قال جنرال أميركي متقاعد إن ليبيا ليست مجرد قضية إنسانية أو معضلة دبلوماسية، بل اختيار استراتيجي للولايات المتحدة إذا كانت تنوي البقاء قوة مؤثرة في منطقة البحر المتوسط، أو تترك الآخرين يحددون مستقبل هذه المنطقة الحيوية.
وأضاف الجنرال جميس إل. جونز، الذي شغل سابقا منصب مستشار الأمن القومي الأميركي، أن الدولة تبدأ بالأمن، ودون سيطرة إقليمية وسلسلة قيادة متماسكة، وقوات مسلحة منضبطة وقادرة على فرض السلطة الوطنية، تصبح الانتخابات الليبية مجرد تطلعات، مشيرا إلى أن «التشرذم» في ليبيا لم يستمر بسبب غياب المؤتمرات أو البيانات الختامية، بل بسبب انقسام البلاد بين «هياكل مسلحة متنافسة تفتقر إلى قيادة وطنية موحدة».
لا عملية سياسية في غياب بنية أمنية موحدة
في مقال نشرته جريدة «جيروزاليم استراتيجيك تريبيون»، ومقرها واشنطن، قال جونز إن ليبيا ظلت لأكثر من عقد من الزمان رمزاً للتدخل غير المكتمل - بلد تحرر من الديكتاتورية لكنه لم يستقر قط ليصبح دولة راسخة. ولم تقتصر النتيجة على التفكك الداخلي فحسب، بل شملت تآكلاً مستمراً للأمن في منطقة وسط البحر الأبيض المتوسط، وتوسعاً للنفوذ الخارجي، وتطبيعاً لعدم الاستقرار على طول الجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي «ناتو».
- خبراء: الأزمة الليبية تتفاقم لغياب المشروع الوطني.. وأميركا لا تعبأ إلا بمصالحها
- مستشار ترامب أمام مجلس الأمن: نعمل على وضع خطوات ملموسة للاندماج والتكامل الاقتصادي والعسكري في ليبيا
- تقرير تركي: واشنطن تختبر نهجا جديدا في ليبيا مغايرا للدبلوماسية التقليدية
وأشار إلى أن الدبلوماسية الدولية تركزت على مدى العقد الماضي، بشكل كبير، على خرائط الطريق السياسية، وترتيبات وقف إطلاق النار، والجداول الزمنية للانتخابات. وقد عكست هذه الجهود نياتا حسنة. مع ذلك، فقد تعثرت مراراً وتكراراً لسبب جوهري واحد: لا يمكن للعمليات السياسية المستدامة أن تنجح في غياب بنية أمنية موحدة وذات مصداقية.
لا يمكن للولايات المتحدة أن تتحمل استمرار السلبية
تحدث جونز، القائد السابق لسلاح مشاة البحرية، قائد القيادة الأوروبية - الأميركية، عن الوضع في شرق ليبيا، قائلا: «رسّخت (القيادة العامة) سيطرة إقليمية وتماسكا داخليا يتناقض بشكل حاد مع التشرذم الذي تشهده مناطق أخرى من البلاد. لا يستلزم هذا الواقع تأييد كل عملٍ سابق، ولا يعني تجاهل الأبعاد السياسية والإنسانية المعقدة للصراع الليبي. لكن الاستراتيجية الفعّالة لا بد أن تبدأ بالواقع على الأرض».
وأوضح: «إذا اختارت الولايات المتحدة عدم الانخراط مع الجهات الفاعلة التي تمارس سيطرة حقيقية على الأراضي والهياكل الأمنية، فسيفعل ذلك غيرها، وقد أظهرت السنوات الأخيرة بالفعل أن القوى الخارجية مستعدة لتوسيع نفوذها في ليبيا، سواءً لأغراض التمركز العسكري، أو الحصول على الطاقة، أو تحقيق مكاسب جيوسياسية. إن الفراغ في شمال أفريقيا لا يدوم طويلاً».
وخلص جونز إلى أنه بالنسبة لواشنطن «لا يكمن السؤال في ما إذا كانت ليبيا معقدة، بل في ما إذا كانت تكاليف الانسحاب تفوق مخاطر التدخل المنظم؟».
أربع مصالح استراتيجية على المحك
في مقاله، استعرض جونز أربع مصالح قال إنها تقف على المحك في ليبيا، أولها مكافحة الإرهاب، مضيفا: «لطالما شكلت المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة أو ذات الحكم الضعيف أرضا خصبة للشبكات المتطرفة. وعلى الرغم من تراجع قوة المنظمات الإرهابية الكبرى في ليبيا، فإن غياب مؤسسات أمنية وطنية راسخة لا يزال يُبقي الباب مفتوحاً أمام احتمال عودتها للظهور».
وثاني هذه المصالح استقرار التحالف، إذ يوضح جونز: «الشركاء الأوروبيون يتحملون الضغوط المباشرة لتدفقات الهجرة غير القانونية عبر البحر الأبيض المتوسط. ويسهم عدم الاستقرار المستمر بليبيا بشكل مباشر في هذه التدفقات، وبالتالي في عدم الاستقرار السياسي داخل الديمقراطيات المتحالفة».
والنقطة الثالثة تتعلق بأمن الطاقة، إذ تمتلك ليبيا موارد هيدروكربونية كبيرة، ويسهم إنتاجها الموثوق في استقرار السوق العالمية. أما التجزئة وانعدام الأمن فيقوضان الإنتاج المستمر، ويثنيان عن الاستثمار الطويل الأجل.
أما رابعا فهناك التنافس الجيوسياسي، حيث يقول جونز: «يدرك المنافسون الاستراتيجيون أهمية التمركز على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط. فالوصول العسكري، ومرافق الموانئ، والنفوذ السياسي في شمال أفريقيا لها تداعيات تتجاوز حدود ليبيا بكثير».
قيادة حكيمة
إلى ذلك، يؤكد جونز أن «اتباع نهج أميركي أكثر تماسكا تجاه ليبيا لا يتطلب تدخلا عسكريا واسع النطاق، بل يتطلب قيادة حكيمة»، وحدد عددا من المهام ينبغي للإدارة الأميركية تنفيذها، لتأكيد حضورها في ليبيا، أولها تعيين مبعوث رفيع المستوى مخوّل بتنسيق السياسات بين الوكالات، والتعاون الوثيق مع الحلفاء الأوروبيين.
كما أوصى بتحويل التركيز الدبلوماسي نحو دمج القطاع الأمني كشرط أساسي للمصالحة السياسية الوطنية، وهو ما يتطلب ذلك انخراطاً مدروساً مع الهياكل الأمنية القائمة في شرق ليبيا وغربها، لتشجيع التوحيد التدريجي تحت سلطة مدنية بدلاً من إدامة أنظمة موازية.
ودعا أيضا إلى أن يكون الانخراط مشروطاً وهادفاً، مما يعني ربط دعم تعزيز الأمن بخطوات قابلة للقياس نحو التكامل الوطني، ورفع كفاءة القوات، واحترام معايير الحكم الأساسية، موضحا: «الهدف ليس تمكين فصيل ما إلى أجل غير مسمى، بل إرساء الأساس الذي يمكن من خلاله قيام دولة ليبية موحدة».
الإهمال الاستراتيجي أكثر تكلفة من الانخراط
قال جونز: «قد يجادل النقاد بأن الانقسامات في ليبيا متأصلة للغاية، وطبقتها السياسية متشرذمة، ودينامياتها الإقليمية معقدة للغاية بحيث لا تبرر إعادة التركيز الأميركي عليها. إلا أن التاريخ يشير إلى أن الإهمال الاستراتيجي المطول غالباً ما يكون أكثر تكلفة من الانخراط المنضبط. فكلما طال أمد التشرذم ازداد النفوذ الخارجي رسوخاً، وازدادت صعوبة تحقيق الاستقرار في نهاية المطاف».
ورأى أن «ما ينقص الولايات المتحدة ليس القدرة، بل الأولوية المستدامة، فهي تتمتع بمصداقية دبلوماسية كبيرة، وشبكات تحالف واسعة في منطقة البحر المتوسط، ولديها علاقات مع العواصم الأوروبية، وحوار مع الجهات الفاعلة الإقليمية، وخبرة في إصلاح القطاع الأمني».
وتابع مؤكدا أن «ليبيا لن تستقر بالخطابات وحدها، ولن تستقر بمحاولة تجاوز من يقودون القوات والأراضي. يتطلب السلام الدائم دمج الهياكل الأمنية في إطار وطني يعكس سيادة ليبيا، ويحظى بدعم الشركاء الخارجيين لا بتشكيله».
أما البديل، كما حذر الجنرال الأميركي المتقاعد، فهو استمرار التخبط، وانتخابات متعثرة، ومؤسسات متشرذمة، وتدخلات انتهازية من قوى خارجية، وهو مسار لا يؤدي إلى حل، بل إلى تطبيع حالة انعدام الاستقرار.
لطالما كان البحر المتوسط ساحة محورية للتنافس الاستراتيجي، ولا يزال كذلك حتى اليوم، لذا يتعين على الولايات المتحدة أن تقرر ما إذا كانت تنوي الإسهام في تشكيل مسار ليبيا نحو الدولة الموحدة، أم أنها ستكتفي بدور المراقب البعيد، بينما يحدد الآخرون النتيجة.
وفي ختام مقاله، قال جونز: «مستقبل ليبيا في نهاية المطاف متروك لليبيين ليقرروه. لكن ما إذا كان هذا المستقبل سيتكشف ضمن إطار سيادي مستقر، أو ضمن بيئة متصدعة عرضة للتلاعب الخارجي، سيعتمد إلى حد كبير على ما إذا كانت الولايات المتحدة ستختار إعادة تأكيد قيادتها الثابتة والمنضبطة في البحر الأبيض المتوسط».
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة