لم تصمد المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وهي أكثر هيئة ظلت عصية على الانقسام على مدى سنوات أمام ريح الخلافات بين مجلسي النواب والدولة، لتجد نفسها بين يوم وليلة بـ«رأسين»، على الرغم من بيانات عدم الاعتراف بشرعية رأسها الجديد، في وضع سياسي يهدد بعرقلة تنفيذ مراحل خريطة الطريق الأممية، مع اقتراب انطلاق جلسات أخرى من الحوار المهيكل.
وتطورت حالة الفتور بين رئيسي مجلس النواب عقيلة صالح، والمجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، منذ انتخاب الأخير خلفاً لخالد المشري إلى قطيعة سبقتها نزاعات على المناصب السيادية، بما فيها مفوضية الانتخابات التي وجدت معارضة من مجلس النواب وبعض أعضاء مجلس الدولة، وسط رفض أممي لـ«إجراء أحادي» وللتصعيد المتبادل بين المجلسين.
خلاف مجلسي النواب والدولة بشأن المفوضية
وشكّل تصويت المجلس الأعلى للدولة على اختيار رئيس جديد لمجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات منعرجاً خطيراً في العملية السياسية بعد حصول المرشح صلاح الكميشي على 63 صوتاً مقابل 33 صوتاً لمنافسه العارف التير.
وفي 29 ديسمبر الماضي صوّت مجلس النواب بالموافقة على استكمال تعيينات مجلس المفوضية العليا للانتخابات على أن يبقى عماد السائح رئيساً لمجلس إدارة المفوضية، ومنذ ذلك الوقت دخل الجانبان فصلاً جديداً من حروب البيانات، وآخرها محاولة محمد تكالة حشد تأييد جديد لمواقفه، بعد تلقيه دعماً من وفدي عمداء بلديات المنطقة الوسطى، وأعيان وحكماء ومشايخ مدينة غريان خلال لقائهم به الثلاثاء والأربعاء في طرابلس بخصوص انتخاب مجلس الدولة رئيساً وأعضاء جدداً لمجلس إدارة مفوضية الانتخابات، واعتبرها بالنسبة له خطوة داعمة للوصول إلى انتخابات وطنية حرة ونزيهة تنهي المراحل الانتقالية.
فيما رأى عقيلة صالح إعادة تشكيل مجلس إدارة مفوضية الانتخابات تعطيلاً للانتخابات، كونه «بوابة للخلاف حول المناصب السيادية بوجه عام»، مضيفاً في تصريحات تلفزيونية أنه «لا يوجد سبب مقنع، حتى الآن، لتغيير شخص بكفاءة رئيس المفوضية عماد السائح».
وحسب رئيس مجلس النواب، فإنه لا أحد في ليبيا «يريد الانتخابات لأنها ستسحب من الجميع مناصبهم»، متّهما الأطراف بأنها مستفيدة من الانقسام والفوضى، ومتهماً محمد تكالة بأنه لا يرغب في تغيير المشهد السياسي، وأنه يسعى إلى تعطيل إجراء الانتخابات، ومعلناً في الوقت نفسه رفضه لقاء كان من المفترض أن يجمعه بتكالة في باريس خلال النصف الثاني من ديسمبر الماضي، على خلفية «عدم التزام تكالة بالحضور إلى لقاء كان من المتفق أن يجرى في القاهرة»، دون تحديد موعد لهذا اللقاء.
مجلس الدولة ينتقد البعثة الأممية
لكن المجلس الأعلى للدولة أصدر بياناً رسمياً آخر ينتقد بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بعد جلسة إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية، رافضاً ما وصفه بـ«التوصيفات غير الدقيقة» التي توحي، حسب البيان، بتحميل المجلس مسؤولية التصعيد السياسي القائم.
- ولادة انقسام جديد.. ما وراء فشل «النواب» و«الدولة» في التوافق حول تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات؟
- «مجلس الدولة» يطالب البعثة الأممية بـ«الحياد» ويرفض اتهامه بتعطيل المسار الانتخابي
- عقيلة: مسار الحكومة الموحدة مستحيل وأقترح تشكيل لجنة لتنفيذ الانتخابات
- البعثة الأممية: انخراط «النواب» و«الدولة» في مسار تصعيد متبادل ينذر بفصل جديد من الانقسام
- المنفي يعتمد الميثاق الوطني للمصالحة الوطنية
- للاطلاع على العدد «529» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وأشار المجلس في بيانه إلى ما رآه «مفارقة في تعامل البعثة»، حيث أقدم مجلس النواب، في وقت سابق، على إجراء مماثل دون أن يصدر عن البعثة أي موقف معلن، وهو ما رآه المجلس ازدواجية في المعايير من شأنها تقويض الثقة في حيادية الدور الأممي، وإثارة الشكوك حول طبيعة المقاربة المعتمدة في إدارة الخلافات السياسية الليبية.
واستمرت المفوضية العليا للانتخابات في عملها الاعتيادي بإدارة عماد السائح، معلنة، الثلاثاء، عن إحالة أسماء المرشحين للمرحلتين الثانية والثالثة من انتخابات المجالس البلدية، الذين لم يقدموا التقارير المالية ذات العلاقة بحملات الدعاية الانتخابية الخاصة بهم، إلى النيابة العامة.
الدبيبة يعتزم إجراء تعديل حكومي.. ومبادرة عقيلة
فيما أعلن رئيس حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» عبدالحميد الدبيبة عزمه إجراء تعديل حكومي، قدم عقيلة صالح مبادرة بسبب استحالة تشكيل حكومة جديدة موحدة تشرف على إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في ظل تمسّك الحكومتين بالبقاء، وحذر من أن عدم إجراء الانتخابات في غضون ستة أشهر سيجرّ البلاد نحو الانقسام.
وأوضح أنه طرح خلال جلسة مجلس النواب، الثلاثاء قبل الماضي، تشكيل لجنة لتنفيذ العملية الانتخابية تتكوّن من مسؤولين بالدولة، مع بقاء الحكومتين دون حلّهما، واقترح لعضوية هذه اللجنة رئيس المجلس الأعلى للقضاء، ومحافظ المصرف المركزي، ووكيلي الداخلية بحكومتي البلاد، ورئيس المفوضية العليا للانتخابات، وعضوين من لجنة «5+5» العسكرية المشتركة بين غرب وشرق البلاد، وزعم أن مقترحه هذا سيضمن «سرعة إنجاز الانتخابات».
ورأى عقيلة أن حل الأزمة الليبية بات منحصراً في إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، أو رئاسية فقط، مشيراً إلى أنه «دون رئيس للبلاد يقوم بحل البرلمان والدعوة لانتخابات برلمانية إثر تولّيه الرئاسة، لن تُحل أزمة البلاد».
البعثة قلقة من التصعيد بين المجلسين
ودخلت المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه على خط المناكفات السياسية، مذكرة بما ورد في إحاطتها أمام مجلس الأمن بتاريخ 19 ديسمبر 2025، بشأن عزمها طرح «آلية بديلة» في حال فشل المجلسين في التوصل إلى توافق بشأن استحقاقات خريطة الطريق السياسية.
وأعربت البعثة الأممية عن قلقها البالغ إزاء ارتفاع وتيرة التصعيد بين المجلسَين بشأن إعادة تشكيل مفوضية الانتخابات، بوصفها إحدى الخطوات التأسيسية في خريطة الطريق السياسية، مشيرة إلى استمرار العجز عن التوصل إلى اتفاق بشأن المفوضية منذ إطلاق الخريطة في أغسطس الماضي.
مخاوف من تعثر تطبيق البرنامج التنموي
وتثار مخاوف لدى عديد الليبيين ومتابعي الشأن الليبي من تعثر تطبيق الاتفاق المبدئي الذي توصل إليه مجلسا النواب والأعلى للدولة حول برنامج تنموي موحد، بعد نحو ثلاثة أشهر على توقيعه، في ظل هذا التصعيد المتجدد وارتفاع مستوى الإنفاق الموازي، في وقت نشر مجلس النواب قراراً باعتماد ميزانية لصندوق الإعمار، الذي يرأسه بلقاسم حفتر، بقيمة 69 مليار دينار، وهو قرار سبق أن رفضه الدبيبة، لأنه يفتح الباب أمام إنفاق موازٍ خارج الأطر القانونية.
وفي قلب التوترات السياسية القائمة، اعتمد رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ميثاق المصالحة الوطنية كبداية مرحلة جديدة من العمل نحو تحقيق السلم الاجتماعي والعدالة، ووصفه بأنه ثمرة جهود وطنية مبنية على الحوار والتسامح، معلناً دعمه للمجلس الأعلى للسلم والمصالحة لتنفيذ بنود الميثاق، وتعزيز الثقة وجبر الضرر. كما قرر المنفي اعتماد السابع من يناير من كل عام يوماً وطنياً للسلم والمصالحة، مؤكداً أن ذلك يعد واجباً دينياً ووطنياً واستراتيجياً.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة