آخر الأخبار

هل يعجل «لهيب الخليج» بتقليص النفوذ الخارجي في ليبيا؟

شارك
مصدر الصورة
دمار في إيران جراء قصف أميركي. (أرشيفية: الإنترنت)

على الرغم من المسافة الجغرافية البعيدة عن التوترات المتواصلة في منطقة الخليج، فإن ليبيا تقع في قلب النطاق الجيوسياسي المتأثر وفي دائرة الارتدادات، خاصة مع استهداف إيران، عبر غارات مكثفة، منشآت حيوية في دولة الإمارات، ما أثار التكهنات بشأن انعكاسات الحرب في الشرق الأوسط على بؤر التوتر الساخنة في عدة دول.

مصدر الصورة مصدر الصورة

منذ 28 فبراير، تكثفت الهجمات الإيرانية على دول الخليج، وتقول طهران إن ضرباتها تستهدف الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، إلا أن العديد منها طال منشآت مدنية، بما في ذلك المطارات والموانئ والفنادق. وخلال أسابيع، تعرضت دول الخليج، منذ اندلاع الحرب، لأكثر من ألفي هجوم بالصواريخ والطائرات المسيّرة. وكانت الإمارات من بين الدول الأكثر تعرضًا لهذه الهجمات، على الرغم من أن جميع دول الخليج تأثرت بدرجات متفاوتة ودانت تلك الضربات.

حفتر يتواصل مع رئيس الإمارات
وعلى إثر ذلك، سارع القائد العام، المشير خليفة حفتر، إلى إجراء اتصال هاتفي برئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، عبّر خلاله عن إدانته الشديدة للهجمات الإيرانية التي استهدفت الدولة.

وأكد حفتر خلال الاتصال أن «هذه الهجمات تمثل انتهاكًا خطيرًا وتهديدًا مباشرًا لاستقرار المنطقة»، معربًا عن التضامن الكامل مع دولة الإمارات وقيادتها وشعبها في مواجهة أي اعتداء يستهدف أمنها، وفق ما نشره مكتب إعلام القيادة العامة عبر صفحته على «فيسبوك».

الدبيبة يدخل على الخط
كما تلقى الشيخ محمد بن زايد آل نهيان اتصالًا هاتفيًا من رئيس حكومة الوحدة الوطنية الموقتة، عبدالحميد الدبيبة، الذي أعرب عن تضامن بلاده مع دولة الإمارات في أعقاب الهجمات الإيرانية التي استهدفت أراضيها ودولًا أخرى في المنطقة، مؤكدًا أن هذه الهجمات تشكل انتهاكًا خطيرًا لسيادة الدول وتقوّض الأمن والاستقرار الإقليميين.

وتعكس مواقف بنغازي وطرابلس متانة العلاقات مع أبوظبي، حيث استضافت هذه العاصمة الخليجية أكثر من مرة جلسات حوار، وقادت مفاوضات وساطة بين ممثلي الطرفين. إلا أن ذلك لا يلغي اتهامات موجهة للإمارات بلعب دور خفي عبر استراتيجية تمتد من ليبيا إلى السودان واليمن، ومن منطقة الساحل إلى القرن الأفريقي.

وتذهب تحليلات المراقبين إلى توقع تأثير الوضع الداخلي في الإمارات على هذه البلدان والمناطق، عبر تقلص الدعم الخارجي المحتمل للأطراف المتصارعة في ليبيا والسودان ومالي موقتًا، الأمر الذي قد يخلق فراغًا في التوجيه الدولي، قد يغري الفاعلين المحليين بالتحرك عسكريًا مستغلين حالة الانقسام.

ليبيا ليست في معزل عن الخليج العربي
ويعتقد السياسي الليبي عمر الجبالي العبيدي أنه عند تحليل الأزمات الراهنة في منطقة شمال أفريقيا وحوض النيل، لا يمكن عزل الداخل عن التفاعلات الجيوسياسية في منطقة الخليج العربي.

وقال إن «طبيعة الدور الإماراتي في النزاعات الإقليمية، وتحديدًا في ليبيا والسودان، تضعنا أمام إشكالية تدويل الأزمات المحلية، حيث تتحول الساحات الوطنية إلى ميادين لتصفية حسابات ونفوذ عابر للحدود، وبحث عن المصالح».

ففي ليبيا، ساهمت التدخلات الخارجية في خلق حالة من الاستعصاء السياسي، إذ أدى الدعم الموجه لأطراف معينة إلى تعميق الانقسام المؤسسي وعرقلة مسارات التوافق الوطني، وفق تصريح العبيدي لـ«الوسط».

ويرى أن تحقيق السيادة الوطنية وإعادة بناء الدولة يتطلبان بالضرورة تفكيك أدوات النفوذ الخارجي، والتركيز على نموذج حوكمة وطني مستقل (تكنوقراطي) يدير الموارد والمؤسسات بعيدًا عن الاستقطابات الإقليمية التي تقتات على إطالة أمد الأزمة.

الأزمة في السودان
أما في السودان، فيمثل الصراع الدامي نموذجًا مؤلمًا لما تؤول إليه الأمور عند تضارب المصالح الدولية على أرض وطنية، في حين أن الاتهامات الموجهة لأطراف إقليمية، وفي مقدمتها الإمارات، بالضلوع في دعم مسارات عمّقت الفجوة بين المكونات السودانية، تستوجب وقفة جادة لاستعادة زمام المبادرة الوطنية.

- أسعار النفط والغاز نعمة لمالية ليبيا والجزائر .. لكن ماذا عن «التضخم المستورد» بسبب الحرب على إيران؟
- 15 مليار دولار خسائر دول الخليج من عائدات الطاقة خلال أسبوعين من الحرب
- «أويل برايس»: الحرب على إيران تؤدي إلى أكبر اضطراب لإمدادات النفط في التاريخ
- مع اتساع الحرب .. خبراء: عواقب وخيمة لأسعار النفط على مستويات المعيشة في جميع أنحاء العالم

وأكد أن الاستقرار في السودان هو صمام أمان للأمن القومي الليبي والإقليمي، ولا يمكن الوصول إليه إلا برفع اليد الخارجية عن القرار السيادي السوداني.

وجرى إلغاء عشرات الآلاف من الرحلات الجوية التجارية في الإمارات منذ بدء حملة القصف في الخليج العربي، ومع ذلك تواصل طائرات الشحن التي تزود قوات الدعم السريع في السودان رحلاتها ذهابًا وإيابًا.

استمرار الرحلات الإماراتية للجوار السوداني
وكشفت جريدة «لوموند» الفرنسية، الأربعاء، أن التبادل الجوي بين البلدين لم يتوقف إلا لأربعة أيام فقط؛ إذ انقطع الجسر الجوي من الإمارات إلى الدول المجاورة للسودان في 28 فبراير، قبل أن يُستأنف تدريجيًا اعتبارًا من 3 مارس.

وفي ذلك التاريخ، عادت طائرات الشحن الكبيرة للتحليق نحو أفريقيا، في وقت تعرضت فيه القنصلية الأميركية في دبي لهجوم بطائرات إيرانية مسيّرة من طراز «شاهد».

وقبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط أواخر فبراير، ضغط الجيش السوداني وحلفاؤه، عبر السعوديين والأتراك، على جيران السودان، بما في ذلك تشاد وجنوب السودان وليبيا، لوقف دورهم كمراكز إمداد. وفي الوقت نفسه، تعمل الإمارات على تطوير طرق لوجستية جديدة لإمداد الجماعات شبه العسكرية، كما هو الحال في إثيوبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى.

ويشير دبلوماسي غربي، في حديثه لـ«لوموند»، إلى أن «هذه الشبكات دائمًا متقدمة بخطوة، ولديها خطط بديلة متعددة».
ومنذ نحو ثلاث سنوات، لا يزال السودان ممزقًا بين القوات المسلحة بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي»، غير أن وراء هذا الصراع الداخلي معركة إقليمية أوسع.

مساندة إماراتية للدعم السريع
وتقدّم الإمارات نفسها رسميًا على أنها محايدة في الحرب السودانية، إلا أن تقارير وشهادات دولية منذ أبريل 2023 أشارت إلى تقديم مساعدات غير مباشرة لقوات الدعم السريع، شملت أسلحة وذخائر ووقودًا وطائرات مسيّرة ودعمًا لوجستيًا، غالبًا عبر مسارات تمر بليبيا أو تشاد أو جمهورية أفريقيا الوسطى.

ويرى متابعون أن أسلوب الإمارات في السودان ليس جديدًا، إذ يعكس نمطًا مشابهًا لما حدث في ليبيا والصومال واليمن، من خلال دعم قوى محلية دون تدخل مباشر. كما يسهم تهريب الذهب السوداني إلى دبي في تغذية هذه الشبكات، ما يحرم السودان من موارده ويطيل أمد الصراع.

وقبل أشهر، أعلنت وكالة السودان للأنباء أن الخرطوم قدمت شكوى مدعومة بالأدلة إلى مجلس الأمن بشأن تدخلات إماراتية، من بينها تجنيد مرتزقة كولومبيين.

تجنيد مرتزقة في السودان
وقال مندوب السودان لدى الأمم المتحدة، السفير الحارث إدريس، إن مئات المرتزقة الكولومبيين جرى تجنيدهم عبر شركات أمنية خاصة، ونقلهم جوًا من الإمارات إلى بوصاصو في الصومال، ثم إلى بنغازي، قبل نقلهم برًا عبر تشاد إلى السودان للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع ضمن ما يسمى «تشكيل ذئاب الصحراء».

وفي سياق متصل، أعلنت إسبانيا احتجاز عشر سفن عسكرية متجهة إلى ليبيا، ما يكشف حجم انتهاكات حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة، وفق ما نشرته الصحافة الإيطالية في أكتوبر 2025.

ويحلل جان بيير فيليو، الأستاذ في معهد العلوم السياسية، أن أبوظبي تدعم أطرافًا متنافسة في عدة نزاعات إقليمية، ما يسهم في تعميق الانقسامات. كما أشار إلى تنسيق متزايد مع موسكو، خاصة بعد نقل منشآت روسية من الساحل السوري إلى ليبيا عقب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024.

وعلى عكس الحالة الليبية، تدخلت الإمارات في اليمن عام 2015 إلى جانب السعودية لدعم الحكومة المعترف بها دوليًا، وتمكنت قواتها من استعادة عدن، قبل أن تتجه لاحقًا لدعم قوى جنوبية، ما أدى إلى توترات مع الرياض.

ويرى فيليو أن هذا النمط امتد إلى السودان، حيث شُجّع إعلان حكومة موازية، في ظل استمرار الانتهاكات في دارفور، ما يهدد بتقسيم البلاد.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا