من الطبيعي أن تُبحر السفينة فوق الماء، ولكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يتسرّب الماء إلى داخلها. كذلك هو حال الدولة عندما تتسرّب إليها المليشيات تحت غطاء الشرعية.
قبل سنوات، كان الخوف حقيقيًا من شرعنة المليشيات، خشيةً من أن تتحول من أمر واقع إلى بنية رسمية داخل مؤسسات الدولة. واليوم، يمكن القول إن هذا التخوف قد تحقق فعليًا، إذ لم تُدمَج المليشيات في مؤسسات الدولة كأفراد ضمن منظومة وطنية واحدة، وإنما تحوّلت هي ذاتها إلى هياكل تحمل أسماء رسمية وصفات قانونية.
حيث صار لكل مليشيا «جهاز» أو «كتيبة» بتمويل حكومي، ورواتب من المال العام، وأرقام عسكرية، لكن الولاء لم ينتقل إلى الدولة، بل بقي لشخص القائد أو للانتماء الجهوي أو الأيديولوجي. وبهذا، دخلت ليبيا مرحلة معقدة من «ازدواجية الشرعية»، حيث تتعايش السلطة القانونية مع السلطة الفعلية في الفضاء المؤسسي نفسه، دون أن تتقدم الدولة خطوة حقيقية في بناء جيش وشرطة وطنيين يمثلان الوطن لا الفصيل.
إن كل النخب السياسية والأمنية مطالَبة اليوم بمراجعة هذه المعادلة الخطيرة، وتقديم حلول واقعية وعملية للتعامل معها.
المصدر:
الرائد