آخر الأخبار

تحليل لمجموعة الأزمات الدولية: تهريب الوقود الليبي أصبح عمودا حيويا للنظام السياسي

شارك
مصدر الصورة
شاحنات محملة بوقود معد للتهريب جرى ضبطها في 10 أغسطس 2024 (اللواء 444 قتال)

قالت مجموعة الأزمات الدولية إن السلام الهش الذي يسيطر على الأوضاع في ليبيا منذ العام 2020 يعتمد على رغبة الطرفين المتنافسين في تقاسم عائدات بيع النفط، وكذلك غض الطرف عن مصادر الدخل غير القانونية الأخرى التي يستفيد منها الجميع، بما في ذلك أنشطة تهريب الوقود.

مصدر الصورة مصدر الصورة

وذكرت المجموعة الدولية، في تحليل نشرته عبر موقعها الإلكتروني الخميس، أن أنشطة تهريب الوقود أصبحت عمودا حيويا للنظام السياسي القائم في ليبيا، مضيفة: «النخب السياسية المتنافسة في شرق وغرب البلاد تحافظ على علاقة تبادلية خلف الأبواب المغلقة، لضمان تدفق العائدات النفطية وتقاسمها، على الرغم من العداء الظاهر بينها». وحذرت من أن هذا الوضع القائم على تقاسم العائدات النفطية، وغض الطرف عن أنشطة تهريب الوقود المربحة، يأتي بتكلفة اقتصادية مرتفعة، ويعيق التنمية الاقتصادية، ويرسخ النخب الحاكمة، ويقضي على أي أي حوافز لتوحيد مؤسسات الحكم.

وبالنظر إلى موقعها الجغرافي على سواحل البحر المتوسط، وكونها نقطة عبور مزدوجة للمهاجرين الساعين للوصول إلى أوروبا، وموردا رئيسيا للمنتجات الهيدروكربونية، تحمل ليبيا أهمية استراتيجية كبرى بالنسبة للاتحاد الأوروبي. لهذا دعت المجموعة الدولية بروكسل إلى ضرورة العمل على تحسين إدارة المالية العامة في ليبيا، وخلق الظروف اللازمة لإعادة التوحيد السياسي، وتعزيز الجهود المبذولة لوقف تهريب الوقود، وتدريب قوات الأمن البحري في ليبيا.

تهريب 40% من الوقود الوارد
تلعب أنشطة تهريب الوقود في ليبيا دورا رئيسيا في استدامة الوضع السياسي الراهن. وتشير البيانات الرسمية المتوافرة إلى أنه منذ العام 2022 ضاعفت ليبيا الإنفاق السنوي على استيراد الديزل والبنزين، حيث يجرى استيراد 50% من الوقود من أوروبا و25% من روسيا. غير أن حجم الواردات يتجاوز بكثير الطلب الداخلي.

- مجلة فرنسية: مبادلة النفط الليبي بالوقود «آلة لسرقة المال».. والتكلفة مليار دولار سنويًا
- «الغارديان»: تهريب الوقود برعاية مسؤولين كلّف ليبيا 20 مليار دولار خلال ثلاث سنوات
- «ذا سنتري» تكشف مسارات تهريب الوقود من ليبيا إلى أوروبا وجنوب الصحراء

وبحسب بيانات رسمية، بينها بيانات ديوان المحاسبة، جرى تهريب نحو 40% من واردات الوقود بين عامي 2022 – 2024 عبر البحر المتوسط بشكل أساسي. وتسهم منظومة الدعم في استدامة تجارة الوقود غير النظامية، إذ يبلغ سعر لتر البنزين نحو 0.02 دولار في ليبيا مقارنة بنحو دولارين للتر الواحد في أوروبا، مما يتيح هوامش ربح هائلة للمهربين.

ويعتقد محللون أجانب ومصادر ليبية أن معظم الوقود المُهرب ينطلق من بنغازي بتنسيق مع مقربين من دوائر السلطة، ويُباع معظمه في المياه الدولية عبر عمليات نقل من سفينة إلى أخرى، ولكن من المعروف أن شحنات منه قد وصلت إلى إيطاليا وألبانيا وتركيا واليونان.

وتتباين التقديرات بشكل كبير حول التكلفة الإجمالية لأنشطة تهريب الوقود من ليبيا. فبحسب ديوان المحاسبة، تجاوزت تكاليف استيراد الوقود في العام 2024 تسعة مليارات دولار، أي ما يعادل نحو 30% من إجمالي عائدات النفط والغاز، أو ما يقارب النسبة نفسها من إجمالي الإنفاق الحكومي السنوي.

النخب السياسية «تغض الطرف»
يعتقد محللون أوروبيون أن أرباح أنشطة تهريب الوقود تراوحت بين 6 – 7 مليارات دولار بين عامي 2022 – 2024. تعكس تلك الأرقام كيف أصبح تهريب الوقود مكونا حيويا في الترتيبات الضمنية القائمة بين السلطات في شرق وغرب البلاد، إذ «تتغاضى النخب السياسية عن هذه المخططات المالية غير المشروعة، بل وتشجعها في بعض الحالات، لأنها وسيلة لتنمية شبكات المحسوبية، وتمويل النفقات غير المدرجة في الموازنة، ولا سيما في الشرق»، بحسب المجموعة الدولية.

كما أضافت المجموعة الدولية: «العواصم الأوروبية تدرك جيدا أبعاد هذه الأنشطة الاحتيالية، وغيرها من أنظمة التمويل الموازية التي تكلف الدولة مليارات الدولارات، لكنها تفضل التزام الصمت حيال الأمر اعتقادا بأنها تضمن عدم انهيار السلام، ولاستمرار صادرات النفط من المناطق الواقعة تحت سيطرة المشير حفتر».

علاقة تبادلية خلف الأبواب
في استعراضها المشهد السياسي في ليبيا، قالت المجموعة الدولية إنه على الرغم من العداء الظاهر بين المعسكرين المتنافسين، فإن كليهما يحافظ على علاقة تبادلية خلف الأبواب المغلقة، تعتمد على تقاسم العائدات النفطية، ومخططات التمويل غير المسجلة رسميا.

وقالت المجموعة الدولية: «هذا الترتيب غير المعلن يناسب الطرفين، لأنه يسمح بدفع رواتب الموظفين، وشراء الولاءات السياسية، وترسيخ السلطة والنفوذ في المناطق التابعة لكل منهما. لكنه يقضي على أي إلحاح حقيقي للتوصل إلى حلول أو تقديم تنازلات بشأن الانتخابات وتوحيد البلاد».

لكنها حذرت في الوقت نفسه من أن «انعدام الأمن المستمر، ولا سيما في المنطقة الغربية والجنوبية، وسوء الإدارة الاقتصادية، يتسببان في تدهور الأوضاع المعيشية. كما أن سوء تخصيص الأموال العامة والإنفاق المفرط يستنزفان خزائن الدولة، المعتمدة بشكل شبه كامل على العائدات النفطية».

آليات تمويل متوازية في الشرق
أشارت مجموعة الأزمات الدولية أيضا إلى أن «آليات التمويل المتوازية التي وضعتها السلطات في الشرق، وإصدار سندات خزانة غير مصرح بها لتغطية النفقات، يستنزفان احتياطيات العملة الصعبة، ويجبران المصرف المركزي على خفض قيمة الدينار، مما رفع تكاليف المعيشة، وقضى على القدرة الشرائية للاقتصاد المعتمد على الاستيراد».

وبالنظر إلى الأوضاع الراهنة، رأت المجموعة الدولية أن فرص التغيير الحقيقية لا تزال ضعيفة، مشيرة إلى فشل العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، بدعم من الاتحاد الأوروبي، في تحقيق تقدم يذكر صوب توحيد البلاد أو إجراء انتخابات وطنية. وقالت إن قرار مجلس النواب، في يوليو الماضي، إنشاء محكمة دستورية عليا في بنغازي، وهو قرار يتحدى قرار المحكمة العليا في طرابلس، بمنزلة الأحدث في سلسلة طويلة من الخلافات التي قلصت فرص إجراء انتخابات وطنية.

وتستفيد النخب السياسية، بحسب المجموعة الدولية، من الخلافات الدستورية والقضائية القائمة، لتأجيل إجراء الانتخابات، وإسكات أي دعوات للتجديد السياسي. وقد ركزت المبادرات الأممية، خلال العقد الماضي، على تمهيد الأرض للانتخابات الوطنية بناء على الافتراض بأن الحكومات المتنافسة قد فقدت شرعيتها، أو تجاوزت مدة ولايتها بسبب عدم حصولها على اعتراف كامل، وأن الانتخابات هي الحل الوحيد لاستعادة الشرعية.

لامبالاة النخب الحاكمة
على الرغم من إطلاق الحوار المهيكل بمبادرة من الأمم المتحدة نهاية العام الماضي، الذي جمع خبراء وممثلين من أنحاء ليبيا من أجل مناقشة أربعة مسارات، هي: الحوكمة الاقتصادية والأمن وحقوق والإنسان والتوافق الوطني، والتوصيات التي خرجت بها جلسات الحوار، فإنها لم تجد الصدى المطلوب بين النخب الحاكمة، التي لم تتخذ بدورها أي تدابير. تلك التطورات أثرت على الثقة العامة في إجراء انتخابات وطنية في أي وقت قريب.

نتيجة ذلك، أطلقت الإدارة الأميركية أخيرا جهود وساطة موازية تركز أولا على الأمن والاقتصاد، وهمشت بعض التساؤلات السياسية المثيرة للجدل. والتقى المبعوث الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، مسؤولين من الحكومات في بنغازي وطرابلس، وأفراد عائلة المشير خليفة حفتر وعبدالحميد الدبيبة في لقاءات انعقدت خلف الأبواب المغلقة، ويبدو أنها أدت إلى اتفاق على إجراء تدريبات عسكرية مشترك، وتوحيد آليات موحدة.

ويشكل الجمود السياسي المُطول معضلات لشركاء ليبيا الأجانب، ولا سيما الدول الأوروبية، حيث لم تعد الانتخابات تبدو حلا واقعيا على المدى القريب أو المتوسط لمعالجة المأزق السياسي، بينما البدائل الأقل طموحا، مثل الاتفاقات بشأن قضايا الموازنة أو التدريب الأمني المشترك للقوات المتنافسة، تبدو أكثر جدوى.

الموقف الأوروبي
إلى ذلك، تطرق التقرير إلى الموقف الأوروبي من أنشطة التهريب من ليبيا، وعلاقتها بالمشهد السياسي بشكل عام، قائلا: «الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء وجدت صعوبة في ترجمة الأولويات إلى نتائج ملموسة».

وأضاف: «محدودية النفوذ الأوروبي مقارنة بجهات فاعلة أخرى أكثر حزما، مثل مصر وتركيا والإمارات، أدت إلى تقليل تأثير سياسة بروكسل في ليبيا. وقد كان التعامل مع تدفقات الهجرة معقدا للغاية، ولا سيما بسبب الاعتبارات السياسية الداخلية في أوروبا، ولأن السلطات الليبية تستخدم المهاجرين كشكل من أشكال الضغط الدبلوماسي، مستغلة سيطرتها على طرق الهجرة لانتزاع تنازلات ثنائية».

وتابع التقرير: «نتيجة ذلك، وجدت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي عموما أنه من الأسهل التركيز على العلاقات الثنائية مع السلطات الليبية المتنافسة بدلا من العمل معا من خلال بروكسل».

وفي حين نصحت المجموعة الدولية أوروبا بضرورة التدخل بشكل موحد من أجل مكافحة أنشطة تهريب الوقود من ليبيا، أكدت ضرورة أن تكون تلك الدول مستعدة للتداعيات المحتملة لهذا التدخل، بما في ذلك محاولة أطراف ليبية الرد من خلال السماح بزيادة تدفقات الهجرة غير القانونية صوب أوروبا.

لهذا، ينبغي أن يكون سعي الاتحاد الأوروبي للحد من تهريب الوقود جزءا من نهج شامل ومنسق دوليا، يجمع، في أفضل الأحوال، جهود الوساطة التي تقودها الأمم المتحدة والولايات المتحدة، لإصلاح مالية الدولة الليبية.

في الوقت نفسه، يمكن للاتحاد الأوروبي أن يسعى إلى حث الحكومتين المتنافستين على التعاون من خلال المساعدة في تحسين البنية التحتية والأمن البحري الهش للبلاد، مكملا بذلك الجهود التي تدعمها الولايات المتحدة لتعزيز التدريب العسكري المشترك للقوات من الشرق والغرب.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا