يبقى نفوذ وجرائم المجموعات المسلحة في ليبيا قائما ويتمدد، دون رادع، لا توقفه تقارير الأمم المتحدة ولا مذكرات الاعتقال التي تصدرها المحكمة الجنائية الدولية، ولا تعليقات الخبراء الدوليين، ولا المطالبات المحلية المستمرة بوقف الأعمال غير القانونية، في ظل تشابك خطوط هذه الجماعات مع السلطات الرسمية سواء فيما يتعلق بحكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» في المنطقة الغربية، أو قوات «القيادة العامة» في المنطقة الشرقية.
وتتواصل جرائم تلك المجموعات من شرق ليبيا إلى غربها، وتتفاوت ممارساتها غير القانونية بين جرائم القتل والتعذيب والخطف والاعتقالات التعسفية وسوء معاملة المهاجرين والمحتجزين في السجون ومراكز الاعتقال، فضلا عن تهديد المسؤولين في السلطة القضائية.
- للاطلاع على العدد 541 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان أصدر تقريرا، نهاية مارس الماضي، بعنوان «القوة فوق القانون.. الجماعات المسلحة وانهيار القضاء في ليبيا»، استعرض فيه وضع الميليشيات وما تسببه من فوضى أمنية في البلاد.
محاكم ونيايات تعاني هيمنة المسلحين
المركز حذر من وضع السلطة القضائية في ليبيا، وقال إنها باتت «رهينة لتوازنات القوى المحلية، وحدود السيطرة الجغرافية» للمجموعات المسلحة.
ولفت التقرير إلى أن «التشظي السياسي استحدث نظما قانونية متعددة قوضت استقلال القضاء، وباتت الجهات القضائية الفاعلة تعمل في بيئة تفتقر للأمن، إذ تتحكم الجماعات المسلحة فعليا في مسار العملية القضائية، فغالبا ما يجتجز المواطنون والمقيمون والمهاجرون دون اتباع إجراءات قانونية، ويجرى استجوابهم في مرافق تابعة للجماعات المسلحة أو مقار الأجهزة الأمنية».
وخلص التقرير إلى أن «المحاكم في كل منطقة باتت مجبرة على اتباع خطوط السيطرة التي تفرضها الجماعات المسلحة على الأرض»، منوها بأن المحاكم والنيابات تفتقر للسيطرة الفعلية على المقومات اللازمة لإتمام عملها، المتمثل في تأمين المنشآت، واحتجاز المشتبه فيهم، وتنفيذ الأوامر القضائية، وحماية الكوادر العاملة في المنظومة القضائية.
وتقع السلطة القانونية الليبية «تحت وطأة القوة القسرية للجماعات المسلحة من جهة، وحالة الانقسام السياسي من جهة أخرى»، مما يؤدي إلى انحرافات في عمليات القبض وتنفيذ الأحكام، وهو ما تؤكده مقابلات مع فاعلين في الجهات القضائية وضحايا، وتحليل الأحكام والقرارات التنفيذية، وغيرها من الوثائق.
جرائم المجموعات المسلحة في الشرق والغرب
كما حذر المركز من استمرار تنامي نفوذ المجموعات المسلحة في ليبيا، ودورها غير القانوني في التصدي للهجرة، مشيرا بشكل خاص إلى قوة «الردع» في طرابلس، وجهاز «دعم الاستقرار»، بالإضافة إلى مجموعات تابعة لقوات «القيادة العامة» في المنطقة الشرقية.
وتلعب هذه المجموعات أدوارا مركزية في اعتقال المهاجرين، وإدارة مرافق الاحتجاز، وتنفيذ عمليات الاعتراض أو النقل بالتعاون مع سلطات الدولة والشركاء الدوليين. وأوضح التقرير أن هذه الأدوار، التي غالبا ما توضع في إطار تدابير أمنية أو إدارة للحدود، «عززت القوة القسرية للجماعات المسلحة، ولا سيما أنها تحدث في ظل رقابة قضائية محدودة».
ونقل المركز عن أحد ضحايا الاحتجاز التعسفي لقوة الردع قوله: «إذا أراد وكيل النيابة احتجازك بينما (الردع) لا تريد ذلك فلن يحدث احتجاز، وإذا أرادت (الردع) احتجازك فسيجرى احتجازك.. لا توجد سلطة فوق (الردع)».
ونوه بأن تلك المجموعات المسلحة التي فرضت سلطة الأمر الواقع، سواء كجهات فاعلة مندمجة رسميا أو بشكل غير رسمي في مؤسسات الدولة، ارتبط العديد منها رسميا بوزارات الدفاع أو الداخلية أو العدل، أو اندمجت فيها، وكُلفت بوظائف إنفاذ القانون الأساسية؛ بما في ذلك الاعتقال والاحتجاز وإدارة المنشآت وحماية المحاكم ونقل السجناء.
تدخل أمني في عمل القضاء
أكد المركز أن التعاون والتداخل المعقد بين الجماعات المسلحة وأجهزة الدولة «يجعل من الصعب فصل تدخلات القطاع الأمني عن السلطة القضائية. كما يقوض الجهود الرامية لاستعادة السيطرة الفعلية للقضاء على منظومة العدالة بأكملها».
التقرير في إشارته إلى تحكم المجموعات المسلحة فعليا في مسار العملية القضائية، يقول «غالبا ما يُحتجز المواطنون والمقيمون والمهاجرون دون اتباع الإجراءات القانونية، ويجرى استجوابهم في مرافق تابعة للجماعات المسلحة أو مقار الأجهزة الأمنية، ولا يحالون للسلطة القضائية إلا عندما يكون ذلك ملائما سياسيا».
التهرب من مذكرات الاعتقال
كما دأبت قيادات الجماعات المسلحة والشخصيات ذات النفوذ السياسي على التهرب بشكل روتيني من مذكرات الاعتقال وتجاهل الأوامر القضائية، أو استصدار قرارات الإفراج عبر قنوات غير رسمية، وفق التقرير.
وبينما لا يزال بعض المعتقلين محتجزين على الرغم من صدور أحكام قضائية تقضي بإخلاء سبيلهم، يفلت آخرون من الاحتجاز تماما عبر ترتيبات تفاوضية أو بفضل الحماية التي توفرها لهم المجموعات المسلحة.
- للاطلاع على العدد 541 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وقال المركز إنه في أغلب الأحيان استندت النتائج القانونية إلى ما «يملكه الشخص من نفوذ عسكري أو سياسي أو مادي، مما أدى بشكل كبير إلى إضعاف القضاء الليبي، وأسهم في تجزئته».
أوروبا مسؤولة عن سوء وضع المهاجرين
حمل مركز «القاهرة لدراسات حقوق الإنسان» أوروبا مسؤولية زيادة نفوذ وجرائم المجموعات المسلحة في ليبيا، إذ قال إن التعاون الأوروبي مع هذه المجموعات شجع على تورطها في الاعتقال والاحتجاز ومراقبة الحدود دون توفير ضمانات خضوعها للمؤسسات القضائية.
وأدت سياسات التعاون الدولي، ولا سيما المتعلقة بمراقبة الهجرة، إلى تمكين جماعات مسلحة وجهات فاعلة أمنية من «العمل خارج نطاق الرقابة القضائية الفعلية».
تهديد القضاة ووكلاء النيابة
أما عن الفاعلين في النظام القضائي الليبي، فقال التقرير إنهم «يتعرضون إلى تهديدات، وعمليات اختطاف، واعتداءات جسدية، وهجمات قاتلة». وبحسب وكلاء نيابة وقضاة، في الشرق والغرب، تؤثر المخاطر التي قد يتعرضون لها على استقلال الأحكام والممارسات القضائية، لذا «يفكرون مليا قبل إصدار أوامر الإفراج، أو قبول القضايا الحساسة أو متابعتها، أو تحدي الجهات الفاعلة النافذة».
وأضاف: «على سبيل المثال، انحرفت الشرطة القضائية، التي يُفترض أن تضمن سلامة الموظفين أو المحتجزين، عن مهمتها الأساسية، وعملت كجماعة مسلحة شبه مستقلة».
وضرب التقرير مثلا بقضية القائد السابق للشرطة القضائية أسامة نجيم بقوله إنها تعكس التضارب؛ إذ أُطلق في إيطاليا على الرغم من كونه مطلوبا لدى المحكمة الجنائية الدولية، وأُعيد إلى ليبيا بدلا من نقله إلى لاهاي «على نحو يقوض بشكل مباشر آليات العدالة الدولية ومصداقية القضاء الليبي معا».
وأكد التقرير أن القضاء الليبي «يبقى مقيدا بنيويا بممارسات القطاع الأمني والسياسات الدولية التي لا تزال ترجح القوة القسرية للجماعات المسلحة على حساب مسار العدالة، بدءا من القبض والاحتجاز وصولا إلى جمع الأدلة والمحاكمة وتنفيذ الأحكام».
دور «الجنائية الدولية» في ليبيا
أشار مركز «القاهرة» إلى زيادة الضغوط القضائية الدولية إزاء ليبيا بشكل ملحوظ؛ إذ أعادت المحكمة الجنائية الدولية تفعيل ملف ليبيا عبر مذكرات اعتقال مرتبطة بجرائم ارتُكبت في مرافق احتجاز تديرها جماعات مسلحة، بما في ذلك قضية «خالد محمد علي الهيشري»، أحد كبار المسئولين عن سجن معيتيقة، الذي اعتُقل، 16 يوليو الماضي، في ألمانيا بناء على مذكرة اعتقال من «الجنائية الدولية».
وتشير وثائق المحكمة الجنائية الدولية إلى أن السلطات الألمانية اعتقلت الهيشري في 16 يوليو 2025 بناء على مذكرة اعتقال صادرة عن المحكمة في وقت سابق من الشهر نفسه، في إشارة جيدة إلى تنامي جهود المحاسبة عبر آليات دولية في قضايا مرتبطة بمرافق الاحتجاز التابعة للجماعات المسلحة.
توصيات بدعم استقلال مجلس القضاء والمحكمة الدستورية
ودعا مركز القاهرة، في توصياته، إلى ضمان حماية القضاء وامتثال الأجهزة الأمنية للقوانين، و«محاسبة كل الجهات المتدخلة في مسار العدالة، سواء كانت رسمية أو جماعات مسلحة»، بالإضافة إلى دعم استقلال المجلس الأعلى للقضاء والمحكمة الدستورية، وتعزيز المحاسبة على الانتهاكات والاعتداءات على المحاكم والكوادر القضائية.
كما شدد على «ضمان حماية البنية التحتية للمحاكم، وملفات القضايا، وعمليات نقل المحتجزين، وإعادة هيكلة الشرطة القضائية، ومحاسبة الأجهزة الأمنية والمجموعات المسلحة على تدخلها في الإجراءات القضائية».
وأوصى أيضا المركز المجلس الأعلى للقضاء بـ«الالتزام بالشفافية في تعيين وترقية وتأديب القضاة وأعضاء النيابة، ومقاومة الضغوط السياسية والفئوية، وتسهيل التواصل مع القضاة في الأقاليم كافة». كما طالب مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بـ«الامتناع عن سن تشريعات تقوض استقلال القضاء دون توافق شامل، وضمان وضوح التشريعات الانتخابية المستقبلية».
ضرورة التحقيق في التعديات على القضاة
خاطب التقرير أيضا النائب العام من أجل «التحقيق في الاعتداءات على الكوادر القضائية، واستبعاد أي اعترافات جرى الحصول عليها بالقوة، وإنفاذ المتطلبات القانونية لظروف الاحتجاز، وملاحقة إساءة استخدام الأموال العامة». كما نبه إلى ضرورة أن توثق الهيئات المهنية ومنظمات المجتمع المدني «الانتهاكات، وتقدم الدعم القانوني للضحايا والمحتجزين، وتضمن التواصل مع الآليات الدولية».
المركز وجه دعوات إلى المحكمة الجنائية الدولية وآليات الأمم المتحدة من أجل «التحقيق في الاعتداءات على القضاء، ومتابعة تنفيذ مذكرات الاعتقال، وتوسيع مراقبة الاحتجاز غير القانوني والاعترافات القسرية»، مشيرا إلى ضرورة أن تضمن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والوكالات الأممية «حماية المؤسسات القضائية، وتكثيف المراقبة والدعم للمجتمع المدني في توثيق الانتهاكات».
ولفت إلى أن واقع القضاء في ليبيا «يعكس تحديات هيكلية مستمرة بسبب تدخل الجماعات المسلحة، وفشل المحاسبة، وانقسام السلطات القضائية والسياسية».
وأوضح المركز أن الحبس الاحتياطي في ليبيا «تحول إلى قاعدة عامة، مع قصر دور النيابة العامة على المصادقة الشكلية على الإجراءات التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة»، موردا حالات بارزة مثل وفاة الناشطين عبدالمنعم المريمي وسراج فخرالدين دغمان خلال الاحتجاز، وقضية جماعة «تنوير» التي «استخدمت الاعترافات القسرية لتبرير الأحكام القضائية، ما يعكس تسييس المحاكم وتلاعب الأجهزة الأمنية بالقضايا»، حسب توصيفه.
وأضاف: «الجماعات المسلحة لا تكتفي بالتأثير على مرحلة الاحتجاز، بل تمتد لتطويع المحاكمات نفسها عبر الترهيب المباشر للقضاة، وتهديد الموظفين القضائيين، مع تعطيل الجلسات أو نقلها لمقار خاضعة لسيطرتها»، مذكرا بـ«وقائع اقتحام محاكم في بنغازي والعزيزية وطرابلس، وإجبار القضاة على إطلاق محتجزين بالقوة، ما يحول المحاكم إلى فضاء شكلي بلا مضمون».
فشل جهود المحاسبة محليا ودوليا
كما أشار مركز القاهرة إلى «فشل جهود المحاسبة الوطنية والدولية»، موضحا: «الحكومات المتعاقبة اعتمدت على المواجهات الأمنية الانتقائية بدلا من الإجراءات القضائية المستدامة، بينما تستمر بعض المجموعات المسلحة في تلقي التمويل والدعم من الخزانة العامة دون مساءلة»، وشارحا أن «التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية والآليات الدولية يعاني عراقيل مستمرة، كما يتضح في قضايا مثل سيف الإسلام القذافي ومحمود الورفلي، حيث أعاقت المجموعات المسلحة تنفيذ مذكرات الاعتقال».
- للاطلاع على العدد 541 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وأكد أن «الانقسام السياسي أثر بشكل مباشر على القضاء، مع ازدواجية السلطات بين المجلس الأعلى للقضاء والمجلس الأعلى للدولة، وفرض رقابة تشريعية على المحاكم وتعيينات القضاة»، الأمر الذي أدى إلى «تعطيل الحوكمة القضائية، وتحويل المسارات المهنية للقضاة إلى ساحة نزاع سياسي بين أقاليم الشرق والغرب».
وحذر مركز «القاهرة» من محاولات تفكيك الجماعات المسلحة أو مواجهتها خارج إطار قانوني واضح، وقال إن ذلك ينذر بـ«إعادة إنتاج أنماط المحاسبة الانتقائية نفسها، وعنف الانتقام، والإفلات من العقاب؛ وهي العوامل التي طالما أفرغت نظام العدالة في ليبيا من مضمونه».
واختتم المركز تقريره بالإشارة إلى أن «نظام العدالة الليبي يعمل ضمن بيئة تتجاوز فيها الجماعات المسلحة والخصومات السياسية القوة القانونية، حيث تتحكم هذه القوى في مسارات القضايا وعمليات جمع الأدلة وتنفيذ الأحكام»، معتبرا أن «الإصلاح القضائي المستدام يتطلب إعادة تأسيس استقلال القضاء، وحماية مؤسسات العدالة، وتطبيق القانون، بعيدا عن تأثير القوة السياسية والعسكرية».
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة