آخر الأخبار

رحيل «الفهد الأسمر» ونيس خير.. نهاية أسطورة وبداية الخلود

شارك
مصدر الصورة
ونيس خير يحيي الجماهير في المدرجات في مباراة اعتزاله. (أرشيفية: الإنترنت)

غاب ونيس خير عن الدنيا، لكن اسمه بقى حاضرا في قلوب كل من عرف كرة القدم يوم كانت فنا وروحا قبل أن تكون نتائج وأرقامًا. كان واحدا من أولئك اللاعبين الذين اقترن حضورهم بالإمتاع والإبداع، فحفر لنفسه مكانة خاصة في تاريخ الكرة الليبية عبر سنوات طويلة من العطاء الصادق.

مصدر الصورة مصدر الصورة

ولد ونيس خير بمدينة بنغازي في 23 سبتمبر 1967، ومنذ طفولته المبكرة بدأت حكايته مع الكرة في ملاعب الساحات الجانبية بمقر النادي في حي الزيتون، حيث تبلورت ملامح موهبته التي رافقته طوال مسيرته الرياضية.

تميّز بسرعة الحركة، وبراعته في المراوغة، وقوة تسديده على المرمى، بالإضافة إلى قدرته على تسجيل الأهداف الحاسمة، الأمر الذي جعل المدافعين يضعون له حسابا خاصا داخل الملعب. شغل مركز الجناح الأيمن، فجمع بين الانطلاقات الهجومية السريعة والمهارة الفردية العالية، وهو ما دفع الصحافة الرياضية إلى إطلاق ألقاب عدة عليه، كان من أشهرها لقب «الشري» الذي أطلقته عليه الجماهير الأهلاوية.

-  للاطلاع على العدد «536» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

بدأ مشواره الرسمي مع نادي الأهلي ضمن الفئات السنية، بعد اجتيازه التصفيات الخاصة بفئة الناشئين، ثم انتقل للعب مع الأشبال قبل أن تتوقف الأنشطة الرياضية. وعلى الرغم من ذلك، واصل اللعب بشكل غير رسمي في ملاعب النادي الصغيرة مع المدرب المجري ألبرت، إلى جانب بعض اللاعبين القدامى وعدد من الوجوه الجديدة، إلى أن استؤنفت الأنشطة الرياضية مجددا، فعاد ليتدرب مع موسى العقوري، وأحمد بن صويد، والمرحوم عبد الجليل الحشاني.

وكانت أولى مشاركاته مع الفريق الأول في مباراة ودية العام 1983، ثم شارك رسميا في الدوري وهو في الخامسة عشرة من عمره عندما دخل كبديل في الدقائق الأخيرة من إحدى المباريات. وفي موسم 1984–1985، سجل أول أهدافه الرسمية في مرمى نادي القدس الرياضي، لتبدأ رحلته الحقيقية مع التألق الهجومي.

وعلى الصعيد الدولي، مثّل المنتخب الوطني منذ مارس 1985، وكانت أول مباراة دولية له في 4 مارس 1985 أمام منتخب رومانيا الأولمبي لكرة القدم في مباراة ودية، انتهت بالتعادل السلبي، بينما سجل هدفه الدولي الأول العام 1988 في مرمى منتخب مالطا لكرة القدم خلال مباراة ودية، أُقيمت في طرابلس، وشارك العام 1989 مع منتخب المغرب العربي تحت 23 عاما بإشراف المدرب الجزائري مالك العروي، إلى جانب نخبة من لاعبي المغرب العربي، وترأس الفريق، وقدم أداء فرديا لافتا في مباراة ودية بالجزائر، انتهت بالتعادل بهدف سجله بمجهود فردي.

وحقق مع ناديه بطولة كأس ليبيا مرتين عامي 1988 و1991، وتُوّج ببطولة الدوري الليبي العام 1992. كما سجل 97 هدفا خلال مسيرته مع الفريق في منافسات الدوري والكأس، ليصبح أحد أبرز المهاجمين في تاريخ النادي. وفي موسم 1995، خاض تجربة مع فريق الأهلي طرابلس، سجل خلالها أهدافا عدة، وأسهم في تتويجه ببطولة الدوري، ونال محبة الجماهير لما عُرف عنه من سلوك راقٍ وفن كروي مميز.

وعلى الرغم من العروض الاحترافية التي تلقاها من خارج ليبيا، فإن ظروف تلك المرحلة لم تُتح له فرصة خوض تجربة الاحتراف الخارجي، فظل وفاؤه لناديه وللكرة الليبية سمة أصيلة في شخصيته الرياضية، وجزءا لا يتجزأ من مسيرته.
وشهدت مسيرته بعض التحديات التي شعر خلالها بقدر من الظلم الرياضي في فترات معينة، من بينها حرمانه من اللعب مع فريقه خلال مرحلة الذهاب في أحد المواسم، رفقة اللاعب موسى البوركيني، على الرغم من عدم وجود سبب يمنع ذلك.

-  للاطلاع على العدد «536» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

ومن أكثر المشاهد التي تركت أثرا عميقا في نفسه واقعة هدم مقر النادي، حين رأى تاريخ ناديه يُطمس تحت آلات الهدم، بينما كانت الكؤوس والوثائق والسجلات الرياضية تتحطم أمام عينيه. كان ذلك مشهدا مؤلما ترك في داخله أثرا نفسيا بالغا، ولا سيما في ظل الظروف العائلية الصعبة التي مر بها آنذاك، ومنها سجن أخيه، والحكم عليه بالإعدام في قضية النادي الأهلي، قبل أن تتوقف الإجراءات لاحقا، وعلى الرغم من قسوة تلك الظروف، ظل ونيس خير إنسانا بسيطا قريبا من الناس، محافظًا على ابتسامته وتواضعه، ومؤمنا بأن الرياضة رسالة محبة وإنسانية قبل أن تكون مجرد تنافس على النتائج.

وفي المجال التدريبي، عمل ضمن الجهاز الفني للنادي، ثم تولّى قيادة الفريق فترة محدودة. وكان يؤمن بأن التدريب علم يقوم على الدراسة والتطوير المستمر، وليس مجرد خبرة ميدانية تُكتسب من الملاعب، لذلك التحق بدورات تدريبية تحت إشراف الاتحاد الأفريقي لكرة القدم في طرابلس، سعيا لتعزيز وصقل خبراته الفنية.

وعلى الصعيد الشخصي، منحت الرياضة ونيس خير مكانة رفيعة من الاحترام والمحبة بين الناس، فظل محافظا على بساطته وتواضعه على الرغم مما حققه من نجومية. ومن أبرز صور التقدير التي حظي بها الاحتفال بزفافه، المعروف باسم «عرس الأمراء»، الذي أُقيم له بشكل تطوعي بعيدا عن مظاهر البذخ، حيث شاركت جماهير ناديه وجماهير الأندية الأخرى في تنظيمه تعبيرا عن محبتهم وامتنانهم لما قدمه في الملاعب، وكان يعدّ ذلك وسام شرف يعتز به.

كما تحوّلت مباراة اعتزاله إلى احتفال كبير، أُقيم بعد تطوير وتجديد ملعب بنغازي الدولي بحلّة عصرية، حيث جرى تكريمه ومنحه سيارة فاخرة تقديرا لمسيرته الرياضية، وسط هتافات الجماهير التي جعلت ذلك اليوم من الأيام الخالدة في ذاكرته. وقد تأثر كثيرا حتى اغرورقت عيناه بالدموع، وكان ابنه وابنته إلى جانبه في لحظة وفاء مؤثرة.

ومع إعلان خبر وفاة ونيس خير، عم الحزن مدينة بنغازي، وخيم الأسى على الوسط الرياضي في مختلف أنحاء البلاد. سالت الدموع، وتعالت أصوات البكاء بين محبيه، وتوافدت جموع المعزين أياما متتالية إلى أن أُقيم له حفل تأبين داخل مقر النادي الأهلي، حيث غصّ المكان بالجماهير القادمة من شتى مناطق ليبيا، في مشهد عكس حجم المحبة التي حظي بها. ولعل من علامات رضا الله عن العبد أن يجعل له القبول في قلوب الناس، فإذا أحب الله عبدا جعل الناس تحبه.

وفي الختام، يبقى الفهد الأسمر رمزا للموهبة الصادقة التي امتزجت بالأخلاق والتواضع والعطاء؛ لاعبا عاش للكرة وأحبها بصدق، وترك خلفه تاريخا لا يمحوه الزمن ولا تطويه الذاكرة.. رحم الله ونيس محمد خير رحمة واسعة، واسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه من إبداع رياضي وخلق حسن صدقة جارية في ميزان حسناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.

مصدر الصورة
ونيس خير. (أرشيفية: الإنترنت)
مصدر الصورة
صدمة على وجوه زملاء ومحبي ونيس خير بعد صالة الجنازة. (أرشيفية: الإنترنت)
صالة الجنازة على نجم الأهلي بنغازي ونيس خير. (أرشيفية: الإنترنت)
لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
شارك

الأكثر تداولا أمريكا إيران اسرائيل روسيا

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا