استعرض موقع «جاستس إنفو» الأوروبي آراء حقوقيين وقانونيين إزاء حالة الجدل المستمرة حول قضية أسامة نجيم، المطلوب أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وانتهاكات بحق مهاجرين ولاجئين في سجن معيتيقة، وموقف الحكومة الإيطالية التي اختارت نقله إلى ليبيا بعد اعتقاله عوضا عن تسليمه إلى لاهاي.
ففي 21 يناير 2025، وبعد يومين من اعتقاله في فندق بتورينو بناء على مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، أفرجت السلطات في روما عن أسامة نجيم، ونُقل جوا إلى طرابلس على متن طائرة حكومية إيطالية، على الرغم من أنه يواجه اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، بما في ذلك القتل والتعذيب والاستعباد والعنف الجنسي.
وبعد أشهر من المداولات الإجرائية بين المحكمة الجنائية الدولية وإيطاليا، خلصت المحكمة، في 17 أكتوبر الماضي، إلى أن إيطاليا لم تلتزم بتعهداتها الدولية، لكنها لم تُحِلها إلى المرحلة التالية من الإجراءات. وانتقد قانونيون الموقف الإيطالي ودعا البعض إلى إحالة روما إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة كمسألة مبدأ.
هجوم متزايد على «الجنائية الدولية»
تعليقا على ذلك، قالت كبيرة مستشاري البرامج في منظمة «محامون من أجل العدالة» في ليبيا، كريستينا أورسيني: «في سياق تتعرض فيه المحكمة ومسؤولوها والمجتمع المدني العامل من أجل العدالة الدولية لهجوم متزايد، بما في ذلك من خلال العقوبات الأميركية، فإن كل حالة من حالات عدم التعاون تمثل ضربة أخرى لنظام روما الأساسي، خاصة عندما تأتي من الدول الأطراف».
- في تقرير المدعي العام.. «الجنائية الدولية» تجدد طلبها تسليم أسامة نجيم
- نائبة المدعي العام: سنواصل التركيز على ضمان اعتقال أسامة انجيم ونقله للمحاكمة أمام الجنائية الدولية
- أمر بحبس أسامة نجيم على ذمة اتهامات بتعذيب سجناء
وأضافت، خلال جلسة عامة لمناقشة اتفاقية الشراكة بين القطاعين العام والخاص بين إيطاليا وهولندا: «إيطاليا استندت في قرارها إلى مسائل قانونية وإجرائية داخلية. وعلى النقيض من ذلك، يبدو أن مزيجا من المخاوف السياسية والضغوط الدبلوماسية قد أدى إلى تغليب المصلحة السياسية على الالتزامات الدولية واعتبارات العدالة».
وفي حديثها مع موقع «جاستس إنفو»، أشارت كريستينا إلى أن «إيطاليا ليست دولة طرفا فحسب، بل هي أيضا من الأعضاء المؤسسين للمحكمة. لذا، فإن الرسالة التي تُرسل تثير إشكاليات بالغة».
تقاعس عن اتخاذ القرار
من جهته، قال المؤسس المشارك لمنظمة «اللاجئين في ليبيا» غير الحكومية الإيطالية، ديفيد يامبيو، في تصريح إلى «جاستس إنفو»، إنه «يتحدث بصفته ضحية لعنف (المصري) الذي لا يحصى في العديد من معسكرات التعذيب بليبيا».
وأضاف أن تقاعس الدولة المضيفة عن إحالة المشتبه به إلى المحكمة الجنائية الدولية جعله «يواجه تهديدات كثيرة، وحتى يومنا هذا لم تعد حياتنا كما كانت». وخلص إلى أن «الدول الأعضاء، بما فيها إيطاليا، تحدثت في خطاباتها المُصاغة بعناية عن المساءلة ومعاناة الضحايا، لكن ما لم تقر به هو أن حياتنا تعتمد على القرارات التي تتخذونها».
رد فعل المحكمة الجنائية الدولية المتردد
إلى ذلك، دعت كبيرة المستشارين القانونيين في المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان، أليسون ويست، في تصريح إلى «جاستس إنفو»، إلى «إحالة إيطاليا إلى برنامج الشراكة من أجل السلام أو إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة كمسألة مبدأ». وأضافت: «هذه إجراءات ذات عواقب ملموسة قليلة تتجاوز مجرد التشهير». ومع ذلك، ترى أورسيني أنه «من المهم رفع القضية إلى مستوى أعلى».
سبق أن انتقدت المحكمة الجنائية بالفعل قرار روما إرسال نجيم إلى ليبيا بدلا من تسليمه. وخلصت في قرارها، الصادر في أكتوبر، إلى أن «إيطاليا لم تلتزم بالتزاماتها الدولية بموجب النظام الأساسي الذي يمنع المحكمة من ممارسة وظائفها وصلاحياتها».
وعلى مدى الأشهر، قدمت إيطاليا مبررات لإعادة نجيم إلى ليبيا بدلا من لاهاي، بما في ذلك صياغة مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، ومذكرة توقيف أخرى منافسة سبق أن أرسلتها السلطات الليبية.
مع ذلك، رأت المحكمة أن هذه المبررات لا «تفسر عدم تواصلها وتعاونها لحل المشاكل المزعومة، ولا تقدم أي سبب قانوني وجيه أو مبرر معقول لإعادة نجم فورا إلى ليبيا، بدلا من التشاور أولاً مع المحكمة».
وفيما يتعلق بطلب التسليم المزعوم من ليبيا، قال القضاة: «نجيم لم يُسلم إلى السلطات الليبية، بل عاد حرا». مع ذلك، قرر قضاة الجنائية الدولية الانتظار قبل إحالة إيطاليا إلى جمعية الدول الأطراف أو إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
هل جرى اعتقال نجيم في ليبيا؟
ألقى الموقع الأوروبي أيضا الضوء على غياب أي أدلة موثوقة تؤكد اعتقال نجيم، كما أعلنت وسائل إعلام ليبية ودولية في الخامس من نوفمبر الماضي. وقالت أليسون ويست: «على الرغم من كل الادعاءات العلنية، لا نملك حتى الآن أي دليل موثوق على اعتقال نجم. ووفقا لمنظمات المجتمع المدني الليبية التي نتواصل معها، لا يزال طليقا».
وأضافت: «هذا يمكن وصفه محاولة من النائب العام للإشارة إلى جدية ليبيا في التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، مع تأكيد رغبتها في محاكمة الجرائم محليا. النظام القضائي الليبي لا يزال مجزأ للغاية، ويخضع لضغوط من مختلف القوى السياسية والتشكيلات المسلحة».
وترى أليسون أن «الهجوم الواسع النطاق والمنهجي على المهاجرين واللاجئين في جميع أنحاء ليبيا يرسخ وجود مراكز الاحتجاز. ومن الأهمية بمكان وضع هذا الهجوم في سياق أوسع، يشمل الجرائم ضد الإنسانية».
ليبي أمام المحكمة الجنائية الدولية
في سياق ذي صلة، أعلنت المحكمة الجنائية الدولية، في ديسمبر الماضي، مثول الليبي خالد محمد الهشري أمامها، حيث يشتبه بارتكابه أو إشرافه على جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في سجن معيتيقة بين عامي 2015 وأوائل عام 2020. وقد أُلقي القبض عليه في 16 تموز 2025 بألمانيا.
هنا أكدت «ويست» أهمية التوصل إلى نتيجة سليمة في قضية الهشري، مضيفة: «هذه هي أول قضية خلال الخمسة عشر عاما الماضية من الأزمة الليبية تُحال إلى المحاكمة. ما سيحدث في هذه القضية قد يؤثر على قضايا أخرى ضمن مسار التحقيق نفسه، ولذلك من الأهمية بمكان التوصل إلى نتيجة سليمة في هذه القضية».
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة