آخر الأخبار

من يحمي الرئيس من جيشه؟.. لهذه الأسباب فشل انقلاب النيجر

شارك

ينطلق تقدير الموقف "انقلاب النيجر: نجاة السلطة العسكرية وتفاقم الهشاشة"، لمركز الجزيرة للدراسات، من مفارقة كشفتها المحاولة الانقلابية التي شهدتها نيامي ليلة 28-29 أغسطس/آب: فقد نجح رئيس النيجر، الجنرال عبد الرحمن تياني، في البقاء في السلطة، لكنه خرج من أخطر تحد داخلي واجهه منذ انقلابه على الرئيس محمد بازوم، في يوليو/تموز 2023، أكثر انكشافا وأشد هشاشة.

ولا يتعامل تقدير الموقف مع فشل الانقلاب باعتباره دليلا على قوة نظام تياني؛ فالمحاولة نفسها كشفت أن الخطر بات يأتي من المؤسسة العسكرية التي قامت عليها سلطته، وأن الأزمة تتجاوز وجود مجموعة من الضباط الساخطين إلى تصدع د

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 لماذا ترتفع مستويات تعليم النساء في مصر .. وتنخفض مشاركتهن في العمل؟
* list 2 of 2 هل يتغير الأمر إذا سقط نتنياهو.. أي سلطة فلسطينية تريدها إسرائيل؟ end of list

اخل الجيش، وتراجع الثقة بقدرة السلطة العسكرية على تحسين الوضع الأمني، فضلًا عن ازدياد اعتمادها على قوى خارجية، وفي مقدمتها الفيلق الروسي الإفريقي.

ويكثف تقدير الموقف الوضع الجديد في معادلة ثلاثية: نظام نجا، وجيش متصدع، وضمانة أمنية خارجية ازدادت أهميتها.

ومن هذه المعادلة يطرح السؤال الذي سيحكم المرحلة المقبلة: هل تستطيع السلطة العسكرية الحالية الاستمرار، أم أنها ستفقد الحكم بالقوة؟

تمرد تجاوز القاعدة العسكرية

يشير تقدير الموقف إلى أن ما حدث في 29 أغسطس/آب لم يكن مجرد تمرد عسكري محدود كما حاول الخطاب الرسمي تصويره في البداية.

فقد تحركت مجموعة من العسكريين يتقدمها ضباط شباب من القوات الخاصة، وسيطرت على أجزاء من القاعدة الجوية 101 في مطار ديوري حماني، بالتزامن مع مهاجمة مواقع حساسة في العاصمة.

وتعرض القصر الرئاسي لإطلاق نار، وجرت محاولة للسيطرة على التلفزيون الرسمي، فيما احتفظ المتمردون بالقاعدة الجوية لساعات، وحاولوا استقطاب قادة ووحدات أخرى.

وكان جانب مهم من المشاركين، وفق التقارير الإعلامية التي يستند إليها تقدير الموقف، من القوات الخاصة، وبينهم عناصر خدمت على جبهة تيلابيري، إحدى أكثر مناطق البلاد تعرضا لهجمات الجماعات الجهادية.

إعلان

لكن المؤشر الأكثر أهمية لم يكن عدد المتمردين وحده، وإنما موقف بقية الجيش.

فقد أفادت مصادر عسكرية بأن بعض الوحدات ترددت في الاشتباك معهم، وأن كتيبة واحدة على الأقل رفضت المشاركة في اقتحام القاعدة 101.

ويرى تقدير الموقف أن إحجام بعض العسكريين عن قتال المتمردين لا يعني بالضرورة تأييدهم للانقلاب؛ فقد يكون سببه رفض الاقتتال الداخلي، لكنه يكشف في الحالتين عن مشكلة تتعلق بدرجة تماسك الجيش نفسه.

وظل الحرس الرئاسي، الذي قاده تياني منذ عام 2011 وحتى انقلابه في 2023، الوحدة الأكثر ثباتا في ولائها له، بينما بدا موقف أجزاء أخرى من المؤسسة العسكرية أكثر التباسا.

ولهذا كان الزمن عاملًا حاسما. فكل ساعة ظل فيها المتمردون مسيطرين على القاعدة الجوية كانت تفتح المجال أمام اتساع دائرة المترددين أو انضمام وحدات أخرى إليهم.

مصدر الصورة أعضاء المجلس الوطني لحماية الوطن خلال مسيرة تضامنية مع الجنرال عبد الرحمن تياني(الفرنسية)

لماذا فشل الانقلاب؟

يربط تقدير الموقف فشل المحاولة بعدة عوامل، في مقدمتها بقاء الحرس الرئاسي على ولائه لتياني، وعدم انتقال كتلة كبيرة من الجيش إلى جانب المتمردين، فضلًا عن سرعة التدخل الخارجي لمصلحة النظام.

فقد استعادت القوات الحكومية القاعدة مساء 29 أغسطس/آب، بعد قتال أوقع قتلى وجرحى، لكن قوات تياني لم تحسم المواجهة وحدها.

وشارك في استعادة القاعدة، بحسب تقارير إعلامية، نحو 200 عنصر من الفيلق الروسي الإفريقي، واستخدمت القوات الروسية وسائل برية وجوية.

وهنا يرى تقدير الموقف أن التدخل الروسي كان عاملًا بالغ الأهمية في الحسم السريع؛ إذ منع إطالة أمد سيطرة المتمردين على القاعدة، وهو ما كان يمكن أن يفتح الباب أمام تحول موقف وحدات مترددة داخل الجيش.

ومن ثم، لم يفشل الانقلاب لأن المؤسسة العسكرية كانت موحدة خلف تياني، وإنما لأن المتمردين لم يستطيعوا توسيع نطاق تحركهم بالسرعة اللازمة، في حين ظل الحرس الرئاسي مواليا للرئيس، وتدخل الروس لمصلحة النظام في اللحظة الحرجة.

أزمة الشرعية الأمنية

لا يفصل تقدير الموقف محاولة الانقلاب عن الأزمة الأمنية التي تواجه النيجر؛ بل يقرأها بوصفها أول ارتداد داخلي كبير لأزمة الشرعية التي يعانيها النظام.

فعندما أطاح الجيش بالرئيس محمد بازوم في يوليو/تموز 2023، كان من مبرراته الأساسية فشل السلطة المدنية في معالجة التهديد الجهادي وتدهور الأمن. لكن بعد ثلاث سنوات لم يتمكن النظام العسكري نفسه من تحقيق الاستقرار الذي استند إليه لتبرير انقلابه.

وقد تعرضت القوات النيجرية خلال عام 2026 لخسائر كبيرة، وخصوصا في تيلابيري.

وتشير التقارير التي يستند إليها تقدير الموقف إلى مقتل 67 شخصا، بينهم مدنيون، في هجوم على غاربونغا في 14 مايو/أيار، ثم مقتل 51 جنديا في إناتيس في 17 يونيو/حزيران.

وتكتسب هذه الخسائر دلالة أكبر لأن بعض قادة محاولة أغسطس/آب جاءوا من القوات الخاصة المنتشرة ضمن عملية "ألماهاو" في تيلابيري.

ومن هنا يشير تقدير الموقف إلى فجوة بين الخطاب السيادي الانتصاري في العاصمة وتجربة القوات التي تقاتل في الأطراف.

ففي الوقت الذي تقول فيه السلطة إن إنهاء التعاون العسكري مع فرنسا وبناء شراكات مع روسيا ودول الساحل عززا قدرة البلاد على حماية نفسها، يواجه الجنود والضباط على الأرض تصاعد هجمات جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم الدولة الإسلامية.

إعلان

ولهذا يمكن قراءة محاولة أغسطس/آب، جزئيا على الأقل، باعتبارها تمردا على السياسة الأمنية التي جاء انقلاب 2023 أصلًا لإصلاحها.

مصدر الصورة متظاهرون يدعمون الرئيس في النيجر (الفرنسية)

الحرس الرئاسي في مواجهة بقية الجيش

لكن تقدير الموقف لا يحصر أسباب التمرد في الفشل الأمني. فمنذ 2023 نشأ داخل القوات المسلحة نظام جديد لتوزيع القوة والامتيازات يتمحور بدرجة كبيرة حول الحرس الرئاسي والشبكات المرتبطة بالجنرال الحاكم.

وكلما زاد اعتماد تياني على قوة نخبوية محددة لحماية النظام، ازدادت مخاوف بقية المؤسسة العسكرية من اختلال التوازن في النفوذ والامتيازات.

وقد أظهرت محاولة أغسطس/آب أن الحرس الرئاسي لا يزال قاعدة السلطة الصلبة، لكن بقية الوحدات ليست بالضرورة على الدرجة نفسها من الولاء.

ويحدد تقدير الموقف هذا التصدع باعتباره أحد أهم العوامل التي ستقرر مستقبل تياني؛ لأنه يضعه أمام معضلة صعبة: فهو يحتاج إلى إضعاف الوحدات التي يشك في ولائها لحماية نفسه من انقلاب جديد، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى تقوية هذه الوحدات لمواجهة الجماعات الجهادية.

وبعبارة أخرى، فإن ما يحتاج إليه تياني لحماية سلطته قد يضعف قدرة الدولة على حماية أراضيها.

روسيا من شريك عسكري إلى ضامن للنظام

يرى تقدير الموقف أن أحد أهم الآثار الجيوسياسية للمحاولة هو التغير في طبيعة الدور الروسي في النيجر.

فمنذ القطيعة مع فرنسا اتجهت نيامي إلى موسكو، واستقر عناصر من الفيلق الروسي في البلاد منذ عام 2024. لكن وجودهم كان يقدم أساسا باعتباره جزءا من تدريب الجيش ودعم الحرب على الجماعات المسلحة.

أما في أغسطس/آب 2026، فقد أصبح الوجود الروسي جزءا مباشرا من حماية السلطة السياسية من عناصر في جيشها.

وبذلك انتقلت روسيا، بحسب تقدير الموقف، من شريك عسكري إلى أحد ضامني بقاء النظام.

وهنا تظهر مفارقة جوهرية: فالسلطة التي بررت إطاحة بازوم بخطاب مقاومة النفوذ العسكري الفرنسي الخارجي أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على قوة عسكرية روسية أجنبية لضمان بقائها.

وقد أثبتت موسكو لتياني وللأنظمة العسكرية الحليفة في مالي وبوركينا فاسو أنها مستعدة للوقوف إلى جانب النظام ساعة الخطر، لكن تزايد هذا الاعتماد يمكن أن يؤدي في المقابل إلى تآكل خطاب السيادة وإلى تذمر قطاعات من الجيش.

ولهذا يرجح تقدير الموقف أن تكسب السلطة عسكريا من هذا التحالف، لكنها تخسر سياسيا؛ لأن الشرعية أكثر أهمية لاستمرارها على المدى الطويل من القدرة العسكرية المجردة.

مصدر الصورة دورية أمنية تابعة للبحرية النيجرية لحماية البنية التحتية النفطية من التخريب (الفرنسية)

الجزائر تدخل على خط الأزمة

ويلفت تقدير الموقف إلى بروز الجزائر بوصفها ثاني أبرز فاعل خارجي.

ففي 30 أغسطس/آب، وبناء على طلب نيامي، أرسلت الجزائر أربع مقاتلات Su-30 مصحوبة بطائرة للتزود بالوقود، وأعلنت أن المهمة تهدف إلى دعم الجيش النيجري في مواجهة محاولة زعزعة الاستقرار.

ولا تكمن أهمية الخطوة في أثرها العملياتي فقط؛ فقد وصلت الطائرات بعد انحسار التمرد عمليا، وإنما في دلالتها السياسية والإستراتيجية، باعتبارها إشارة إلى استعداد الجزائر لاستخدام قدراتها العسكرية خارج حدودها لحماية الاستقرار في دولة ساحلية مجاورة.

ويفسر تقدير الموقف هذا التحرك بخشية الجزائر من مزيد من التفكك في الساحل، وأهمية استقرار النيجر لأمن حدودها الجنوبية، ورغبتها في ألا تترك المجال الأمني لروسيا وحدها، فضلًا عن سعيها لاستعادة موقعها لاعبا مركزيا في المنطقة بعد توتر علاقاتها مع مالي والنيجر في الأعوام الأخيرة.

وقد يكون تسارع التقارب الأمني بين الجزائر والنيجر إحدى النتائج غير المقصودة لمحاولة الانقلاب.

ومع ذلك، فإن الدعم الجزائري، مثل الدعم الروسي، يضيف إلى معضلة خطاب السيادة؛ فكلما زادت حاجة تياني إلى قوى خارجية لحماية نظامه، أصبح الدفاع عن شرعية حكمه باعتباره تجسيدا للسيادة الوطنية أكثر صعوبة.

مصدر الصورة أمادو عبد الرحمن المتحدث الرسمي باسم الانقلابيين (منصات التواصل)

تحالف الساحل.. تضامن سياسي واختبار عسكري

يشير تقدير الموقف إلى أن رد تحالف دول الساحل جاء سريعا وقاطعا، فوصف المحاولة بأنها "خيانة ومحاولة لزعزعة الاستقرار"، وأعلن دعمه الكامل لمؤسسات النيجر.

إعلان

وتكشف لغة البيان أن مالي وبوركينا فاسو والنيجر أصبحت تتعامل مع أمن كل نظام باعتباره جزءا من أمن الكتلة كلها؛ فسقوط تياني بانقلاب جديد لن ينظر إليه في باماكو وواغادوغو باعتباره أزمة نيجرية داخلية، وإنما بوصفه سابقة قد تنتقل إلى النظامين الآخرين.

لكن تقدير الموقف يميز بين التضامن السياسي والقدرة العسكرية الفعلية.

ففي الساعات الحرجة، كان الدور الروسي والتحرك الجزائري أكثر وضوحا من أي مساهمة عسكرية مباشرة من مالي أو بوركينا فاسو.

ولهذا ستكشف الأزمات المقبلة ما إذا كان تحالف دول الساحل قد تحول بالفعل إلى منظومة أمن جماعي، أم أنه لا يزال في الأساس تحالفا سياسيا بين ثلاثة أنظمة عسكرية تواجه تحديات متشابهة.

الاتحاد الإفريقي و"الانقلاب على الانقلاب"

أما الاتحاد الإفريقي، فيشير تقدير الموقف إلى أنه وجد نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد.

فقد دان رئيس مفوضيته، محمود علي يوسف، أي محاولة للاستيلاء على السلطة بالقوة، ودعا إلى ضبط النفس والحفاظ على استقرار البلاد، لكنه أعاد في الوقت نفسه التأكيد على ضرورة العودة إلى النظام الدستوري.

ويعكس هذا الموقف مفارقة قانونية واضحة: الاتحاد الإفريقي يرفض إسقاط تياني بالقوة، لكنه لا يستطيع منح السلطة التي جاءت بانقلاب 2023 شرعية دستورية كاملة.

وهكذا جمع موقفه بين رفض الانقلاب على الانقلاب ورفض الاعتراف بشرعية النظام الانقلابي القائم، وهو ما يبقي سلطة تياني في عزلة إقليمية نسبية رغم نجاحها في النجاة من المحاولة.

فرنسا و"المؤامرة الخارجية"

يتوقف تقدير الموقف عند انتقال الخطاب الرسمي، بعد احتواء التمرد، من الحديث عن تحرك عسكري محدود إلى اتهام قوى خارجية بالوقوف وراءه.

فقد بث التلفزيون الرسمي النيجري، وفق ما ينقله التقدير عن شبكة "بي بي سي"، اتهامات تربط المحاولة بفرنسا وبأشخاص من محيط الرئيس السابق محمد بازوم وأطراف في تشاد وبنين وكوت ديفوار.

وفي 4 سبتمبر/أيلول، ووفق "رويترز"، اتهمت الحكومة النيجرية فرنسا رسميا بالتحريض على التمرد، وقالت إنها تمتلك "وثائق مهمة"، واحتفظت بحق اتخاذ إجراءات أمام القضاء الدولي.

لكن تقدير الموقف يميز بوضوح بين الاتهام وثبوت الاتهام؛ فهناك اتهام رسمي نيجري، لكن السلطات لم تقدم حتى الآن أدلة علنية مستقلة تثبت تورطا فرنسيا فعليا، فيما رفضت باريس الاتهامات.

وسياسيا، تمنح رواية المؤامرة الخارجية النظام فرصة لنقل مركز الأزمة من الانقسام داخل جيشه إلى تدخل أجنبي، بما يساعده على تعبئة قاعدته الشعبية والعسكرية.

إلا أن تقدير الموقف يحذر ضمنيا من النتيجة العكسية؛ فإذا تعامل تياني مع التمرد بوصفه صناعة خارجية فقط، فقد يتجاهل أسبابه الداخلية، ويبالغ في القمع بدل معالجة التذمر داخل المؤسسة العسكرية، وهو ما يمكن أن يمهد لمحاولة انقلاب أخرى.

مصدر الصورة الرئيس الفرنسي ماكرون، وتتهم النيجر فرنسا بأنها تقف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة (الفرنسية)

شبكة خارجية تحمي نظاما منقسما من الداخل

ويضع تقدير الموقف الموقف التركي ضمن خريطة أوسع للدعم الخارجي؛ إذ أعلنت تركيا، وفق الإعلام النيجري، تضامنها مع النيجر ودعت إلى ضبط النفس والمحافظة على الأمن والاستقرار.

وهكذا تكشف الأزمة عن نتيجة تبدو متناقضة: محاولة الانقلاب أظهرت ضعف القاعدة الداخلية للنظام، لكنها أظهرت في الوقت نفسه قوة شبكة حمايته الخارجية.

فتياني يستطيع الاعتماد بدرجات مختلفة على روسيا والجزائر وتحالف دول الساحل وتركيا. ولذلك لم يعد نظامه معزولا يسهل إسقاطه بانقلاب داخلي سريع.

لكن هذه الشبكة تستطيع مساعدة السلطة على البقاء، ولا تستطيع حل المشكلة التي أنتجت المحاولة، وهي التذمر داخل القوات المسلحة وتراجع الفاعلية الأمنية.

ماذا بعد محاولة الانقلاب؟

يتوقع تقدير الموقف أن يكون أول ردود تياني إعادة هيكلة واسعة للأجهزة العسكرية والأمنية، تشمل مراجعة أوضاع القوات الخاصة والوحدات الموجودة في نيامي والقيادات الميدانية، مع إقالات ونقل وتوقيفات بحثا عن دوائر التعاطف مع المتمردين.

كما يرجح تعزيز الحرس الرئاسي والأجهزة المرتبطة مباشرة بالجنرال الحاكم، وهو ما سيزيد الطابع الشخصاني للنظام على حساب التوازن داخل المؤسسة العسكرية.

لكن التطهير الواسع ينطوي على مخاطرة؛ فقد يحول التذمر الكامن إلى شبكات معارضة أكثر تنظيما، خاصة إذا شملت الإجراءات ضباطا لم يشاركوا في المحاولة، وإنما رفضوا الاشتباك أو التزموا الحياد.

ويتوقع تقدير الموقف كذلك تضخم البعد الأمني في إدارة الحكم، بحيث تصبح حماية النظام أولوية تتقدم على مواجهة الجماعات الجهادية.

إعلان

وهنا تبدأ دائرة الخطر: سحب قوات وموارد من الجبهات إلى العاصمة لحماية السلطة يضعف المناطق الطرفية، وضعفها يسمح بتصاعد الهجمات الجهادية، وتصاعد الخسائر يعيد إنتاج الغضب داخل الجيش، والغضب يدفع النظام إلى تشديد الرقابة على الجيش وسحب مزيد من القوات لحماية نفسه.

من الاحتواء إلى انقلاب جديد

يحدد تقدير الموقف عدة اتجاهات محتملة لمستقبل النظام، ويرجح على المدى القريب سيناريو الاحتواء المتشدد.

وبمقتضى هذا الاتجاه، يسعى تياني إلى تطهير المؤسسة العسكرية، وتعزيز قبضة الحرس الرئاسي، وتطوير العلاقات الأمنية مع روسيا والجزائر، فتتراجع التوترات داخل الجيش أو تختفي مؤقتا. وإذا استطاعت القوات تحقيق نجاح ملموس ضد الجماعات الجهادية، فقد يستعيد النظام جزءا من شرعيته داخل الجيش والمجتمع.

لكن السياسة نفسها قد تقود على المدى المتوسط إلى نتيجة معاكسة: انقلاب جديد أكثر قوة.

فإذا استمرت الخسائر في الجبهات، وتعمق التفاوت في المعدات والاهتمام والامتيازات بين الوحدات، وتوسعت الإجراءات العقابية، فقد تتفاقم مشاعر التذمر داخل الجيش، ويظهر تمرد جديد أكثر تنظيما وصلابة وربما مدفوعا بالرغبة في الانتقام.

ولهذا يرى تقدير الموقف أن حجم التوقيفات والتغييرات في قيادة الجيش، ومصير ضباط القوات الخاصة، وطريقة إعادة توزيع القيادة العسكرية، ستكون من أهم المؤشرات التي ينبغي مراقبتها خلال الأشهر المقبلة.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (يسارًا) ورئيس النيجر الجنرال عبد الرحمن تشياني (أرشيفية- الفرنسية)

الخطر الجهادي ينتظر الفرصة

ويطرح تقدير الموقف اتجاها آخر قد يكون أكثر خطورة من الانقلاب نفسه، هو اتساع سيطرة الجماعات الجهادية إذا دخل النظام والجيش في دوامة من التطهير والتمرد ومحاولات الانقلاب.

فتركيز القوات والموارد على حماية نيامي يمكن أن يؤدي إلى إضعاف الوجود العسكري في تيلابيري وتاهوا وديفا، فتستغل الجماعات المسلحة الفراغ لتوسيع نطاق حركتها والسيطرة على الطرق والمسالك.

ولا يشترط أن تتمكن هذه الجماعات من الاستيلاء على الحكم؛ فقد يكون الأخطر أن تسيطر على مناطق تستخدمها للإقامة والتدريب والحشد والانطلاق لشن هجمات داخل النيجر وفي الدول المجاورة.

ويقارن تقدير الموقف هذا الاحتمال بما حدث في مالي، حيث فقدت السلطة السيطرة على مناطق واسعة من البلاد وأصبحت تركز بدرجة متزايدة على حماية العاصمة باماكو.

كما أن توتر العلاقات مع دول الجوار الجنوبي، ولاسيما بنين، يمكن أن يحرم النيجر من تعاون استخباراتي تحتاج إليه في مواجهة جماعات مسلحة تتحرك عبر الحدود.

أما الاتجاه الأقل ترجيحا في تقدير الموقف فهو أن يدفع التمرد تياني إلى إعادة فتح المجال السياسي، وتخفيف احتكار السلطة، والتواصل مع القطاعات الشعبية المقصاة، والانفتاح بصورة أكبر على محيطه الإقليمي.

ويبدو هذا الاحتمال أضعف من اتجاه تشديد القبضة الأمنية؛ لأن طبيعة رد السلطة بعد محاولة تستهدف وجودها تدفعها غالبا إلى زيادة الاعتماد على المؤسسات والقوات الأكثر ولاء، وليس إلى توزيع السلطة.

نجا النظام وتفاقمت هشاشته

يخلص تقدير الموقف إلى أن فشل محاولة أغسطس/آب ليس مؤشرا على قوة نظام تياني. فمجرد وقوعها كشف هشاشة لم تكن ظاهرة بهذه الدرجة منذ انقلاب 2023.

فالسلطة التي جاءت إلى الحكم باسم معالجة الفشل الأمني واجهت بعد ثلاث سنوات حركة تمرد خرج جانب مهم منها من القوات التي تقاتل الجماعات الجهادية. والجيش، الذي يفترض أن يكون قاعدة النظام، ظهر موزعا بين موالين ومترددين ومتمردين، بينما احتاجت السلطة إلى قوة روسية للمساعدة في استعادة منشأة عسكرية مركزية.

وفي المقابل، أظهرت الأزمة أن نظام تياني لم يعد منفردا؛ فقد أصبح جزءا من شبكة أمنية تضم روسيا وتحالف دول الساحل والجزائر، إلى جانب شراكات أخرى مثل تركيا. ومن ثم، فإن أي محاولة انقلابية جديدة قد تتحول سريعًا من شأن داخلي إلى أزمة ذات أبعاد إقليمية ودولية.

ويشير تقدير الموقف إلى أن أحداث 29 أغسطس/آب نقلت النظام إلى مرحلة جديدة: الخطر الرئيسي لم يعد فقط خصوم السلطة المدنيين أو الضغوط الخارجية، وإنما تماسك المؤسسة العسكرية التي أقامت السلطة نفسها.

وتبلغ المفارقة ذروتها في خطاب السيادة. فالنظام الذي جعل استعادة السيادة أساسا لشرعيته بات يعتمد أكثر على ضمانات عسكرية خارجية.

ويمكن لروسيا والجزائر أن تساعداه في النجاة من انقلاب آخر، لكنهما لا تستطيعان معالجة الأسباب الداخلية التي تجعل الانقلاب ممكنا: تراجع الفاعلية الأمنية، والخسائر أمام الجماعات المسلحة، والتذمر والتصدع داخل الجيش.

ولهذا يرجح تقدير الموقف ألا تكون المرحلة المقبلة مرحلة استقرار، وإنما هدوءا قسريا وهشا: سلطة أقوى في نيامي من حيث أدوات السيطرة، لكنها أكثر اعتمادا على الخارج؛ وجيش تراجعت الثقة داخله وأصبح منشغلا بالرقابة على نفسه؛ وجماعات جهادية يمكن أن تستفيد من استنزافه الداخلي.

وهكذا، فإن نجاة تياني من انقلاب أغسطس/آب لم تحسم السؤال عن مستقبل حكمه، وإنما أعادت صياغته: إذا كان الرئيس قد احتاج إلى الخارج ليحميه من جزء من جيشه، فمن يحمي نظامه من الأسباب التي دفعت هذا الجيش إلى التمرد.

للاطلاع على تقدير الموقف كاملًا (اضغط هنا)

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران دونالد ترامب

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا