استبعد مركز برشلونة للشؤون الدولية أن تتحول ليبيا إلى مورد رئيسي للغاز الطبيعي إلى الأسواق في الاتحاد الأوروبي، بسبب ما وصفه بـ«ألاعيب السلطة الجارية الآن برا وبحرا»، مشيرا إلى عراقيل رئيسية تحول دون تطوير البنية التحتية للغاز في غضون السنوات القليلة المقبلة.
وقال المركز، في تقرير نشر أمس الإثنين، إن «ألاعيب القوة الجارية في ليبيا الآن تعني أن التوقعات بأن تتمكن ليبيا من زيادة إمدادات الغاز إلى أوروبا في غضون السنوات القليلة المقبلة مجرد أمنيات»، مضيفا أنه «حتى إذا جرى تطوير حقول الغاز البحرية في ليبيا، فإنها لن تكون آمنة أبدا. فالمناورات التي تمارس في ليبيا تقوض مفهوم أمن الغاز، وفي غياب السيادة تتحول موارد الطاقة إلى عبء».
ففي الوقت الذي تسارع فيه أوروبا الزمن لإيجاد موارد بديلة للغاز الطبيعي في أعقاب قرارها قطع كافة واردات الطاقة من روسيا، يتجه واضعو السياسات في بروكسل أولا إلى الموردين الرئيسيين في شمال أفريقيا، وهما ليبيا والجزائر. إلا أن كلاهما «لم يرتقِ إلى مستوى التوقعات الأوروبية».
مناجم ذهب أم براكين؟
وفي حين جذبت احتياطات الغاز الهائلة في ليبيا اهتماما كبيرا من أوروبا، لا سيما من تركيا واليونان وشركات النفط الدولية، إلا أن الطبيعة المعقدة للوضع الجيوسياسي في منطقة وسط وشرق البحر المتوسط يثير تساؤلاً حول ما إذا كانت حقول الغاز الليبية «مناجم ذهب أم مجرد براكين».
- واينر: الدعم السياسي وحده لا يكفي لخفض مخاطر الاستثمار في ليبيا
- «إنرجي كابيتال آند باور»: بإمكان ليبيا لعب دور ريادي في ممر الطاقة الاستراتيجي بين أفريقيا وأوروبا
وتتصل ليبيا والجزائر مباشرة بأوروبا من خلال أربعة خطوط أنابيب تحت المياه، ثلاثة من الجزائر وواحد من ليبيا. ويجري تصدير الغاز في صورته السائلة عبر اثنين من موانئ التصدير الرئيسية.
وتثير الطموحات الليبية في تطوير حقول الغاز لاسيما الحقول البحرية تساؤلين بارزين، بحسب التقرير. التساؤل الأول ما إذا كانت تركيا أم اليونان هي الجانب الفائز في سعيهما لفرض حقوقهما الاقتصادية في منطقة شرق البحر المتوسط الحيوية.
والتساؤل الثاني يتعلق بمن سيكون الفائز في الصراع السياسي، قائد «قوات القيادة العامة»، المشير خليفة حفتر، أم رئيس «حكومة الوحدة الوطنية الموقتة» عبدالحميد الدبيبة، إذ تمارس السيادة الحقيقية الآن من خلال السيطرة على المصرف المركزي وموارد النفط والغاز.
تقويض سيادة ليبيا في شرق المتوسط
في سياق متصل، تطرق المركز الإسباني إلى النزاع الجاري في شرق البحر المتوسط بين ليبيا وتركيا من ناحية، واليونان والاتحاد الأوروبي من ناحية أخرى على المناطق الاقتصادية الخالصة، وقال إن خطر المواجهة بين الطرفين حقيقي ويقوض سيادة ليبيا على الحقول والموارد في المنطقة بشكل أكبر.
وقال زميل برنامج الشرق الأوسط في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، طارق المجريسي: «براعة تركيا في التعامل مع ليبيا، كما بدا في مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بالعام 2019، سمح لها بزيادة نفوذها الدبلوماسي والقانوني والعسكري في المنطقة».
وأضاف: «لم يكن أمام اليونان سوى الاعتماد على تضامن الاتحاد الأوروبي، في حين تصاعدت التوترات وكادت تصل إلى حرب عندما تصادمت القوات البحرية الفرنسية والتركية. وقد أثرت المعارضة الأوروبية لمذكرة التفاهم البحرية للعام 2019 على سياساته تجاه ليبيا. ومما يزيد الأمور تعقيدا، لم توقع ليبيا أو تركيا أو الولايات المتحدة على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار».
تورط أطراف أجنبية في تعميق الأزمة
وتابع المجريسي: «النتيجة كانت إضعاف السيادة الليبية الهشة بالفعل في شرق المتوسط. فبدلا من معالجة جذور أزمة الشرعية السياسية، عملت أطراف أجنبية على استغلال الانقسامات الداخلية في ليبيا لتحقيق مكاسب استراتيجية. ومع انحسار حدة التنافسات الإقليمية، استغلت تركيا هذه المكاسب لتحقيق تقارب أوسع مع الإمارات ومصر وفرنسا، وترجمتها إلى صفقات تجارية وأمنية مربحة على جانبي الانقسام الليبي».
كما رأى مركز برشلونة أن أطرافا أجنبية، بما في ذلك شركة «إيني» الإيطالية وشركات أميركية، ساهمت في «خلق وضع حيث يجري تحويل الإيرادات عبر وسطاء جدد، وحيث يجري تجريد ليبيا من ثروتها، وهو رمز للهيمنة الخارجية المتخفية في صورة شراكة. وهنا يتحول النفط الليبي من مورد للثروة إلى رهينة».
وأضاف أيضا أن «الاتحاد الأوروبي يغذي الفوضى في البحر المتوسط من خلال إبرام صفقات مع تشكيلات مسلحة محلية في ليبيا لكبح تدفقات الهجرة غير القانونية»، ورأى أن «مجرد تفكير أوروبا في تطوير حقول الغاز في ظل الظروف الحالية في شرق المتوسط يعارض مبادئ السياسة الواقعية».
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة