بات الطابع العسكري بارزاً في تركيبة مجلس النواب الروسي (الدوما)، إذ يشكل المشاركون في الحرب بأوكرانيا قرابة عُشر أعضائه. ووفق بيانات رسمية للجنة الانتخابات المركزية، وصل عددهم إلى حوالى 50 نائباً، تتنوع خلفياتهم بين عسكريين محترفين ومتطوعين.

بدأ مجلس الدوما بتشكيلته التاسعة عمله بعد انتخابات أيلول/سبتمبر، التي أُجريت في ظل رقابة مشددة من السلطات.

وبينما قدّم الكرملين نتائجها باعتبارها تعكس مشاركة قياسية ودعماً واسعاً لنهج الرئيس فلاديمير بوتين، يقول محللون إن العملية الانتخابية شابتها مخالفات جسيمة، من بينها ضغوط على الناخبين وتباينات إحصائية وعمليات حشو لصناديق الاقتراع.

وإلى جانب إعلان لجنة الانتخابات المركزية فوز حزب بوتين "روسيا الموحدة" بنتيجة قياسية مكّنته من الاستحواذ على أكثر من ثلاثة أرباع مقاعد الغرفة السفلى للبرلمان، تتميز الدوما الجديدة بطابع عسكري واضح، إذ يسجل المجلس الحالي أكبر حضور للعسكريين في تاريخ روسيا الحديث، في وقت يشهد فيه الاقتصاد والمجتمع الروسيان عملية عسكرة متزايدة منذ بدء الحرب في أوكرانيا عام 2022.

ولا يقتصر هذا الحضور على المشاركين المباشرين في المعارك، إذ يرتبط عدد أكبر من النواب بالحرب بشكل أو بآخر، سواء من خلال القتال أو الترويج لها ودعمها، ومن بينهم مراسلون حربيون وخبراء في الحملات السياسية وممولون ومنظّرون.

وبحسب البيانات الرسمية لرئيسة لجنة الانتخابات المركزية إيلا بامفيلوفا، وصل إلى مجلس الدوما 46 من المشاركين المباشرين وقدامى المحاربين في العمليات القتالية ضمن ما تسميه موسكو منذ شباط/فبراير 2022 "العملية العسكرية الخاصة".

أبطال هنا.. متهمون هناك

يرى وتين في المشاركين في "العملية العسكرية الخاصة" جزءاً من نخبة روسيا الجديدة. وخلال أولى جلسات الدوما، وصف النواب القادمين من جبهات القتال بأنهم "أشخاص أثبتوا ولاءهم غير المشروط للوطن على أرض المعركة"، معرباً عن ثقته بأنهم سيعملون، من خلال تمسكهم بما وصفه بـ"تقاليد أخوّة الجبهة"، على تعزيز البرلمان الروسي.

وسبق لبوتين أن قدّم المشاركين في الحرب باعتبارهم نخبة روسيا الجديدة والحقيقية، على خلاف النخب الغربية و"العالمية"، مؤكداً في عام 2024 أن "مثل هؤلاء الناس... يمكن في المستقبل نقل روسيا إليهم وائتمانهم على مستقبل البلاد".

مع ذلك، فإن بين النواب المؤيدين للحرب الذين دخلوا الدوما أشخاصاً يخضعون لملاحقات جنائية في أوكرانيا، أو سبق أن خدموا في وحدات عسكرية تتهمها كييف بالتورط في القتل والتعذيب وغيرهما من الجرائم بحق المدنيين وأسرى الحرب. في المقابل، تنفي موسكو الاتهامات الأوكرانية الموجهة إلى قواتها بارتكاب جرائم حرب.

وفيما يلي بعض الأمثلة:


* إدوارد شونوف: تشير تحقيقات صحيفة "نوفايا غازيتا أوروبا" إلى أن النائب الجديد شونوف خدم، على الأرجح، في اللواء الخامس والأربعين المستقل للقوات الخاصة التابعة لقوات المظلات الروسية، وهي وحدة شاركت في السيطرة على مدينة بوتشا عام 2022، حيث تتهم أوكرانيا القوات الروسية بارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين.

ولا يشار في السيرة الرسمية لشونوف إلى وحدته العسكرية، إلا أن عدداً من المؤشرات غير المباشرة، بينها مكان التسجيل والشارة الصدرية لقوات المظلات، تدل، بحسب "راديو سفوبودا"، على انتمائه إلى هذه الوحدة. وارتبط اسم عسكريين من هذه الوحدة بإعدام وتعذيب عشرات الأشخاص، من دون وجود معطيات تثبت مشاركة شونوف الشخصية في هذه الحوادث.


* ألكسندر بوروداي: عاد إلى مجلس الدوما أيضاً ألكسندر بوروداي، أحد مؤسسي ما يسمى "جمهورية دونيتسك الشعبية"، والذي حُكم عليه غيابياً في أوكرانيا بالسجن 15 عاماً بتهمة الاعتداء على وحدة أراضي البلاد.

* بادما باشانكايف: عن منطقة الحكم الذاتي اليهودية، انتُخب لمجلس الدوما الجرّاح والنائب السابق بادما باشانكايف، وهو من مؤيدي الحرب الروسية في أوكرانيا، وقد عمل في مدينة دونيتسك وأطلق مبادرة مجموعة أطباء "أصدقاء طب دونباس". وتتهمه كييف بالتواطؤ مع روسيا ودعم الجيش الروسي. ويخضع باشانكايف لعقوبات دولية فرضها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وبريطانيا ودول أخرى، كما أُدرج على قوائم المطلوبين في أوكرانيا.
* نورسلطان موسسغالاييف: فتحت السلطات الأوكرانية ملفاً جنائياً بحق النائب عن "روسيا الموحدة" نورسلطان موسسغالاييف بتهمة انتهاك قوانين وأعراف الحرب، على خلفية عمليات في منطقة بوتشا تقول كييف إنها هدفت إلى ترهيب السكان المدنيين.

وبحسب أجهزة الأمن الأوكرانية، قام عسكريون روس، بأمر منه، باختطاف وتعذيب ثم قتل مواطن محلي يبلغ من العمر 29 عاماً بعد اتهامه بمساعدة الجيش الأوكراني. وتنفي موسكو الاتهامات الأوكرانية المتعلقة بارتكاب قواتها جرائم حرب. وفي روسيا، مُنح موسسغالاييف وسام "بطل روسيا"، كما شارك في لقاءات مع بوتين وفي برنامج رئاسي يحمل اسم "زمن الأبطال".


* داشيبال مونكوجارغالوڤ: عن جمهورية بورياتيا، انتُخب إلى مجلس الدوما المظلي المحترف داشيبال مونكوجارغالوڤ. وخلال الحرب، تولى لفترة قيادة الكتيبة الاستطلاعية رقم 175، التي اتُّهم عناصر منها بتعذيب وقتل العقيد في جهاز الأمن الأوكراني أليكسي تيليجينكو في بوتشا. وتمكن صحفيو "راديو سفوبودا" من تحديد أسماء ضباط قالوا إنهم شاركوا في قتل تيليجينكو، من دون أن تُنسب إلى مونكوجارغالوڤ نفسه مشاركة مباشرة في الواقعة.
* فلاديسلاف غولوفين: شارك غولوفين في معارك مدينة ماريوبول الأوكرانية، وتتهمه كييف بتعزيز النزعة العسكرية لدى الأطفال الأوكرانيين، بمن فيهم المقيمون في المناطق التي تسيطر عليها روسيا. وتقول الإدارة الرئيسية للاستخبارات العسكرية الأوكرانية إنه شارك في تنظيم فعاليات ذات طابع عسكري ووطني للأطفال الذين نُقلوا من تلك المناطق، وفي إعدادهم للخدمة العسكرية.

جدل حول شرعية الانتخابات

في هذه الأثناء، وقّع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مرسوماً بفرض عقوبات على أشخاص متورطين، بحسب كييف، في تنظيم انتخابات مجلس الدوما الروسي في الأراضي الأوكرانية التي تسيطر عليها موسكو. وتضم القائمة 44 شخصاً يحمل معظمهم الجنسيتين الأوكرانية والروسية.

ويشير مكتب الرئيس الأوكراني إلى أن بعض الأسماء الواردة في اللائحة سبق أن "انتُخبت بوصفها نواباً مزعومين في مجالس محلية تشكلت بصورة غير قانونية في الأراضي الأوكرانية المحتلة مؤقتاً".

ولم تعترف أوكرانيا ومعها معظم الدول الغربية بشرعية إجراء الانتخابات الروسية في الأراضي الأوكرانية التي تسيطر عليها موسكو أو بنتائج الاقتراع فيها. وفي بروكسل، أعلن الاتحاد الأوروبي استعداده لفرض عقوبات على الروس الذين شاركوا في تنظيم التصويت داخل هذه المناطق.

يرى مراقبون أن إدخال المقاتلين السابقين إلى مجلس الدوما يشكل جزءاً من مسعى أوسع لدمج المشاركين في الحرب في مؤسسات الدولة الروسية ومنحهم أدواراً سياسية بعد عودتهم من الجبهة. ويتزامن ذلك مع خطاب رسمي يقدّم هؤلاء بوصفهم نموذجاً للنخبة الجديدة التي يريد الكرملين تعزيز حضورها في الحياة العامة.

ويعزز هذا التوجه الولاء الواضح لبوتين بين عدد من النواب القادمين من الجبهة. فقد قال النائب المنتخب أندريه كوزلوف، وهو من المحاربين القدامى، رداً على سؤال عما ستضيفه هذه المجموعة إلى الدوما، إن "الأهم هو الإيمان بقائدنا الأعلى"، في إشارة إلى بوتين، مضيفاً: "نحن معه وسنبقى كذلك حتى النهاية، حتى تحقيق النصر".

مصدر الصورة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين AP Photo

ويرى عالم السياسة أندريه كوليسنيكوف أن وجود عسكريين في مجلس الدوما يُستخدم لخلق انطباع بوجود إجماع واسع داخل المجتمع الروسي. فيما ترى وسائل إعلام مستقلة أن هؤلاء النواب قد يؤدون دوراً في تمرير ميزانيات الدفاع والتشريعات المرتبطة بالحرب والتعبئة في ظل هيمنة حزب "روسيا الموحدة" على المجلس.

وفي هذا السياق، أُعيد انتخاب فياتشيسلاف فولودين، الموالي للكرملين، رئيساً لمجلس الدوما، وهو المنصب الذي يشغله منذ عام 2016. وقال خلال الجلسة إن الغرب "يفعل كل ما في وسعه لعرقلة تطور بلادنا"، مضيفاً أنه "لا يمكننا أن نفقد البلد كما حدث في عامي 1917 و1991".

وتحذر وسائل إعلام مستقلة ومحللون معارضون من أن تعزيز حضور العسكريين في الدوما قد ينعكس على طبيعة التشريعات وإدارة الدولة، فيما يرون أن وجود شخصيات تتهمها أوكرانيا بارتكاب جرائم حرب داخل البرلمان الروسي يزيد من تعقيد أي تواصل محتمل بينه وبين برلمانات غربية.

وقال "فريق أليكسي نافالني"، في بيان نشره على شبكات التواصل الاجتماعي عقب إعلان نتائج الانتخابات، إن "مجرمي الحرب يجب ألاّ يحصلوا على مقاعد نيابية، أو أن يشرّعوا القوانين، أو أن يقودوا روسيا، بل ينبغي أن يمثلوا أمام القضاء"، في موقف عبّر من خلاله عن رفضه لتركيبة المجلس الجديد.

وفي مقابلة مع "راديو سفوبودا"، يدعو عالم السياسة إيفان بريووبراژينسكي إلى التركيز بدرجة أقل على السير الذاتية للمقاتلين السابقين وبدرجة أكبر على مواقعهم داخل منظومة السلطة. ويرى أن الإدارة الرئاسية تسعى إلى توزيع المشاركين في الحرب على مختلف مستويات مؤسسات الدولة، بما يجعل تجربتهم جزءاً من هوية النخبة الحاكمة ويعزز تماسكها حول الحرب والسياسات المرتبطة بها.