رأت جريدة «توفيما» اليونانية أن ما تشهده ليبيا الآن ليس حربا أهلية بل منافسة دولية تتسبب في إطالة الانقسامات الداخلية عن طريق «استغلال الفصائل الليبية المتنافسة».
وقارنت بين النهج التركي الساعي إلى بناء عمق استراتيجي دائم في ليبيا، والنهج الأوروبي غير المتسق «الذي يقر بالفشل في جناحه الجنوبي».
«صراع مجمد مع إعادة توزيع السيادة»
وذكرت «توفيما»، في تقرير نُشر أمس الجمعة، أن «الوضع في ليبيا يوصف بـ(الصراع المجمد)، مع إعادة توزيع السيادة من خلال الصفقات والبنية التحتية والتمويل والقوة. وفي العام 2026، يحدد الأمر الواقع فقط ما يمكن لأي تسوية أن تضفي الشرعية عليه».
أشار التقرير إلى انقسام البلاد بين حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» في طرابلس، المعترف بها دوليا، وما وصفه بـ«هيكل منافس للقوة في المنطقة الشرقية يرتكز على الجهاز العسكري والاقتصاد السياسي للمشير خليفة حفتر».
- المجلس الأطلسي: عودة الولايات المتحدة للانخراط في ليبيا «قرار صائب في توقيت حرج»
- عبر النفط ووصولًا إلى الرواسب البحرية.. كيف عززت تركيا قبضتها في ليبيا خلال 2025
- معهد ألماني: السياسات الأوروبية تجاه الهجرة غير القانونية رسخت نفوذ «أمراء الحرب» في ليبيا
وفي طرابلس، قالت الجريدة إن «رئيس الحكومة عبدالحميد الدبيبة رسخ سلطته من خلال حل التشكيلات المسلحة المتنافسة، ووضع التشكيلات الباقية ضمن تسلسل قيادة موحدة. وفي بنغازي بالشرق، قلب المشير خليفة حفتر هذا النموذج رأسا على عقب، مع السيطرة على العوائد والأراضي بتكلفة سياسية باهظة».
منافسة دولية في ليبيا
أضاف تقرير «توفيما»: «ليبيا ليست في حرب أهلية بل منافسة أجنبية تطيل أمد الانقسامات الداخلية من خلال استغلال الأطراف المتناحرة»، مشيرا إلى الدعم السخي الذي تقدمه أنقرة إلى الحكومة في طرابلس، وكذلك الدعم الذي تقدمه روسيا ومصر والإمارات إلى بنغازي.
وفي حين يدعم الاتحاد الأوروبي علانية توحيد الحكومة والسلطة في ليبيا، إلا أنه يتصرف كـ«أجسام مجزأة تتساوم على تنفيذ سياسات ضبط الهجرة وأمن الطاقة ومكافحة الإرهاب، وحتى محاولة احتواء النفوذ التركي نفسه داخل ليبيا»، بحسب الجريدة.
وأفادت تقارير، في وقت سابق من الشهر الجاري، بأن الاتحاد الأوروبي، بقيادة إيطاليا، يستعد لتوسيع نطاق التعاون والتنسيق في مجال الهجرة بالتعاون مع الأطراف في شرق ليبيا. في حين دعمت الولايات المتحدة الحكومة في طرابلس، دون ترجمة ذلك إلى استراتيجية عبر الأطلسي على أرض الواقع.
عمق استراتيجي
رأى تقرير الجريدة اليونانية إلى أن «تركيا عملت على تحويل بقائها إلى عمق استراتيجي دائم. وقد تجلى هذا المنطق بوضوح هذا الشهر عندما مددت تركيا تفويضها العسكري في ليبيا حتى العام 2028.
ولفت إلى استخدام أنقرة «القوة الناعمة لترسيخ وجودها في ليبيا، فالمؤسسات التعليمية والتنموية والدينية التركية في ليبيا ليست مجرد زينة، إذ تسهم المدارس والمنح الدراسية ودوائر تدريب الأئمة ومشاريع إعادة التأهيل في بناء قواعد ترسخ الوجود التركي والذاكرة الجماعية».
ورأى التقرير أن «النهج التركي في ليبيا يكشف ليس فقط قوة أنقرة، بل نياتها في إعادة التوظيف المتعمد لأدوات النفوذ الأوروبية، مثل الأمن والمؤسسات والوجود، دون القيود السياسية أو القانونية، في تعارض مباشر للمصالح الأوروبية».
وقد تجلى هذا النهج بشكل ملموس مع إعلان أنقرة، هذا الشهر، التعاون مع شركات طاقة أميركية للتنقيب في البحر المتوسط، وهي المنطقة التي تغطي، من وجهة النظر التركية، المياه المتنازع عليها مع اليونان وقبرص، وكذلك المناطق المستمدة من مذكرة التفاهم البحرية الموقعة مع طرابلس بالعام 2019.
جدل مذكرة التفاهم البحرية
في سياق آخر، عد التقرير مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين طرابلس وأنقرة في العام 2019 «ركيزة استراتيجيتها للبقاء»، وقال إنها «تحول التدخل الميداني إلى رسم خرائط، والنفوذ العسكري إلى موقف قانوني».
وقد رفض المجلس الأوروبي هذه المذكرة بوصفها غير متوافقة مع القانون الدولي وغير قادرة على إحداث آثار قانونية على دول ثالثة، إلا أن أنقرة تعاملت مع هذه الاعتراضات كما وصفه التقرير بـ«مسرحية دبلوماسية».
كما أضاف: «على الرغم من وصف رئيس مجلس النواب في بنغازي الاتفاق بأنه غير مُلزم دون تصديق، فقد أشار أيضا إلى انفتاحه على إعادة التفاوض، ما يبقي على الخريطة قيد التداول».
وبحلول منتصف العام 2025، نفذت تركيا مطالبتها البحرية من خلال التعاون في مجال الطاقة، والمسوح الزلزالية، والانخراط في قطاع النفط الليبي. وقال تقرير «توفيما»: «في حال صدق مجلس النواب على مذكرة التفاهم في نهاية المطاف، ستحول أنقرة اتفاقا متنازعا عليه إلى موقف ليبي شبه وطني دون مواجهة أي استفتاء شعبي».
وبالنسبة إلى الموقف في الشرق الليبي من مذكرة التفاهم البحرية، فإن «الأمر ليس مجرد نقاش قانوني، بل تضييق للمساحة البحرية». وأضاف التقرير: «بحلول العام 2025، برزت العلاقات التركية مع شرق ليبيا، إذ تضع تركيا نفسها في موقع لا غنى عنه بغض النظر عما إذا كانت ليبيا ستتوحد أو تتفكك أو تستقر. كما أن صفقات التسليح تعمل بمنزلة بنية تحتية سياسية في ليبيا».
الموقف الأوروبي
فيما يتصل بالموقف الأوروبي، بيّن التقرير أن «أوروبا تتفهم بالكامل تلك الديناميكيات، لكنها تتجنب تسميتها، وكأنها تقر بالانهزام عند جناحها الجنوبي. هذا الموقف دفع الأوروبيين إلى تقدير أي شريك ليبي قادر على كبح تدفقات الهجرة غير القانونية، بغض النظر عما إذا كان يمثل مؤسسة حكومية أو تشكيل مسلح».
إلى ذلك، رأى تقرير الجريدة اليونانية أن واقعة طرد دبلوماسيين أوروبيين من بنغازي، بعد اجتماعات انعقدت في طرابلس، لم تكن حادثا عابرا، بل انعكاس لموقف أوروبا. وأضاف أن «إعطاء بروكسل الأولوية للعملية على حساب السلطة زاد من اعتمادها الوظيفي على الوسطاء الإقليميين الذين يتداخل تحالفهم الاستراتيجي بشكل متزايد مع مصالح روسيا، سواء كان ذلك عن قصد أو عن ضرورة».
و بحسب التقرير اليوناني، أنعكس هذا كله في التآكل التدريجي لقدرة أوروبا على وضع ورسم القواعد في جارتها الجنوبية المباشرة. وقال: «حفتر ليس الشريك المفضل لدى أوروبا، لكنه يخدم مصالحها الأساسية أكثر من طرابلس، من استمرارية الطاقة واحتواء الشبكات الإجرامية العابرة للحدود، وهي أهداف لم تملك طرابلس القدرة أو السلطة على تحقيقها، ولا سيما في ظل البيئة الأمنية بالمنطقة الغربية حيث تسيطر تركيا».
ورأت الجريدة أيضا أن «فشل أوروبا لا يكمن في الانخراط، بل في التناقض. فبتعاملها مع ليبيا كعملية تدار بدلا من صراع على النفوذ يصاغ، سمحت لتركيا بتحويل الوجود العسكري، وخطوط التدريب، والمطالبات البحرية إلى حقائق هيكلية».
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة