في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
قال المبعوث الأممي السابق لدى ليبيا غسان سلامة، إن الحل السياسي للأزمة الليبية لا يمكن أن يتحقق دون معالجة أساسية لطبيعة الدولة الليبية الريعية، وإن الصراعات الداخلية في ليبيا هي في الأساس «نزاعات على الثروة لا على الأيديولوجيا»، مضيفا أن المسار الداخلي لم يكن مجديًا، والمسار الخارجي، مثل مسار برلين، أوقف الحرب موقتًا، لكن لم يوفر حلاً سياسيًا دائمًا.
وأوضح سلامة، في حوار مع بودكاست «أثير» عبر قناة «الجزيرة»، أن الاستقرار في ليبيا يتطلب «التضحية بما جرى إنجازه من خلال محاولات جديدة لتحريك الوضع» على المستوى السياسي، مشددًا على أهمية فهم أن الحكومات في ليبيا هي قنوات لإعادة توزيع الثروة ولا تعكس خلافا سياسيا أو أيديولوجيا، وأضاف: «لا نستغرب وجود حكومة أو حكومتين أو ثلاث، ويفضل بالطبع أن تكون هناك حكومة واحدة، فهذا أمر طبيعي في دولة ريعية».
وأشار إلى أن الحروب الأهلية في الدول الريعية تختلف تمامًا عن غيرها، وأن تنظيم توزيع الثروة يمكن أن يمثل إنجازًا سياسيًا هائلًا، معتبرا أن النفط يشكل نعمة ولعنة في الوقت نفسه، وأوضح أن قطع إنتاج النفط يعني حرمان نحو 90% من الشعب الليبي من مصدر عيشهم.
خصوصية الوضع الليبي
وقال سلامة إن تجربته مع ليبيا أظهرت أن التشخيص الدقيق للوضع المحلي ضروري، ويجب أن يكون منفتحًا على خصوصيات كل مسألة محلية، وأوضح أن الخصوصية الليبية تتجلى في كونها دولة ريعية، شاسعة المساحة وعدد سكانها قليل، وأن النظم القبلية تُستعمل لتثبيت الوضع دون تغيير المسلك السياسي الأساسي، فضلًا عن حجم التدخل الخارجي، خصوصًا التدخل الإقليمي مقارنة بالدولي، وأضاف: «الدول الأوروبية قد لا تعتقد أن لها تأثيرًا كبيرًا في ليبيا، بينما التأثير الفعلي للدول الإقليمية أكبر بكثير، لأن مصالحها في ليبيا أكبر بكثير من مصالح الدول الأوروبية».
وحول رغبة الدول المتدخلة في عرقلة الاستقرار، شدد سلامة على أن الأمر ليس لمنع استقرار ليبيا بشكل مباشر، بل لضمان عدم تولي شخص غير مضمون شؤون البلاد، وقال: «لا أحد قادر على عرقلة انتخاب مرشح خصمه بشكل مباشر، بل العرقلة تحدث خوفًا من أن يتمكن الخصم من فرض حليفه الليبي على الأراضي الليبية».
بناء خطة الحل السياسي
وتحدث سلامة عن تجربته خلال توليه منصب المبعوث الأممي، حين قدم خطة عمل للأمم المتحدة العام 2017، التي «بنيت على استشارة واسعة لمئات، وربما آلاف، من الليبيين»، مع التركيز على الاستماع إليهم قبل أي زيارة لعواصم الدول المتدخلة، وقال: «همّي الأول كان الاستماع إلى الليبيين أنفسهم، وليس إلى ما يريده جيرانهم».
وأشار إلى أن الجولة الأولى من هذا الاستشارات أظهرت أن النزاع الليبي ليس نزاعًا أيديولوجيًا أو قبليًا، بل يتعلق بالمجتمع المدني والمدن الساحلية الكبرى، ومرتبط بمصدر واحد للعيش وهو عائدات النفط، وأنه من المهم أن يتولى من يخلف القذافي دور توزيع العائدات النفطية على مختلف الفئات الليبية. كما لاحظ سلامة أن الدول الريعية قادرة على استخدام المرتزقة الخارجيين، ما يعقد أي حل داخلي.
عناصر خطة غسان سلامة
تضمنت الخطة عناصر متوقعة مثل الحوار بين مجلسي النواب والدولة، وحل الخلافات داخل المجلس الرئاسي، أما العناصر غير المتوقعة فتضمنت دعوة أنصار النظام السابق للمشاركة في عملية التسوية السياسية، وفكرة المؤتمر الوطني، الذي كان يعتمد على استفتاء شامل لآراء الليبيين في أماكن تواجدهم، ثم عرض النتائج على مؤتمر وطني لتحديد الحكومة الموحدة والأسس الدستورية الجديدة.
وأوضح سلامة أن هذه الخطة واجهت انتقادات، خصوصًا فيما يتعلق بإدماج أنصار النظام السابق، لكنه أكد أن كل من يرمي السلاح ويقبل بنهاية النظام السابق يجب أن يكون مرحبًا به، مستفيدًا من تجربة اجتثاث البعث في العراق وما نتج عنها من نتائج وخيمة.
ملتقى الحوار الليبي
وأوضح سلامة أن فكرة الملتقى الوطني لليبيين جاءت نتيجة تشظّي المجتمع الليبي وليس مجرد انقسام شرق وغرب البلاد، واستطرد: «ما أصاب ليبيا هو نوع من التشظّي، كقنبلة انفجرت في كل الاتجاهات، وكان لا بد من لملمة الشظايا السكانية معًا في مؤتمر واحد جامع».
وأكد أن الاستشارة الجماعية أسفرت عن توصيات بتطبيق اللامركزية، خصوصًا الضريبية، ومنح البلديات دورٍ أكبر، إضافة إلى مناقشات حول طبيعة النظام السياسي، مع ميل واضح لدى الليبيين نحو النظام البرلماني.
الغزو العسكري لطرابلس
ونبه سلامة إلى أن هجوم قوات «القيادة العامة» على طرابلس قبل انعقاد المؤتمر الوطني في غدامس فاجأ البعثة، مشيرًا إلى أن تقديرات بعض الدول الكبرى كانت غير دقيقة، ورفضت الإفصاح عن مؤشرات الهجوم، وقال: «تعلمت أنه يجب ألا تثق بالدول الكبرى، وإذا لم يكن لديك ما تضغط به على القوى المهاجمة، فأنت غير قادر على إيقافها».
- سلامة: تحقيق الاستقرار الاقتصادي في ليبيا أكثر أهمية حاليا من العملية السياسية
- جريدة «الوسط»: الحالة الليبية تستنسخ سيناريو غسان سلامة وستيفاني ويليامز
وأضاف أن استراتيجيته تحولت من التركيز على الحل الداخلي إلى الدعوة لتدخل دولي لتوفير مظلة لوقف النار، وهي الفكرة التي مهدت لمؤتمر برلين.
مؤتمر برلين ووقف الحرب
وأشار سلامة إلى أن مؤتمر برلين جاء بعد تعديل الاستراتيجية من المحلي إلى الدولي، ثم العودة إلى المحلي، وهو ما مهد لإنهاء الحرب وعودة الإنتاج النفطي، وأردف: «تمكنا من تنفيذ اتفاق برلين بسرعة في الجانب العسكري، وبسرعة أكبر في الجانب الاقتصادي، مع عودة إنتاج النفط وتوقيع اتفاقيات جديدة». وأضاف أن المسار السياسي ظل متعثرًا بسبب تعنت الأطراف، رغم نجاح المسارين العسكري والاقتصادي.
وأكد سلامة أن وقف إطلاق النار أعاد رسم موازين القوى على الأرض، إذ كان العمل الدبلوماسي يتزامن مع التغيير العسكري. وأوضح أن أي اتفاق لوقف النار يعتمد على اعتقاد الأطراف أنها وصلت إلى طريق مسدود، وأن التوازن العسكري على الأرض ضروري لتحقيق نجاح سياسي.
الوصفة الأممية والتحديات المحلية
وانتقد سلامة ما سمَّاه بالوصفة الأممية الجامدة، مؤكّدًا ضرورة تأقلمها مع الأوضاع المحلية، وقال إن الانتخابات في ليبيا لم تكن ممكنة وفق شروط «نزع السلاح بالكامل»، نظرًا لوجود أكثر من 20 مليون قطعة سلاح.
وأضاف أن الدول الفاعلة كانت تتدخل ضد مرشحين غير مرغوب فيهم، مما أخر الانتخابات، وتابع: «أنت بحاجة إلى غطاء دولي جديد ليقبل بأن ينتخب الليبيون من يشاؤون».
خلاصة التجربة والدروس المستخلصة
خلص سلامة إلى أن التشخيص الدقيق للوضع المحلي، وفهم خصوصية الدولة الريعية، ومراعاة توزيع الثروة، أمر جوهري لأي عملية وساطة ناجحة في ليبيا، وأكد أن الحل لا يمكن أن يتحقق دون تفاعل دولي حقيقي، وأن أي عملية سياسية تحتاج إلى مواءمة التوازنات العسكرية مع العمل الدبلوماسي، مع ضمان مشاركة جميع أطراف المجتمع الليبي، بما في ذلك أنصار النظام السابق، بطريقة سلمية.
وأضاف أن تجربته أكدت له أن ليبيا دولة معقدة للغاية، مليئة بالتحديات المحلية والإقليمية والدولية، وأن الاستقرار ممكن فقط من خلال توافق داخلي مدعوم بمظلة دولية، مع مراعاة خصوصيات المجتمع الليبي، والقدرة على التكيف مع التطورات المفاجئة، مثل الهجمات العسكرية على طرابلس. وأكد أن إعادة توزيع الثروة، خصوصًا النفط، هو مفتاح الحل، وأن أي تجاهل لهذا الواقع يؤدي إلى فشل المبادرات السياسية مهما كانت مدروسة.
واختتم سلامة بالقول إن وقف الحرب، واستعادة الإنتاج النفطي، هما إنجازان حقيقيان تحققا رغم كل التحديات، وأن المستقبل السياسي لا يزال يحتاج إلى إرادة دولية قوية، وتوافق داخلي حقيقي، لتجنب العودة إلى النزاع المسلح.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة