آخر الأخبار

أراضي ليبيا الرطبة.. ضحية الردم والإهمال والتوسع العمراني

شارك
مصدر الصورة
إحدى البحيرات ضمن مواقع الأراضي الرطبة في ليبيا. (تصوير: إبتسام اغفير)

وثّق تقرير أممي وجود 220 موقعًا رطبًا موزعة على طول الساحل الليبي، تشمل سبخات ساحلية وبحيرات وضحّالات مائية ومصبات الأودية وملاحات تقليدية ومناطق مدّ وجزر طينية، مشيرا إلى ما تعرضت له تلك المواقع من أضرار السنوات الماضية، على الرغم من أهميتها البيئية، كما لا يوجد حصر رسمي شامل بها ضمن قاعدة بيانات وطنية موحدة.

مصدر الصورة مصدر الصورة

وصدر تقرير «التقييم السريع للمواقع ذات الأهمية البيئية» عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة بالتعاون مع المركز الإقليمي للأنشطة الخاصة بالمناطق المحمية، ومركز التعاون الإقليمي للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة لمنطقة البحر الأبيض المتوسط، وصندوق الحياة البرية العالمي – مكتب شمال أفريقيا، بالتعاون مع وزارة البيئة، ويعد الأول من نوعه في المجال البيئي.

ويشير التقرير إلى أن الشريط الساحلي الممتد من رأس اجدير غربًا إلى امساعد شرقًا يضم عشرات المواقع الرطبة ذات الأهمية البيئية العالية، منها بحيرة فروة وسبخات وملاحات زوارة وبحيرات ومستنقعات مصراتة وبحيرة جليانة وبحيرات بنغازي، فضلاً عن مواقع قرب درنة وطبرق، ومع ذلك، فإن «معظم هذه الأراضي لا تزال غير مصنفة قانونيًا وغير مدرجة ضمن اتفاقية «رامسار» الدولية، وتتعرض لضغوط عمرانية وبيئية متزايدة».

مواقع «رامسار» في ليبيا
على الرغم من هذا التنوع، تضم ليبيا موقعين فقط مدرجين رسميًا ضمن اتفاقية «رامسار»، يقعان شمال شرق البلاد بالسهل الساحلي الشرقي للجبل الأخضر، ضمن بلدية أم الرزم والفرع البلدي أم حفين.

واتفاقية «رامسار»،، المعروفة رسميًا باسم «اتفاقية حماية المناطق الرطبة ذات الأهمية الدولية، وخاصة كمواطن للطيور المائية»، هي معاهدة دولية أُبرمت العام 1971 في مدينة رامسار الإيرانية، وتهدف إلى حماية المناطق الرطبة والحفاظ على التنوع البيولوجي فيها.

وتبلغ مساحة الأرض الرطبة لأم حفين نحو 200 هكتار، ويتراوح عمق المياه فيها من 3 أمتار تحت سطح البحر إلى 4 أمتار فوقه، أما أم القرامي، فتبلغ مساحتها 277 هكتارًا، ويتراوح عمقها من 6 أمتار تحت سطح البحر إلى 4 أمتار فوقه.

وتتميز هذه المواقع بتنوع بيئي فريد يشمل المستنقعات البرية والساحلية وروافد الأودية والحواجز البحرية وبرك المياه المالحة وينابيع وبرك المياه الجوفية شبه المالحة، ما يفضي إلى غطاء نباتي وحياة برية ومائية غنية، كما تعد محطات مهمة للطيور المهاجرة، وفق ما أوردته الباحثة البحرية سارة المبروك، ضمن مشروع قاعدة بيانات الأراضي الرطبة في ليبيا تحت إشراف منظمة علم الأحياء البحرية في ليبيا.

البحيرات السبع في بنغازي
تمثل مدينة بنغازي مركزًا مهمًا للأراضي الرطبة، حيث تضم سبع بحيرات رئيسية: «عين الزيانة وهي بحيرة كارستية تتدفق فيها المياه العذبة من خزانات جوفية وتلتقي بمياه البحر، وتتميز بوجود أسماك البلطي ونباتات بحرية متنوعة، وبودزيرة التي تعد متنفسا طبيعيا للمدينة وجليانة الواقعة قرب وسط المدينة وتطل على البحر» إضافة إلى بحيرات اللثامة وازواوة والسلماني و23 يوليو التي تشكل منظومة بيئية مائية فريدة.

وعلى الرغم من أهميتها البيئية والجمالية، تتعرض هذه البحيرات للتهديد بسبب الردم والتوسع العمراني ورمي المخلفات، باستثناء بحيرة جليانة التي شملها مخطط الإصلاح والإعمار.

بينما تضم بحيرة جليانة جزيرة رئيسية تبلغ مساحتها 56 هكتارًا، مقسمة إلى جزئين شمالي وجنوبي، يفصل بينهما حاجز ترابي رفيع، وبها جزيرة صغيرة جدًا في منتصف الجزء الشمالي بمساحة 35 مترًا مربعًا، لكنها غمرت نتيجة ارتفاع منسوب البحيرة، على الرغم من محاولات إعادة تأهيلها من قبل وزارة البيئة.

أهمية الأراضي الرطبة عالميًا
يشرح الخبير البيئي الدكتور سالم الشطشاط أن الأراضي الرطبة هي التربة المشبعة بالماء بشكل دائم أو موسمي، مثل المستنقعات والسبخات والواحات وضفاف الأنهار والبحيرات والبرك الاصطناعية أو الطبيعية.

ويؤكد أن لهذه الأراضي أهمية بيئية عالمية، إذ يعيش بها نحو 40% من الكائنات الحية على الكوكب، ويمكن استثمارها في خدمات اقتصادية وبيئية بتريليونات الدولارات سنويًا، مثل تنقية المياه وتخزين الكربون وحماية الشواطئ، كما يعتمد عليها أكثر من مليار شخص في معيشتهم، وتشكل محطات حيوية للطيور المهاجرة بين القارات.

دعوة إلى تدخل بيئي عاجل
من جانبه، حذر الخبير البيئي الدكتور سالم الشطشاط من تدهور الأراضي الرطبة في ليبيا، مشيرًا إلى الأهمية البيئية الكبيرة لهذه النظم، ليس فقط على المستوى المحلي بل على المستوى العالمي، موضحا أن الأراضي الرطبة تعمل على ترشيح المياه وإزالة الملوثات والمغذيات الزائدة، والتحكم في الفيضانات عبر امتصاص المياه الزائدة، وتثبيت التربة وحماية السواحل بواسطة جذور النباتات، فضلاً عن دعمها للشبكات الغذائية المعقدة وكونها موئلًا للحياة البرية، إذ توفر أماكن للتعشيش والتكاثر والتغذية.

- جمعية «بيسيدا» البيئية في زوارة تعلن استهداف موقعها وتنفي علاقتها بالتهريب

وأضاف أن هذه المناطق تساهم في التخفيف من آثار التغير المناخي، إذ تُعد مصائد كربون طبيعية تخزن كميات هائلة من الكربون في التربة والنباتات، أكثر من الغابات الاستوائية بمساحة معادلة، مشيرا إلى أن تدمير الأراضي الرطبة يطلق هذا الكربون إلى الغلاف الجوي، مما يزيد من التغيرات المناخية، كما يقلل قدرتها على التخفيف من آثار العواصف وارتفاع منسوب البحار ويوفر المياه في فترات الجفاف.

المخاطر البيئية في ليبيا
وأوضح سالم أن الأراضي الرطبة في ليبيا تواجه عدة تهديدات، أبرزها «الاستصلاح والردم لأغراض التنمية العمرانية والتلوث بمياه الصرف الصحي والصناعي والزراعي والصيد غير المنظم»، إلى جانب غياب الإدارة والتشريعات الفعالة وضعف الوعي بأهميتها.

وأشار إلى أن الردم يؤدي إلى فقدان الموائل الطبيعية وانقراض الأنواع المحلية المتكيفة، وزيادة الفيضانات، وتدهور جودة المياه، وانبعاث الكربون المخزن، وارتفاع نسب الملوثات والمعادن الثقيلة، وظهور الطحالب الضارة، وتراجع التنوع البيولوجي بنسبة تتراوح بين 70-90% من الأنواع التي تعتمد على البيئة الرطبة، كما يؤدي الردم على المدى الطويل إلى التصحر، زيادة الملوحة والغبار، انهيار مصائد الأسماك، وزيادة قابلية المنطقة للكوارث البيئية، وفقدان القدرة على التكيف مع التغير المناخي محليًا، بالإضافة إلى خسائر اقتصادية طويلة الأمد.

بحيرة جليانة.. حالة نموذجية
تعد بحيرة جليانة في بنغازي مثالًا صارخًا على هذه التحديات، حيث يؤدي الردم الجزئي للبحيرة إلى جفاف المناطق المحيطة، تدهور الغطاء النباتي، اختفاء أنواع الطيور المهاجرة والمقيمة، تدهور جودة الهواء بسبب العواصف الغبارية، وزيادة مخاطر الفيضانات أثناء الأمطار الغزيرة، وخسارة موقع طبيعي ذي قيمة تراثية وجمالية للمجتمع المحلي.

وأضاف الدكتور سالم أن الردم يؤثر بشكل مباشر على الطيور المهاجرة والنباتات المائية، فتصبح البحيرة غير قادرة على توفير «محطة استراحة» حيوية للطيور خلال هجرتها عبر حوض المتوسط، ما يؤدي إلى هلاك أعداد كبيرة منها، فيما قد تختفي النباتات والكائنات الدقيقة والقشريات والأسماك الصغيرة محليًا، منهية السلسلة الغذائية الطبيعية.

الحلول العلمية المقترحة
أكد الدكتور سالم أن الحل يبدأ بـ«تقييم بيئي عاجل لمعرفة الوضع الحالي للبحيرة والأنواع المتبقية، وإزالة الردم من بعض المناطق لإعادة ربطها بالمياه، وإنشاء نظام إدارة مائية مستدام يضمن الحد الأدنى من التغذية المائية، ومعالجة مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها، وبرامج مراقبة علمية مستمرة للطيور وجودة المياه، وإعلان المنطقة المتبقية محمية طبيعية محلية بمشاركة المجتمع».

وحول السياسات المحلية، أوضح أن حماية الأراضي الرطبة تتطلب إدراجها ضمن التشريعات كمناطق محمية، وتنفيذ اتفاقية رامسار الدولية، ووضع خطط إدارة متكاملة للموارد المائية تشمل الحفاظ على النظم البيئية، وإنشاء جهة رقابية واضحة المسؤوليات. وأضاف أن ضعف التنفيذ، وغياب الإرادة السياسية، وضعف الوعي، وغياب الاستقرار المؤسسي تشكل أبرز التحديات أمام حماية هذه النظم في ليبيا.

وختم الدكتور سالم بالقول: «الأراضي الرطبة في ليبيا، مثل بحيرة جليانة، كنوز طبيعية ودرع واقٍ ضد التغير المناخي والفقر المائي. ضياعها خسارة استراتيجية لا تعوض، والحل يكمن في تقييم الأثر البيئي الحالي، وبناء إطار تشريعي وتنفيذي جاد، وإشراك المجتمع المحلي والعلماء، والاستفادة من الاتفاقيات الدولية لإنقاذ ما تبقى».

مصدر الصورة
إحدى البحيرات ضمن مواقع الأراضي الرطبة في ليبيا. (تصوير: إبتسام اغفير)
مصدر الصورة
إحدى البحيرات ضمن مواقع الأراضي الرطبة في ليبيا. (تصوير: إبتسام اغفير)
إحدى البحيرات ضمن مواقع الأراضي الرطبة في ليبيا. (تصوير: إبتسام اغفير)
إحدى البحيرات ضمن مواقع الأراضي الرطبة في ليبيا. (تصوير: إبتسام اغفير)
إحدى البحيرات ضمن مواقع الأراضي الرطبة في ليبيا. (تصوير: إبتسام اغفير)
لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا