في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تكشف رواية مقاتل سابق في مجموعة فاغنر الروسية عن الوجه الأكثر قسوة للحرب في أوكرانيا، حيث كان الرجال يُدفعون إلى مواقع مكشوفة تحت نيران المدفعية، وتُرسل مجموعات صغيرة لمواجهة قوات ودبابات متفوقة، فيما تحولت القوة التي قدمت نفسها بوصفها نخبة عسكرية إلى آلة استنزاف تعتمد بصورة متزايدة على السجناء.

تأتي تفاصيل ذلك في كتاب "لا تقل حربا" للصحفية والكاتبة النرويجية آسنه سيرستاد، الذي يتتبع تجربة أندريه ميدفيديف، أحد مقاتلي فاغنر، منذ صعوده في صفوف المجموعة حتى فراره منها وطلب اللجوء في النرويج. ويقدم الكتاب شهادته عن معارك فاغنر، ولا سيما في باخموت، حيث كان الموت جزءا يوميا من حياة المقاتلين.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 نهاية الشرق الأوسط القديم.. تحالفات جديدة وعالم أكثر خطورة
* list 2 of 2 أوكرانيا والنفط.. المسار الخفي في محادثات ترمب وموسكو end of list

في إحدى المعارك، تلقى ميدفيديف أمرا بإرسال رجاله عبر حقل مكشوف تراقبه القوات الأوكرانية. كان عليه أن يقسمهم إلى مجموعات صغيرة، وأن يأمر كل مجموعة بالركض بأقصى سرعة. وما إن بدأ الرجال العبور حتى انهالت عليهم القذائف والصواريخ والرشاشات.

سقطوا واحدا تلو الآخر

سقط الرجال واحدا تلو الآخر. أصيب أحدهم في كتفه، بينما فقد آخر أصابعه، وراح ثالث يترنح تحت تأثير الصدمة. حاول ميدفيديف إنقاذ المصابين، فحشر الضمادات في جرح أحد رجاله الذي كان ينزف بغزارة، بينما كان الدم يغطي وجهه وملابسه. وفي الوقت نفسه، كان الطبيب الميداني يتنقل بين المصابين، ويحقن الحالات الأشد خطورة بمسكن قوي.

لكن القيادة لم تمنح الناجين وقتا طويلا لالتقاط أنفاسهم. تلقى ميدفيديف اتصالا يأمره بالاستيلاء على موقع آخر. قال إن عدد رجاله لم يعد يتجاوز 4 من أصل 30، فجاءه الرد: "إلى الأمام! هذا أمر". كان يعلم أن تنفيذ الأمر يعني تعريض ما تبقى من رجاله لمزيد من الخطر.

وبعد تقدمهم، وصل ميدفيديف ورجاله إلى موقع قريب من القوات الأوكرانية. كان بين الطرفين عشرات الأمتار فقط، وسقط قتلى من الجانبين. لكن الذخيرة نفدت لدى المجموعة الروسية، ويبدو أن القوات الأوكرانية كانت تعاني المشكلة نفسها. جلس الطرفان في مواقعهما، يراقب أحدهما الآخر، فيما كان الناجون يعانون آثار الانفجارات والإرهاق والصدمة.

يرسم الكتاب صورة لقوة لم تعتمد فقط على مقاتلين محترفين، بل على مزيج من السجناء والمجندين قليلي التدريب والمحاربين ذوي الخبرة، جميعهم يُدفعون إلى الجبهة في حرب أصبحت فيها الخسائر البشرية جزءا من طريقة القتال نفسها

تجنيد السجناء

كانت هذه مجرد حلقة في سلسلة طويلة من المعارك التي كشفت حجم الاستنزاف الذي تعرضت له فاغنر. ففي أغسطس/آب 2022، أصيب ميدفيديف بشظايا ونُقل إلى مستشفى ميداني، حيث التقط أحاديث عن ارتفاع الخسائر والحاجة إلى مزيد من الرجال. وفي تلك الفترة، كان مؤسس فاغنر يفغيني بريغوجين قد بدأ حملة واسعة لتجنيد السجناء الروس.

إعلان

وخلال خريف عام 2022، جرى تجنيد عشرات الآلاف من السجناء، معظمهم من المدانين بجرائم عنف، بينهم قتلة ومغتصبون. كان العرض واضحا: 6 أشهر من الخدمة في الخطوط الأمامية مقابل العفو، مع وعد بدفن من يقتل في المعركة بوصفه بطلا، وحصول أسرته على تعويض قدره نحو 68 ألف دولار بحسب سعر الصرف في ذلك الوقت.

أما مَن يغير رأيه بعد توقيع العقد، فكان يُعامل بوصفه فارا من الخدمة، وقد يواجه الإعدام. وتفاوت التدريب بين المجندين؛ فبعضهم تلقى أسابيع قليلة من التدريب، بينما أُرسل آخرون إلى الجبهة بسرعة، وكان معظمهم يتجه إلى منطقة باخموت.

وجد ميدفيديف أن عدد الرجال في وحدته قد يصل إلى 30، لكن القادرين فعليا على القتال لا يتجاوزون 10. بعض المجندين كانوا يتجمدون تحت النيران، وبعضهم يختبئ خلف الأشجار، فيما كان آخرون لا يتقنون التصويب أو يجهلون التعامل مع الأسلحة. وكان معدل تبدل أفراد الوحدة مرتفعا إلى درجة أن ميدفيديف لم يكن يتعرف أحيانا على أسماء الرجال قبل مقتلهم.

مصدر الصورة قوات فاغنر في بيلاروسيا 20 يوليو 2023 (الفرنسية)

يقعون في الألغام التي يزرعونها

كما عانت فاغنر مشكلات في الأسلحة والمعدات. كانت بعض القنابل صدئة، وبعض القذائف لا تنفجر، فيما اضطرت الوحدة إلى وقف عمليات زرع الألغام بعد أن وقع عدد من رجالها فيها. وفي المقابل، كانت القوات الأوكرانية تطور استخدام الطائرات المسيّرة وتستخدم أجهزة قادرة على تحديد مواقع منصات إطلاق الصواريخ الروسية وتدميرها.

وفي خضم هذا الاستنزاف، أُرسل ميدفيديف في إحدى العمليات مع 6 رجال لمواجهة 3 دبابات. وكان المشهد يلخص، في نظره، التحول الذي طرأ على فاغنر: القوة التي كانت تتباهى بأنها قوة نخبة أصبحت تعتمد على رجال يفتقر كثير منهم إلى التدريب والخبرة، بينما يدفع المقاتلون الأكثر خبرة ثمن القرارات العسكرية المتهورة.

وفي قاعدة تابعة لفاغنر، تلقى ميدفيديف تدريبا على أنظمة أسلحة أوروبية حديثة استولت عليها المجموعة. وهناك التقى بريغوجين، الذي تحدث بثقة عن قرب السيطرة على باخموت، قائلا إن الأمر لم يعد يتطلب سوى القضاء على ما تبقى من المقاومة. لكن ميدفيديف كان يعرف أن الواقع مختلف، إذ كانت القوات الأوكرانية متحصنة داخل الأرض ومباني المدينة.

عندما تساءل عن الكلفة

وعندما تجرأ ميدفيديف على التساؤل عن الكلفة، استدعاه بريغوجين وضربه. ازداد شعوره بالنفور من القيادة، لكنه ظل محتاجا إلى البقاء في صفوف فاغنر، لأن خبرته القتالية جعلته عنصرا يصعب الاستغناء عنه.

ثم جاءت قصة أحد المجندين المعروف بلقب "القطعة"، الذي فر إلى الجانب الأوكراني بعد أن جرى تجنيده من السجن. ظهر لاحقا في تسجيل مصور، قبل أن يُقتل بعد أسره بضربات مطرقة ثقيلة. وتحول هذا السلاح إلى أحد أكثر رموز فاغنر ارتباطا بالترهيب والعقاب.

بحلول ذلك الوقت، كان كل شيء يتفكك بالنسبة إلى ميدفيديف. كان يرى رجاله يموتون بأعداد كبيرة، ويواجه قيادة لا تتردد في إرسال مجموعات صغيرة إلى مواقع شديدة الخطورة. ومع تصاعد الغضب والخوف والرغبة في الهرب، أدرك أن خروجه من فاغنر قد يكون السبيل الوحيد للنجاة، لكنه كان يعرف أيضا أن محاولة الفرار والفشل فيها قد تعني الموت.

إعلان

ومن خلال تجربة ميدفيديف، يرسم الكتاب صورة لقوة لم تعتمد فقط على مقاتلين محترفين، بل على مزيج من السجناء والمجندين قليلي التدريب والمحاربين ذوي الخبرة، جميعهم يُدفعون إلى الجبهة في حرب أصبحت فيها الخسائر البشرية جزءا من طريقة القتال نفسها. وفي قلب هذه الصورة يبقى مشهد "6 رجال في مواجهة 3 دبابات" شاهدا على حجم المخاطرة التي كان يُطلب من مقاتلي فاغنر تحملها.