ساهم فرض ضرائب على عدة سلع رئيسية دون إعلان مسبق في انتقاص فرحة الليبيين بحلول شهر رمضان، ما فاقم الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تتخبط فيها البلاد بسبب الصرف العشوائي، وانعكاس ذلك سلبًا على المواطن الذي يدفع ثمن هذا الوضع مزيدًا من المعاناة المعيشية، ما جعل كثيرين لا يستبعدون ظهور موجة جديدة من الاحتجاجات في الشارع الليبي، بما فيها العصيان المدني، خاصة مع فقدان الثقة في المؤسسات الرسمية القائمة، وغياب رد شفاف عن السؤال الكبير المتعلق بتفاقم الأزمة المالية والاقتصادية عمومًا.
ويعيش الشارع منذ الإثنين الماضي توترًا متصاعدًا، وسط انقسام داخل المؤسسة التشريعية في شرق ليبيا، واتهامات متبادلة بين حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» ومجلس النواب، وتدخل المجلس الأعلى للدولة، على خلفية قرارات غامضة أدت إلى رفع قيمة صرف الدولار مقابل الدينار، وانعكست بشكل مباشر على مختلف السلع الرمضانية، ما يهدد السلم المجتمعي. وقد تُرجمت ردود الفعل إلى تظاهرات شهدتها مدينة الزاوية، مع تحذيرات من توسعها نحو مدن أخرى في غرب البلاد أو شرقها أو جنوبها.
وبينما قُدّر سعر صرف الدولار، بحسب بيانات المصرف المركزي، بـ6.33 دينار، يُضاف إليه نحو 94 قرشًا قيمة الرسم المفروض على مبيعات النقد الأجنبي بنسبة 15 %، لتصل قيمة الدولار الواحد إلى 7.27 دينار، في حين بلغ سعره في السوق الموازية، الأربعاء، 10.23 دينار، وفق صفحات على مواقع التواصل مهتمة بسعر الصرف، علمًا بأنه قارب 11 دينارًا قبلها بيوم واحد.
ضرائب على بعض السلع
وجرى تداول إشعارات تفيد ببدء مصرف ليبيا المركزي تنفيذ قانون ضرائب يتعلق باستيراد السلع بنسب متفاوتة؛ إذ جرى إعفاء السلع الأساسية من الضريبة بنسبة صفر بالمئة، فيما فُرضت نسبة 7 بالمئة على بعض السلع الغذائية والمواد الخام، و12 بالمئة على المنتجات الاستهلاكية ومواد التنظيف وقطع غيار السيارات.
ويرى كثير من متتبعي الشأن الليبي أن هذه الضرائب غير مبررة، وقد تزيد من حالة الاحتقان لدى المواطنين مع تردي الأوضاع المعيشية وتدني مستوى المرتبات. فعلى المستوى النقابي، قرر الاتحاد الوطني لعمال ليبيا اللجوء إلى خيار التصعيد عبر شل مؤسسات الدولة خلال اجتماعه المقرر السبت في العاصمة طرابلس، مع تنفيذ وقفة احتجاجية أمام المصرف المركزي، بهدف الضغط لوقف الإنفاق الموازي. فيما أعلن المعلمون دعمهم لهذا الاتجاه، ودخل موظفون في الهيئات القضائية في إضراب مفتوح منذ الأحد، لتنفيذ قانون برلماني يقضي برفع أجورهم.
وأشعلت الحالة منصات التواصل الاجتماعي الليبية، التي توحدت تحت وسم «لا لفرض الضرائب»، ما أثار موجة تفاعل واسعة وسجالًا قانونيًا وسياسيًا بشأن مشروعية الخطوة، التي تبرأت منها أوساط بالمصرف المركزي، مؤكدة أن الضريبة لا تُقر إلا بقانون، وأن الرسوم تصدر بقرار من السلطة التنفيذية المختصة، كما أن صلاحيات المصرف تتعلق بتحديد سعر الصرف وتعديله بالزيادة أو النقصان.
107 نواب يتبرأون من الضرائب
وأصدر 107 أعضاء من مجلس النواب بيانًا توضيحيًا تبرؤوا فيه من أي قرار يقضي بفرض ضرائب أو أعباء مالية من أي نوع، وأكدوا أن «أي مراسلات أو مقترحات يتم تداولها لا تعبّر عن الإرادة التشريعية الحقيقية للمجلس، ولا تكتسب أي قوة قانونية ما لم تصدر خلال جلسة رسمية مكتملة النصاب، ووفق الإجراءات الدستورية المعتمدة». فيما نفت اللجنة المالية للمجلس، برئاسة عمر تنتوش، عرض أي مقترح رسمي عليها يتعلق بفرض ضرائب على استيراد السلع.
- 107 نواب: لم يصدر عن المجلس مجتمعًا أي قرار بفرض ضرائب على السلع
- «اقتصادية النواب» تقيل رئيسها بسبب «تصرف منفرد» بشأن ضريبة السلع
- حكومة الدبيبة تعلن رفضها القاطع فرض ضريبة على السلع المستوردة
- مجلس الدولة يحيل 7 توصيات إلى حكومة الدبيبة والمصرف المركزي بشأن الأوضاع الاقتصادية
- رمضان تحت ضغط الأسعار.. العائلات الليبية تقلص موائدها بسبب الغلاء
- -للاطلاع على العدد «536» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وضمن ردود الفعل، أقالت لجنة الاقتصاد والاستثمار بمجلس النواب رئيسها بدر النحيب على خلفية مخاطبة صادرة عنه بشكل منفرد تتعلق بفرض ضريبة على بعض السلع، وأوضحت مذكرة داخلية موجهة إلى رئاسة مجلس النواب أن رئيسها المُقال لم يرجع إلى أعضاء اللجنة، ولم يعرض مقترحه عليهم للنقاش أو التصويت.
ونأى رئيس حكومة الوحدة الوطنية الموقتة، عبدالحميد الدبيبة، بنفسه عن قرار فرض الضريبة، وسعى في الوقت نفسه إلى طمأنة الرأي العام بشأن صحته، كما طالب محافظ المصرف المركزي، ناجي عيسى، بوقف أي قرارات قد تزيد العبء على المواطن، محذرًا من تصاعد الغضب الشعبي في ليبيا نتيجة ارتفاع سعر الدولار والغلاء المستمر، مؤكدًا أن غضب المواطنين مفهوم وأنه يشاركهم هذا الشعور.
تبادل الاتهامات بين حكومتي الدبيبة وحماد
وليس بعيدًا عن ذلك، لم تتوقف محاولات تحميل المسؤولية عما يجري بين حكومة الدبيبة وحكومة أسامة حماد المكلفة من مجلس النواب؛ إذ دافع الأول عن الاتفاق التنموي الموحد، بشرط وضعه تحت مظلة رقابية واحدة تضمن عدم تجاوز القدرة المالية للدولة، وأكد جاهزيته لأي حلول عملية تحمي الدينار، مشترطًا ضبط الإنفاق. وأشار إلى أن تقرير مصرف ليبيا المركزي لعام 2025 كشف عن فتح اعتمادات بقيمة 16 مليار دولار، وسحب نحو 100 مليار دينار من الكتلة النقدية في السوق.
وجرى صرف إنفاق موازٍ بنحو 70 مليار دينار خلال عام واحد، ما خلق طلبًا إضافيًا على الدولار بأكثر من 10 مليارات دولار، وأعاد الكتلة النقدية إلى السوق. وفي المقابل، اتهم الثاني حكومة خصمه بالإنفاق دون ميزانية معتمدة من السلطة التشريعية طيلة السنوات الماضية، قائلًا إن حكومة الوحدة صرفت قرابة 826 مليار دينار خلال خمس سنوات.
مجلس الدولة يدخل على خط الأزمة
وفي السياق ذاته، دخل المجلس الأعلى للدولة على خط الجدال، فأصدر مجموعة من التوصيات في شكل مراسلات رسمية إلى الجهات المختصة، تضمنت مخاطبة مصرف ليبيا المركزي لإلغاء الضرائب والرسوم غير القانونية على السلع الأساسية، بما يحمي القوة الشرائية للمواطنين ويحافظ على الاستقرار الاقتصادي. كما دعا إلى وقف الصرف الموازي لما وصفها بـ«الحكومة غير الشرعية»، في إشارة إلى حكومة حماد، وتعليق صرف باب التنمية حتى الالتزام باتفاق الصرف الموحد بين المجلسين بحضور محافظ مصرف ليبيا المركزي.
وكانت المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، قد حذّرت خلال إحاطتها الأخيرة من أن المسار الاقتصادي في ليبيا يشهد تراجعًا، وأن «الشعب الليبي يواجه صعوبات جمة مع انخفاض قيمة العملة، وارتفاع الأسعار، ونقص الوقود، وتزايد السخط الشعبي»، مشيرة إلى أن غياب ميزانية وطنية موحدة، وعدم تنسيق الإنفاق العام نتيجة وجود مؤسسات حكومية موازية، إلى جانب انخفاض عائدات النفط، ساهم في استمرار اختلالات ميزان العملات الأجنبية.
ولفتت تيتيه إلى أن أوجه القصور في الحوكمة، وتشتت الرقابة، والهدر المستمر عبر التهريب والاستغلال غير المشروع للموارد، لا تزال تستنزف موارد الدولة.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة