آخر الأخبار

ليبيا في قلب الترتيبات الإيطالية لإعادة هندسة ملف الهجرة

شارك
مصدر الصورة
عملية إنقاذ مهاجرين في البحر المتوسط. (أرشيفية: الإنترنت)

تقف ليبيا في قلب ميثاق الهجرة المقرر دخوله حيز التنفيذ العام الجاري، بعدما اعتمده الأوروبيون في العام 2024، وفي طليعة القضايا استقبال طالبي اللجوء وتهيئة مراكز «العودة الطوعية»، ولهذا الغرض اجتمعت روما مع طرابلس والجزائر وتونس، لبحث القواعد الجديدة.

مصدر الصورة مصدر الصورة

في الجزائر العاصمة عُقد الاجتماع الأول للجنة التوجيهية الرباعية، التي تضم الجزائر وإيطاليا وليبيا وتونس، المسؤولة عن العودة الطوعية أواخر ديسمبر 2025 ، حيث أخذت روما زمام المبادرة دون استشارة جارتيها–فرنسا واليونان–على الرغم من أن الأخيرة كانت قلقة بالقدر نفسه بشأن الميثاق الخاص بالهجرة واللجوء الذي اعتمدته الدول الأعضاء الـ27 في الاتحاد الأوروبي في مايو 2024، وسيدخل حيز التنفيذ بدءا من يونيو 2026.

وتُعيد هذه الاتفاقية تشكيل وتعزيز إدارة الهجرة، التي تُدار حاليًا عن بُعد، حتى في دول ثالثة، بهدف تحسين الرقابة على الحدود الأوروبية فيما يتعلق بالوافدين وطلبات اللجوء. كما يُدخل النص عنصر التضامن بين الدول الأعضاء، بما في ذلك التعويضات المالية وتدابير إعادة التوطين.

وحدد الاجتماع إجراءات لتسهيل تحديد هوية المهاجرين وإعادتهم إلى أوطانهم. ولا تُعدّ خريطة الطريق المقترحة مفاجئة، إذ تتضمن تبادل المعلومات، وتدريب الجهات الإدارية المسؤولة عن الهجرة. ويبدو أن الهدف هو تعزيز التعاون في هذا الملف بين المغرب العربي والاتحاد الأوروبي.

- للاطلاع على العدد «529» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

ومع اقتراب دخول الاتفاق حيز التنفيذ في يونيو 2026، حفّز حراك واسع في دول المغرب العربي المعنية مباشرة بتدفق المهاجرين، إذ يتعين على بروكسل ضمان ما يُسمى «العودة الطوعية» لطالبي اللجوء المرفوضين. ويُسهّل الاتحاد الأوروبي هذه العملية مع السماح بنقل طالبي اللجوء إلى دول ثالثة تُعتبر «آمنة»، بما فيها تلك الواقعة على الشاطئ الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط.

ليبيا تعاني من ضغط المهاجرين
لكن بالنسبة لدولة ليبيا، التي تتهم بجانب تونس بتحولها إلى «درع وقائية» لصد المهاجرين، فإنها تعيش ضغطا متزايدا من قوافل الأفارقة المتسللين عبر الحدود البرية، وحتى الجوية. وأمام إحصاء منظمة الهجرة الدولية وجود ما يقارب 900 ألف لاجئ، كشف جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في ليبيا إعادة أكثر من 37 ألف مهاجر غير نظامي إلى بلدانهم خلال العام 2025، ضمن برنامج «العودة الطوعية»، في إطار الإجراءات الأمنية والتنظيمية التي تنفذها السلطات الليبية، لمواجهة تدفقات الهجرة غير النظامية.

ويستمر المهاجرون من جميع أنحاء القارة الأفريقية في التدفق إلى ليبيا، على الرغم من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والعنف المنهجي الذي يعانونها هناك، والذي وثقته المنظمات الدولية مرارا وتكرارا، وقد يشكل بعضه «جرائم ضد الإنسانية»، وفقا لخبراء الأمم المتحدة.

وينبه الباحث في شؤون اللجوء طارق لملوم إلى دور جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية، الذي لم يعد مجرد مؤسسة تنفيذية، بل تحول إلى غنيمة صراع في قلب المشهد السياسي والأمني في غرب ليبيا.

وأورد لملوم، في تصريح إلى «الوسط»، الأحداث المتسارعة هذه الأيام التي تعكس تنافسا محتدما حول من يقود ملف الهجرة، ومن يكون الواجهة والآمر الناهي في إدارة مراكز الاحتجاز، ومن يوقع عقود الخدمات والإعاشة، ومن يكون الشريك المفضل للجانب الإيطالي في مشاريع بناء نحو سبعين مركز احتجاز وبرامج «العودة الطوعية».

الطرابلسي يسابق الزمن في ملف الهجرة
هذا الصراع جعل العاصمة تعيش على صفيح ساخن في وقت يسابق فيه وزير الداخلية بحكومة «الوحدة الوطنية الموقتة»، عماد الطرابلسي، الزمن، مدركا أن بقاءه في المنصب قد يكون محدودا، فسعى إلى ترتيب البدائل، وضمان استمرار حلفائه في الإمساك بملف الهجرة، مع تأمين عودته إلى موقعه السابق، حسب الباحث لملوم.

في الرابع من يونيو العام 2024، صدر قرار مجلس الوزراء رقم «386» لسنة 2014 بشأن إنشاء جهاز الهجرة غير الشرعية، أما في مايو 2025، أصدر رئيس حكومة الوحدة قرار إلغاء جهاز الهجرة. وفي الرابع عشر من مايو العام 2025، جمد المجلس الرئاسي قرار رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، ليستمر جهاز الهجرة في العمل.

وفي الحادي عشر من نوفمبر العام 2025، أصدر الطرابلسي قرارا بإنشاء إدارة عامة للهجرة بديلة عن جهاز الهجرة.

وقال لملوم إن القرار الأخير أحدث صدمة داخل الجهاز بتعيينات جديدة غير متوقعة، معتقدا أن «ما يجري في طرابلس اليوم لا يمكن فصله عن ترتيبات إيطالية لإعادة هندسة ملف الهجرة، بحثا عن صانع قرار ليبي يكون سهل التعامل معه، وينسجم مع سياسة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، القائمة على الردع، ودعم مراكز احتجاز هدفها إيقاف واعتقال كل من يفكر في عبور البحر إلى الإتحاد الأوروبي».

مخاطر في رحلة المهاجرين إلى أوروبا
وينطوي عبور البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا على مخاطر جسيمة، حيث غرق أكثر من 2400 شخص في البحر الأبيض المتوسط العام 2024، وفقا للمنظمة الدولية للهجرة. وعلى الرغم من أن ليبيا لاتزال نقطة الانطلاق الرئيسية للهجرة غير النظامية إلى أوروبا، فقد انخفضت أعداد الوافدين إلى القارة من ليبيا عمومًا 70 % بين عامي 2015 و2024، وذلك بفضل تعزيز قدرات خفر السواحل الليبي بدعم من الاتحاد الأوروبي.

وبين العامين 2015 و2022، تجاهلت بروكسل، انطلاقا من قلقها إزاء تزايد أعداد المهاجرين الوافدين، تحذيرات المدافعين عن حقوق الإنسان بشأن الممارسات اللاإنسانية التي تُرتكب في ليبيا، إذ قدمت ما يقارب 700 مليون يورو كمساعدات لبناء نظام مراقبة حدود بحرية.

وضمن السياق الإقليمي العام، ترى مجلة «جون أفريك» أن العام 2026 يستلزم تغييرا في الإجراءات والنهج المتبع في التعامل مع الهجرة. وعمليا، سترحل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي المهاجرين غير المرغوب فيهم بإعادتهم إلى آخر دولة مروا بها قبل وصولهم إلى أوروبا.

أما بالنسبة لبلدان المنشأ لطالبي اللجوء المطرودين، فسيكون لها كامل الصلاحية في رفض الاعتراف بمواطنيها، أو حتى تجاهل طلباتهم تماما. وستكون تونس إحدى الوجهات الرئيسية لعودة المهاجرين، كونها كانت إحدى نقاط انطلاقهم. لكن هل البلاد مستعدة لاستقبال أعداد كبيرة منهم، ولا سيما بعد أن أبدت السلطات عداءً تجاه اندماجهم في فبراير 2023؟

- للاطلاع على العدد «529» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

وتشير المنظمة الدولية للهجرة إلى إسهامها في إعادة 19 ألف مهاجر غير نظامي إلى أوطانهم من تونس بين عامي 2022 و2025، وذلك على الرغم من أن هذا الأمر لم يندرج ضمن صلاحياتها إلا ابتداء من العام 2024، الأمر الذي يثير تساؤلات. في ظل انتقاد حقوقيين دور تونس أيضا في وقف موجات المهاجرين، عبّر النائب بالبرلمان التونسي علي زغدود عن اعتراضه على محاولات الضغط والابتزاز التي تتعرض لها بلاده من طرف البرلمان الأوروبي. وقال، في رده على سؤال «الوسط» حول مزاعم المنظمات الحقوقية، بأن «بلاده تونس ليست شرطيا لأحد، ولم تقبل يوما أن تكون حارس حدود بالنيابة».

وأكد زغدود وجود تعاون تقني وأمني في إطار حماية الحدود، لكن الدولة التونسية لم توقّع على أي اتفاق يُجرّدها من سيادتها أو يُحوّلها إلى منصة لاحتجاز المهاجرين. وخاطب الأوروبيين: «من يريد معالجة ملف الهجرة بجدية، عليه معالجة جذوره: الفقر، والحروب، والنهب المنظم لثروات الجنوب، لا تحميل دول العبور مسؤولية أزمة عالمية».

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا