في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
مع استمرار تعثّر المسارات السياسية وتفاقم حالة الجمود، عاد «الحوار المهيكل» الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة إلى الواجهة باعتباره أحد الأدوات المطروحة لفتح مسار جديد نحو التسوية في ليبيا، لكن الطرح الأممي يواجه تباينًا واسعًا في التقييمات، بين من يراه فرصة لتوسيع قاعدة المشاركة وإشراك أطياف مجتمعية غابت طويلًا عن دوائر القرار، ومن يعتبره مجرد تكتيك دولي لإعادة تدوير الأزمة دون معالجة جذورها الحقيقية.
وفي مداخلات مع برنامج «وسط الخبر» المذاع على قناة الوسط «WTV»، تباينت آراء الخبراء والمحللين السياسيين بين التشكيك في جدوى الحوار وحدوده، والتحذير من تعارضه مع مسارات دولية أخرى، والرهان المشروط على مخرجاته، في وقت لا يزال فيه سؤال الحل الشامل للأزمة الليبية بلا إجابة حاسمة.
«الحوار المهيكل» لا يحمل في جوهره مسارًا حقيقيًا لحل الأزمة الليبية
قال رئيس مجلس إدارة مؤسسة برنيق للصحافة والإعلام، علي جابر، إن ما يُعرف بـ«الحوار المهيكل» لا يعدو كونه حراكًا أمميًا يهدف أساسًا إلى كسر حالة الجمود السياسي وتعزيز المشاركة، دون أن يحمل في جوهره مسارًا حقيقيًا لحل الأزمة الليبية.
وأوضح أن بعثة الأمم المتحدة سعت من خلال هذا الحوار إلى توجيه رسالة للأطراف السياسية القائمة، وعلى رأسها مجلس النواب ومجلس الدولة ومؤسسات السلطة التنفيذية، مفادها أنه في ظل عجز هذه الأطراف عن التوصل إلى توافق، فإن البعثة ستعمل على توسيع دائرة المشاركة عبر إشراك منظمات المجتمع المدني، والنقابات، والشباب، والمرأة، والقبائل، ضمن إطار حوار منظم يضم وجوهًا تشارك للمرة الأولى.
المسار «مجرد تكتيك أممي»
وأضاف جابر أن كثيرًا من الليبيين كانوا يأملون أن يشكّل هذا المسار نقطة تحوّل نحو حل ليبي حقيقي، إلا أن الواقع يشير – بحسب تعبيره – إلى أنه مجرد تكتيك أممي جديد لإعادة تنشيط دور البعثة، من خلال إعادة تدوير الحلول السابقة نفسها، ولكن بآليات مختلفة ووجوه جديدة.
وأشار جابر إلى أن النقاشات التي شهدتها الجلسة الأولى من الحوار لم تخرج عن إطار القضايا التقليدية المطروحة سابقًا، باستثناء بروز مطالب من بعض منظمات المجتمع المدني، لا سيما المعنية بالمرأة والشباب، تدعو إلى توسيع تمكين هذه الفئات داخل السلطة المقبلة.
واعتبر أن هذه المطالب تعكس تحول اهتمام بعض المشاركين من البحث عن حل سياسي شامل إلى السعي لضمان مواقع وتأثير داخل السلطة القادمة، ما يحدّ من فرص إحداث اختراق فعلي في مسار الأزمة.
الحوار جزء من خريطة تيتيه
قال الكاتب والأكاديمي والناشط السياسي الدكتور أحمد معيوف إن «الحوار المهيكل» لا يمكن النظر إليه بمعزل عن الحزمة السياسية الكاملة التي طرحتها المبعوثة الأممية إلى ليبيا، هانا تيتيه، مؤكدًا أن هذا الحوار يمثل أحد ثلاثة مسارات متوازية ضمن خارطة الطريق المعروضة على مجلس الأمن.
وأوضح معيوف أن المقترح الأممي تضمّن ثلاث نقاط رئيسية، تتمثل في إعادة هيكلة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتعديل القوانين الانتخابية، إلى جانب تغيير الحكومة أو إدخال تعديلات عليها، إضافة إلى إطلاق مسار الحوار المهيكل. واعتبر أن هذا الحوار، وفق التصور الأممي، لا يختلف كثيرًا عن الحوار المماثل الذي سعى إليه المبعوث الأممي الأسبق غسان سلامة، والذي تعثر بسبب اندلاع حرب طرابلس.
ورأى أن الحوار المهيكل يُعد من أهم المسارات المطروحة حاليًا، لكونه «حوار القاعدة» الذي لا يقتصر على القوى السياسية والعسكرية المتنفذة على الأرض، بل يفتح المجال أمام شرائح أوسع من المجتمع، معتبرًا أن هذه النقطة تمثل إحدى أبرز نقاط القوة في هذا المسار.
رفض القوى المسيطرة على المشهد
وفي المقابل، أشار معيوف إلى أن فرص نجاح الحوار تصطدم برفض ضمني من القوى المسيطرة على المشهد، إذ إن إنجاحه – بحسب تعبيره – يعني إقصاء هذه القوى من مواقع النفوذ، وخسارتها للمكاسب السياسية والمالية التي راكمتها خلال السنوات الماضية.
وأكد معيوف أن الحكم على نجاح الحوار أو فشله لا يمكن أن يجري من خلال الجلسات الأولى، داعيًا إلى انتظار استكمال بقية الجلسات والجدول الزمني الذي ستطرحه البعثة الأممية، قبل إصدار تقييم نهائي للمسار.
وشدد على أن الحوار وحده لا يشكل حلًا كافيًا للأزمة الليبية، ولا يمكن أن يكون ضمانة لنجاح الخطة الأممية، ما لم يتزامن مع تقدم فعلي في مساري تشكيل الحكومة وإعادة تنظيم المفوضية الوطنية للانتخابات. وأضاف أن غياب هذا التزامن سيحدّ من قدرة الحوار على تحقيق نتائج ملموسة.
وأشار معيوف إلى أن مخرجات الحوار قد تطرح حلولًا ومقترحات قابلة للبناء عليها للضغط على الأجسام السياسية القائمة، مذكّرًا بتلويح المبعوثة الأممية، في آخر إحاطة لها أمام مجلس الأمن، بخيارات بديلة في حال فشل مجلسي النواب والدولة في التوافق ودعم المسار السياسي المطروح.
تعارض المسارين الأممي والأميركي
من جانبه، نبه الباحث في الشأن السياسي عبدالله الديباني إن مسار حل الأزمة الليبية يشهد تعارضًا واضحًا بين مسارين رئيسيين، هما المسار الأممي والمسار الأميركي، معتبرًا أن المعطيات الحالية تشير إلى أن المسار الأميركي هو الذي يجري التحضير له فعليًا على الأرض.
وأوضح الديباني أن المبادرة الأميركية، التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، قطعت شوطًا في عدد من الملفات، بدأت بالشق الاقتصادي، ثم الأمني، وصولًا إلى طرح فكرة تشكيل قوة مشتركة تهدف إلى توحيد المؤسسة العسكرية وحماية الحدود وتنظيمها بصورة شاملة.
- «وسط الخبر»: إحاطة تيتيه أمام مجلس الأمن.. هل يفتح الحوار المهيكل نافذة أخيرة؟
- «الحوار المهيكل».. هل يعيد الحياة إلى «خريطة تيتيه» المتعثرة؟
- الحوار المهيكل فرصة تأسيس أم إعادة تدوير للفشل؟.. خبراء يجيبون (فيديو)
وأضاف أن المرحلة الحالية من المبادرة الأميركية تتجه نحو إجراء تعديل حكومي واسع، أو إعادة تشكيل الحكومة بالكامل، مؤكدًا أن الأمر لا يتعلق بتعديل وزاري محدود، بل بإعادة صياغة المشهد الحكومي القائم من جذوره، عبر تغيير أسماء قائمة، وملء مناصب شاغرة، واستحداث وزارات جديدة، إلى جانب إعادة توزيع الحقائب الوزارية المتبقية.
وفي المقابل، أشار إلى أن المسار الأممي تعرّض لجملة من العراقيل، في مقدمتها الخلاف بين مجلس النواب ومجلس الدولة حول المناصب السيادية، لا سيما ما يتعلق بإعادة تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات. وبيّن أن الخلاف كان من الممكن تفاديه عبر استكمال المقاعد الشاغرة داخل المفوضية، إلا أن التباين حول رئاسة المفوضية، واشتراط مجلس النواب أن يكون الرئيس من إقليم برقة، عمّق حالة الانقسام بين المجلسين.
الخلاف حول مجلس مفوضية الانتخابات
وتابع الديباني أن الخلاف امتد ليشمل مسألة المقاعد الشاغرة الثلاثة داخل مجلس إدارة المفوضية، والتي كانت من نصيب إقليم برقة، مشيرًا إلى أن مجلس الدولة اتجه إلى تسمية رئيس وعضوين للمفوضية، في خطوة اعتبرها مخالفة للقانون رقم (8) لسنة 2013 المنظم لعمل المفوضية، والذي ينص على أن يتكون مجلس إدارتها من رئيس وستة أعضاء، معتبرًا أن أي قرار يصدر خلافًا لهذا النص القانوني يُعد باطلًا.
واعتبر الديباني أن هذا الانحراف في المسار الأممي أسهم بشكل مباشر في حالة الجمود والعرقلة التي تلت الجلسة الافتتاحية الأولى للحوار المهيكل، مشددًا على أن ما طرحته المبعوثة الأممية هانا تيتيه بشأن البدائل لا يندرج في إطار التوضيح الشكلي، بل يعكس وجود خطة حقيقية قد تصل إلى تجميد دور مجلسي النواب والدولة في حال استمرار تعنتهما.
وأوضح أن الحوار المهيكل طُرح كبديل محتمل، مستندًا إلى كونه يضم ممثلين عن مختلف الأطياف والمكونات الليبية، بحسب ما ورد في بيان البعثة الأممية، مع الإشارة إلى أن عدد المشاركين لا يزال قابلًا للزيادة.
وأكد أنه لا يمكن الجزم بنجاح الحوار المهيكل أو فشله في هذه المرحلة، لافتًا إلى أن الجلسات الأولى كانت تمهيدية، في حين بدأت اللجان المتخصصة في ملفات الاقتصاد، والأمن، والحوكمة، والمصالحة الوطنية، وحقوق الإنسان عقد اجتماعاتها الأولية، وأن التقييم الحقيقي لهذا المسار سيظل مرهونًا بنتائج الجلسات المقبلة.
مخرجات الحوار «غير ملزمة»
أعرب الكاتب الصحفي سالم بوخزام عن تشككه الشديد في جدوى «الحوار المهيكل»، معتبرًا أنه مسار صُمّم من قبل بعثة الأمم المتحدة على نحو يجعل مخرجاته غير ملزمة لها منذ البداية.
وأوضح بوخزام أن الحوار، وفق هذا التصور، يفتقر إلى الاعتراف المسبق بنتائجه، مشيرًا إلى أن البعثة الأممية تحتفظ بحق تبني ما يتوافق مع رؤيتها من مخرجات الحوار، أو تجاهلها إذا لم تنسجم مع توجهاتها، مستندة في ذلك إلى مبررات جرى إعدادها سلفًا.
وأضاف أنه، على الرغم من احترامه للأمم المتحدة ومكانة ليبيا كدولة عضو في المنظمة الدولية، فإن التجربة العملية تشير إلى محدودية قدرة المنظمة على حسم النزاعات، لافتًا إلى وجود عدد كبير من الأزمات الدولية التي لم تنجح المنظمة في التوصل إلى حلول نهائية لها، وهو ما يجعله يرى أن الحوار المهيكل محاط بإمكانات فشل مرتفعة.
وأشار بوخزام إلى أن مجلسي النواب والدولة دخلا منذ عام 2014 في مسارات حوار متكررة، وصيغت خلال تلك الفترة العديد من البنود والتفاهمات، من دون أن يفضي ذلك إلى أي اتفاق جوهري، معتبرًا أن البعثة الأممية تسير في مسار مسدود لا يحقق نتائج ملموسة على الأرض.
البعثة تسعى إلى تجاوز مجلسي النواب والدولة
ورأى بوخزام أن البعثة الأممية تسعى عمليًا إلى تجاوز مجلسي النواب والدولة، ودفعهما إلى الانكشاف أمام الرأي العام الليبي، في ظل استمرار خلافاتهما وعجزهما عن التوصل إلى توافق سياسي، مؤكدًا أن التجربة السابقة تشير إلى أن الطرفين غير قادرين على إنهاء صراعهما.
كما انتقد تركيبة المشاركين في الحوار المهيكل، واصفًا إياها بأنها شديدة التباين، بما يؤدي إلى تضارب في الرؤى وتشوش في النتائج، الأمر الذي يقلل من فرص الخروج بمخرجات واضحة وقابلة للتطبيق.
وختم بوخزام بالقول إنه، على الرغم من طبيعته المتفائلة، يتبنى موقفًا متشائمًا تجاه الحوار المهيكل، معتبرًا أنه لن يضيف جديدًا إلى المشهد السياسي الليبي، ولن يُحدث تغييرًا حقيقيًا في مسار الأزمة المعقّدة.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة