الماضي.
وفي غياب تعليق رسمي من الولايات المتحدة أو من الشخصيات الليبية المعنية، نص المقترح الأميركي الذي ناقشه المجلس الأعلى للدولة خلال جلسة عقدها الإثنين، على دمج حكومة الوحدة الوطنية الموقتة والحكومة المكلفة من مجلس النواب في حكومة واحدة.
وبحسب المقترح الأميركي، يحتفظ عبدالحميد الدبيبة برئاسة الحكومة الموحدة، مقابل تشكيل مجلس رئاسي جديد يرأسه نائب قائد قوات القيادة العامة، صدام حفتر.
المنفي يلمح.. ومجلس الدولة يرفض
وتظهر تدوينات رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي في طرابلس عبر حسابه الخاص على منصة «إكس» موقفه الواضح تجاه المسار السياسي القائم؛ حيث كتب في إحداها: «إن الوطن يقف اليوم بين مشروعَين متناقضَين: الدولة أو الصفقة»، مضيفًا أن الخيارات تشمل: «الدولة أو الصفقة، الانتخابات أو التمديد، سيادة الموارد أو الوصاية الأجنبية، وحفظ الاستثمارات والأموال المجمدة أو ضياعها».
وبينما فضل المنفي التلميحات في التعامل مع مبادرة بولس، أصدر المجلس الأعلى للدولة بيانًا أعلن فيه بصيغة مباشرة رفضه القاطع لأي تسوية سياسية تُبرم خارج إطار الاتفاق السياسي الليبي، وأكد عدم اعتداده بأي تمثيل له في أي مفاوضات ما لم يكن ذلك بتفويض رسمي وصريح صادر عنه. وشدد المجلس على أنه لا يترتب على أي تصرف أو تمثيل بالمخالفة لأحكام هذا القرار أي التزامات عليه، ويُعدّ في حكم العدم قانونًا.
- للاطلاع على العدد «542» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
في السياق نفسه، أعلن عضو المجلس الرئاسي عبدالله اللافي، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة تمسكهما بما يعتبرانه المسارات الشرعية لحل الأزمة الليبية، ونقل بيان مجلس الدولة تأكيد الطرفين خلال لقائهما على «أن يكون الحل نابعًا من إرادة الليبيين وضمن المسارات الشرعية التي تضمن الوصول بالبلاد للاستقرار الدائم وإجراء الانتخابات الوطنية بأقرب الآجال».
وتعكس ردود فعل المنفي، وفق متابعين للشأن الليبي، ما يمكن تسميته بتحسسه من المقترح الأميركي الذي قد يعني إبعاده عن المشهد السياسي؛ حيث لوحظ عليه توسيع دائرة التشاور مع مختلف القوى السياسية والعسكرية بهدف تقليص فجوة الخلافات، ووجد في لقائه مساء الأربعاء مع عدد من أعضاء المجلس الأعلى للدولة مناسبة للتأكيد على «الالتزام بالأطر والنظم الدستورية الحاكمة في ليبيا، وبالأخص ما نص عليه الاتفاق السياسي الليبي، بما يضمن تحقيق الاستقرار وتلبية تطلعات الشعب الليبي».
وخلال اليوم ذاته، استقبل محمد المنفي عددًا من رؤساء وممثلي الأحزاب والتكتلات السياسية الليبية، الذين أكدوا «رفض أي ترتيبات أو تفاهمات خارج الأطر القانونية والدستورية لما تمثله من تهديد لمسار الاستقرار وبناء الدولة».
وفي هذا الوقت، لا تزال رئيسة البعثة الأممية إلى ليبيا، هانا تيتيه، تلتزم نوعًا من الصمت حيال المبادرة، ما زاد المخاوف بأن يعني ذلك «موافقة ضمنية» على مقترح بولس، خصوصًا أنه لا أفق لحل قادم من قبل اللجان المكلفة بإيجاد أرضية مشتركة للتسوية السياسية، فبعد اللجنة الاستشارية وإطلاق الحوار المهيكل، لم تظهر أي نتائج يعوّل عليها، كما أنها تدور في توصيات غير ملزمة.
اتصالات بين مسعد بولس وصدام وبلقاسم حفتر
ويبدو أن مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي، قد تعمد عدم التعامل مع هذه التفاعلات، كاشفًا مساء الأربعاء عن مناقشات مع نائب قائد «القيادة العامة»، الفريق أول ركن صدام حفتر، حول التقدم المحرز نحو الموازنة الموحدة، ومناورات «فلينتلوك 2026» التي ستنطلق في مدينة سرت الشهر الجاري.
وقبيل اتصاله بصدام، أجرى بولس اتصالًا آخر بشقيقه بلقاسم حفتر، مدير صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، بمشاركة القائم بالأعمال بالسفارة الأميركية جيرمي برنت، ونبه إلى أهمية تمكين تنفيذ المشروعات التنموية في جميع أنحاء ليبيا، وجاء اتصال بولس على خلفية إعلان الصندوق رفضه مخرجات المسار الاقتصادي.
مناقشات في تونس حول الموازنة الموحدة
وسبق لممثلين عن صدام حفتر، ومجلسي النواب والدولة، وحكومة «الوحدة الوطنية الموقتة»، ومصرف ليبيا المركزي، وديوان المحاسبة، وهيئة الرقابة الإدارية عقد اجتماعات ولقاءات في تونس، لمناقشة تفاصيل الموازنة الموحدة برعاية مباشرة من وزارة الخزانة الأميركية.
وليس بعيدًا عن هذا الحراك، دعت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا جميع السلطات المعنية إلى التعاطي السريع مع المقترحات التي قدمتها لجنة الوساطة المكلفة بمعالجة الأزمة القضائية في البلاد، مشيرة إلى أن اللجنة تضم نخبة من الشخصيات القضائية والقانونية والبرلمانية الليبية، وأن مبادرتها تأتي في إطار جهد وطني مستقل، ومن المقترحات المعروضة إعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء وإنشاء دائرة دستورية مستقلة ضمن هيكل المحكمة العليا، وتأمل الأمم المتحدة أن تنهي لجنة الخبراء نزاعًا تفجّر حول إدارة المجلس الأعلى للقضاء والمحكمة العليا.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة