تزامنت زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى القاهرة مع تطورات خطيرة، بعدما أحكمت جماعة الحوثي المدعومة من إيران قبضتها مؤخرا على مضيق باب المندب، وصعدت استهدافها للمملكة.
وفي الوقت نفسه يهدد اتساع الصراع في البحر الأحمر بعرقلة الملاحة البحرية، ما يضر بشكل مباشر بمصالح مصر الاقتصادية المرتبطة بقناة السويس.
وعقب الزيارة أكد بيان للرئاسة المصرية أن أمن السعودية ودول الخليج “جزء من الأمن القومي المصري”، مشددا على دعم القاهرة لأي إجراءات تتخذها الرياض لحماية أمنها والتوصل إلى حل سياسي شامل في اليمن.
واتفق الطرفان على ضرورة ضمان حرية الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب.
وتواجه السعودية إحدى الأزمات الخطيرة في تاريخها بعدما تكبد حلفاؤها في اليمن خسائر ميدانية سريعة وكبيرة أمام جماعة الحوثيين.
وتهدد الجماعة المدرجة على قوائم الإرهاب الأميركية، الأراضي السعودية، وتستهدف منشآت الطاقة بها، كما يمكنها خنق طرق الملاحة عبر البحر الأحمر.
وتزداد خطورة هذا الاحتمال بالنسبة للرياض لأن إيران تواصل إغلاق مضيق هرمز الذي كانت تمر من خلاله معظم صادرات النفط السعودية.
ولم تنجح اتصالات السعودية الدبلوماسية مع طهران في منع الهجمات على البنية التحتية النفطية للمملكة، سواء من قبل الحوثيين، أو من العراق شمالا.
ويربط محمد حجازي، مساعد وزير خارجية مصر الأسبق، توقيت زيارة ولي العهد السعودي للقاهرة بتصاعد هجمات الحوثيين مؤخرا، ومواجهة المملكة تهديدا مباشرا لأمنها.
وقال في تصريحات لـ”الحرة” إن البلدين يستهدفان رفع مستوى التنسيق الأمني بينهما بمواجهة ذلك التصعيد، لكنه أكد أن ذلك لا يعني قرارا بالحرب.
وأعلن الحوثيون، الاثنين، شن هجمات بالصواريخ والمسيرات على قاعدة الملك خالد الجوية جنوبي السعودية.
والثلاثاء أصدرت السعودية تحذيرات أمنية في مناطق واسعة شملت مدينتي مكة وجدة، دون أن تعلن على الفور مصدر الهجمات.
لكن تلك التحذيرات، بحسب “رويترز”، كانت الأوسع نطاقا منذ تصاعد وتيرة الصراع. كما تضمنت أول تحذير من نوعه في مكة منذ اندلاع الحرب.
وذكر “تحالف دعم الشرعية” في اليمن، الذي تقوده الرياض، أن هجمات الحوثيين على السعودية، الاثنين، تسببت في إصابة 13 مدنيا.
وكان السيسي ومحمد بن سلمان أجريا اتصالا هاتفيا قبل أيام، يبدو أنه كان مقدمة لهذه الزيارة.
وشدد السيسي خلال الاتصال على “وحدة المصير بين مصر والسعودية”، بينما أكد ولي العهد السعودي على تقدم العلاقات بين البلدين، بحسب وكالة الأنباء السعودية.
ولم يلتق السيسي ومحمد بن سلمان بشكل علني منذ مارس الماضي، حين زار الرئيس المصري السعودية والبحرين في إطار جولة خليجية لبحث تطورات الأوضاع مع اندلاع حرب إيران والهجمات الإيرانية على دول خليجية.
ومنذ هذا التاريخ أثيرت تساؤلات كثيرة عن طبيعة العلاقات بين البلدين بما فيها اتفاق مكة الدفاعي، وملفات أخرى.
وأعلنت السعودية في يوليو الماضي عن تحالف بحري دفاعي لحماية الممرات البحرية الدولية.
وسُئل وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي عن انضمام بلاده للتحالف فأشار إلى أن مصر شاركت في اجتماعاته الأخيرة، وأضاف أن الاتفاقات التي تتضمن التزامات عسكرية يتم دراستها بعناية “لاتخاذ القرار السليم”.
ثم جاء غياب مصر عن اتفاق مكة للدفاع المشترك بين تركيا وباكستان والسعودية المعلن في أغسطس الماضي ليثير تساؤلات جديدة، إذ كانت مصر قد شاركت بالاجتماعات التحضيرية المعروفة باسم الآلية الرباعية، لكنها لم تظهر بين الموقعين على الاتفاق.
وقالت القاهرة عقب إعلان الاتفاق إنها تدرسه من الناحية القانونية والدستورية حتى تستطيع اتخاذ القرار الصحيح.
لكن تقارير صحفية قالت إن السعودية عارضت انضمام مصر إلى الاتفاقية، على خلفية دور مصر المحدود في مواجهة الحوثيين، وعدم التوافق الكامل بشأن المواقف المرتبطة بالتصعيد العسكري الأميركي والإسرائيلي ضد إيران.
ولم يصدر رسميا من البلدين ما يدعم صحة تلك التقارير.
ويرى الكاتب السعودي سلمان الشريدة في تصريحات لـ”الحرة” أن انضمام مصر إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك لا يزال ممكنا طبقا للتعليقات المصرية الرسمية، فضلا عن إعلان تركيا أن القاهرة “مرشح محتمل” للانضمام.
لكن خبير العلاقات الدولية، محمد الحبابي، قال لـ”الحرة” إن مصر لا يمكنها الانضمام لاتفاق مكة لأسباب فنية تتعلق ببنود اتفاقية كامب ديفيد التي تمنع مصر وإسرائيل من الدخول في أحلاف معادية لإحدى الدولتين.
ولا تعترف كل من الرياض وإسلام آباد بإسرائيل.
ويعتبر الشريدة أن التنسيق الحالي بين مصر والسعودية يتجاوز تهديد للملاحة، ويسعى إلى بناء موقف أكثر قدرة على حماية الممرات البحرية لمنع أي جماعة مسلحة من تهديد التجارة الدولية وابتزاز دول المنطقة.
ولم يكشف بيان الرئاسة المصرية عقب زيارة محمد بن سلمان عن خطوات عملية بشأن التنسيق الفعلي بين البلدين خلال الفترة المقبلة.
ويرى حجازي أن القاهرة والرياض أمام اختبار حقيقي يتمثل في منع التصعيد الحالي من التحول إلى حرب مفتوحة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدرة الردع وحماية الأمن القومي.
ويقول إن الخيار العسكري يبقى حاضرا كورقة ردع بينما تظل الدبلوماسية المسار الأكثر أهمية لإنهاء التصعيد وتجنيب المنطقة دخول دائرة جديدة من الحروب.
المصدر:
الحرة