لم تتخيل هيفاء، الأم الأربعينية، أنها ستضطر إلى الفرار من اليمن مرتين.
في عام 2015، نزحت للمرة الأولى عبر البحر الأحمر إلى مخيم للاجئين في جيبوتي. واليوم، تخوض الرحلة نفسها مرة أخرى، لكن هذه المرة مع زوجها وأبنائها الأربعة.
تصف هيفاء رحلة الهروب الأخيرة لبي بي سي قائلة: "الصواريخ ضربت بيوتنا بشدة وافتجعنا وخرجنا، كنا أكثر من 50 شخصا في القارب، وأول ما خرجنا ضربوا الميناء".
تركت هيفاء بيتها في مدينة المخا الساحلية التابعة لمحافظة تعز، الواقعة على ساحل البحر الأحمر جنوب غرب اليمن، بعدما دمرته الصواريخ قبل نحو أسبوعين.
وسيطر مقاتلو حركة أنصار الله الحوثية على مدينة المخا المطلة على مضيق باب المندب في 10 سبتمبر/أيلول الجاري، في تقدم خاطف على ساحل البحر الأحمر.
وأدى تجدد القتال بين الحوثيين والقوات الحكومية المدعومة من السعودية إلى مقتل نحو 700 شخص وإصابة الآلاف، بينما نزح أكثر من 130 ألف يمني داخليا، وفر أكثر من ثلاثة آلاف بالقوارب عبر البحر الأحمر إلى جيبوتي، بحسب بيانات الأمم المتحدة.
تسير هيفاء بين خيام مخيم "مركزي" للاجئين اليمنيين في مدينة أُبُخ (أوبوك) الساحلية شمال جيبوتي، وهي تعرف المكان جيدا.
كانت حاملا في شهرها السادس عندما وصلت إلى المخيم عام 2015، وظلت في أحد مستشفيات جيبوتي لشهر ونصف قبل أن تضع مولودها الأول في المخيم. وبعد ستة أشهر، عادت إلى اليمن.
أما اليوم، فتجد نفسها في المكان ذاته، بعدما اضطرت إلى مغادرة بلدها مرة أخرى.
وتقول إن "أعداد الوافدين هذه المرة أكبر بكثير مما شهدته في المرة الأولى، وأتمنى أن يتمكن الجميع من إيجاد سكن وطعام مناسب".
ومن بين الذين وصلوا إلى المخيم للمرة الأولى أحمد، البالغ من العمر 70 عاما، الذي فر من إحدى قرى مدينة المخا مع أبنائه الستة وابنة أخيه الذي قُتل في المواجهات، بينما ترك خلفه ثلاثة أبناء آخرين.
يحكي أحمد قصة هروبه فيقول: "خرجنا من المنزل نحو الميناء بعد اشتداد القتال، وفي الطريق قابلنا مقاتلين حوثيين قالوا لنا: لما تخرجون من دياركم؟ نحن لن نؤذيكم، فقلت لهم: بدخولكم قريتنا ستأتينا الحرب لا محالة".
وصعد أحمد رفقة العشرات من اليمنيين على متن قارب "مهترئ" من المخا عبر البحر الأحمر إلى جيبوتي.
"أمضينا في البحر 10 ساعات، كانت الطائرات تحلق فوقنا، فنطقنا الشهادة وأدركنا أننا على وشك الموت في البحر، لكن الله نجانا جميعا".
وتتحرك هذه القوارب عادة من مدينة المخا إلى أضيق نقطة في مضيق باب المندب عند منطقة ذوباب أو قرب جزيرة ميون (بريم) اليمنيتين، ثم تعبر البحر الأحمر إلى ساحل جيبوتي لمسافة تتراوح بين 20 و30 كيلومترا في أربع ساعات، قبل أن تواصل سيرها بمحاذاة الساحل الجيبوتي إلى مدينة أُبُخ لأربع ساعات إضافية، ليصبح إجمالي الرحلة نحو ثماني ساعات على أقل تقدير.
يعيش أحمد وعائلته في غرفة شبه مسقوفة في مخيم "مركزي". عملوا جميعا على تنظيفها بعدما كانت تستخدم "كحمام"، حتى باتت الآن "آدمية" قليلا.
وأنشأت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين المخيم في مدينة أُبُخ عام 2015، بالتعاون مع المكتب الوطني لمساعدة اللاجئين وضحايا الكوارث في جيبوتي "أونارس"، لاستقبال آلاف اللاجئين اليمنيين الذين فروا عبر مضيق باب المندب.
وبعد سنوات من انخفاض أعداد اللاجئين في المخيم بسبب استقرار الأوضاع في اليمن، تسبب تصاعد العمليات العسكرية الأخيرة في موجة نزوح جديدة واسعة النطاق.
وتقول المفوضية إن المخيم لا يتسع حاليا إلا لنحو 5000 لاجئ إضافي، في حين تتأهب المنظمات لاستقبال أكثر من 10 آلاف، كونه المخيم الوحيد الذي يستقبل لاجئين يمنيين في جيبوتي.
وتتحدث مايلال نيغا، مسؤولة الإعلام والاتصال في المنظمة الدولية للهجرة، لبي بي سي عن الصعوبات التي تواجههم، فتقول: "كنا نستقبل في 2015 نحو 200 لاجئ يوميا، أما الآن فقد وصل العدد إلى 1400 يوميا، وهو ما يفوق قدرتنا الفعلية على الاستجابة؛ إذ يفتقر الموقع إلى الخيام والطعام والدواء، ومع ذلك، فإننا نبذل قصارى جهدنا -بالتنسيق مع الحكومة الجيبوتية- لضمان توفير الأمان والرعاية لهؤلاء الأشخاص وحفظ كرامتهم، وهو ما يحتاجونه حقا بعد رحلتهم الشاقة".
وأطلق وزير الخارجية الجيبوتي والناطق باسم الحكومة عبد القادر حسين عمر "نداء دوليا للتضامن مع اللاجئين اليمنيين"، مطالبا المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية بتقديم مساعدات عاجلة للمخيم.
كما صرح وزير الداخلية الجيبوتي عمر عبدي سعيد بأن "أُبُخ" استقبلت تدفقا مفاجئا من اللاجئين، غالبيتهم من النساء والأطفال، يعادل 9 في المئة من إجمالي عدد سكان المنطقة التي تستقبلهم.
تسيطر حركة الحوثيين اليمنية، المدعومة إيرانيا، على العاصمة صنعاء منذ عام 2014، إلا أن الصراع اشتد بعدما نجح الحوثيون في السيطرة على جزيرتي ميون وزقر منتصف الشهر الجاري، ما مكّنهم فعليا من السيطرة على مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن.
ويحاول الحوثيون الآن السيطرة على منطقة مرتفعات استراتيجية تعرف باسم "جبال كهبوب" في محافظتي تعز ولحج، اللتين تفصلان ساحل البحر الأحمر عن مناطق سيطرة قوات الحكومة اليمنية، في خطوة يمكن أن تعزز إحكام سيطرة الحوثيين على الساحل.
وفي المقابل، يقول الحوثيون إن السعودية شنت مئات الغارات خلال الأيام الماضية على مواقع المقاتلين في المرتفعات.
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة