(CNN) -- شنّ الحوثيون المدعومون من إيران في اليمن هجوماً واسع النطاق على جنوب غرب المملكة العربية السعودية في وقت مبكر، الثلاثاء، مستهدفين منشآت نفطية وبنية تحتية أخرى؛ في تصعيد ينطوي على مخاطر توسيع نطاق الصراعات في المنطقة وزيادة الضغوط على أسعار النفط الخام .
وتعهدت القوات التي تقودها السعودية برد حازم، مشيرةً إلى إصابة عشرات المدنيين. كما ذكرت وزارة الطاقة السعودية أن الهجمات تسببت في اندلاع حرائق في عدة منشآت بالمنطقة الجنوبية، مما أدى إلى توقف مؤقت لبعض العمليات .
وتُمثّل هذه الهجمات تصعيداً كبيراً في الصراع بين السعودية والحوثيين -الذي تجددت حدته في يوليو/تموز عقب انهيار الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران- حيث شملت هجمات صاروخية حوثية استهدفت منشآت نفطية وناقلات سعودية، في خطوة تعكس توسع رقعة الحرب في الشرق الأوسط.
وصرح المتحدث باسم قوات التحالف الذي تقوده السعودية، اللواء تركي المالكي، بأن ما لا يقل عن 73 شخصاً -بينهم نساء وأطفال- قد أصيبوا، واصفاً الهجمات بأنها "خطيرة" و"عبثية ".
وأوضح المالكي أن قوات الحوثي استهدفت "مواقع مدنية واقتصادية" في مدن أبها وخميس مشيط وجازان ونجران.
وفي بيان صدر، الثلاثاء، ذكرت القوات العسكرية التابعة للحوثيين أن الهجمات جاءت رداً على أكثر من 100 غارة جوية سعودية في اليمن خلال الأيام الثلاثة الماضية، والتي زعموا أنها أسفرت عن مقتل العديد من الأشخاص. وأفاد البيان بإطلاق "عشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة ".
قال المالكي إن قيادة القوات المشتركة للتحالف -وهو التكتل الذي تقوده السعودية ويقاتل الحوثيين خلال الحرب الأهلية المستمرة في اليمن منذ عقد من الزمان- ستتصدى "بحزم لنهج الحوثيين العدائي".
وذكرت وزارة الخارجية السعودية، في تدوينة على منصة "إكس"، أن المملكة تؤكد حقها المشروع في اتخاذ كافة التدابير اللازمة للدفاع عن سيادتها .
وصرح مصدر مطلع على التوجهات السعودية لشبكة CNN بأن الرياض تخطط للرد، وقد أطلعت حلفاءها على خططها في هذا الشأن .
وأضاف المصدر أن دبلوماسيين سعوديين كانوا قد أبلغوا مشرعين أمريكيين في شهر أغسطس/آب بانهيار القنوات السياسية مع الحوثيين وبخطط المتمردين لتصعيد هجماتهم ضد المملكة، وسعوا للحصول على دعم واشنطن للتصدي لهذا التهديد.
وقال المصدر إن "(السعوديين) ينسقون مع القيادة المركزية الأمريكية بشأن الخطوات المقبلة، وقد أطلعوا الشركاء الأوروبيين على ذلك أيضاً"، مشيراً إلى أن الرد الانتقامي كان "دائماً الخطة البديلة في حال شن الحوثيين هجوماً ".
ولم يتضح بعد الشكل الذي سيتخذه هذا الرد أو مدى حدته .
وأضاف المصدر أن المملكة تعمل أيضاً على إشراك دول أخرى -كان بعضها يخشى أن يُنظر إليه على أنه طرف في حرب أمريكية ضد إيران- في الجهود الرامية للتصدي للمتمردين اليمنيين .
وفي أواخر يوليو/تموز، انضمت السعودية إلى الولايات المتحدة في توجيه ضربات لجماعات مسلحة مدعومة من إيران في العراق؛ وهي جماعات -وفقاً لمسؤول أمريكي- كانت قد وجهت هجمات ضد المملكة .
وفي ذلك الوقت، صرح المصدر المطلع على التوجهات السعودية لشبكة CNN بأن الرسالة الموجهة لكل من الميليشيات المدعومة من إيران في العراق والحوثيين كانت: "نحن لا نسعى لمواجهتكم، ولكن إذا أجبرتمونا على ملاحقتكم فسنفعل ذلك، ولن يعجبكم ما سترونه ".
وقد قوبلت هجمات الحوثيين التي وقعت، الثلاثاء، بإدانة سريعة من حلفاء السعودية الإقليميين؛ إذ وصفتها مصر بأنها "تصعيد خطير"، في حين اعتبرت كل من الأردن والإمارات أن هذه الهجمات المكثفة تنتهك السيادة السعودية .
وذكرت وزارة الخارجية القطرية أن هذه الضربات تعكس "استخفافاً غير مقبول بأرواح المدنيين وأمن دول المنطقة"، كما انضمت كل من الكويت وتركيا إلى موجة الإدانة الإقليمية .
كما أدان الاتحاد الأوروبي الهجمات، داعياً الحوثيين إلى وقف هجماتهم داخل اليمن وخارجه، بما في ذلك الهجمات التي تستهدف الملاحة التجارية في البحر الأحمر .
وفي غضون ذلك، أكد وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، مجدداً أن "الولايات المتحدة تربطها بالسعودية علاقة عسكرية دفاعية قوية للغاية، ونحن نتابع هذه الأحداث عن كثب ".
وقال روبيو إن "هذا الوضع مستمر منذ فترة، وأعتقد أن هناك عمليات برية تجري أيضاً"، مشيراً إلى أن "القوات اليمنية تواجه الحوثيين وتتصدى لبعض التقدم البري الذي حاولوا تحقيقه".
وقالت السفارة الأمريكية في اليمن إن الحوثيين "هم من بدأوا هذا الصراع ويجب أن يتحملوا عواقب عدوانهم"، مضيفة أن للمملكة العربية السعودية الحق في الدفاع عن نفسها .
ورغم الجهود المبذولة للنأي بالنفس عن الصراع الأمريكي مع إيران، واجهت السعودية هجمات صاروخية شنها الحوثيون في شهر يوليو، مما أنهى هدنة هشة استمرت أربع سنوات بين الجماعة المتمردة والمملكة .
كما أعلن الحوثيون فرض حصار على حركة الملاحة السعودية في البحر الأحمر -وهو منفذ حيوي للنفط الخام السعودي في ظل مساعي إيران لعرقلة المرور عبر مضيق هرمز- واستهدفوا أيضاً مصافي تكرير تابعة لشركة النفط السعودية العملاقة "أرامكو" على ساحل البحر الأحمر .
ما وراء الأمن السعودي
كتب الباحث في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، داني سيترينوفيتش: "تخوض السعودية الآن حملة تمتد عواقبها إلى ما هو أبعد بكثير من أمنها الخاص ".
وأضاف سيترينوفيتش في منشور له على منصة إكس: "ستؤثر النتيجة على حرية الملاحة عبر أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية (نقاط الاختناق البحرية) في العالم، وعلى قدرة كل من إيران والحوثيين على تهديد حركة الشحن الدولي ".
وإلى جانب هجمات الحوثيين بالطائرات المسيرة والصواريخ التي استهدفت السعودية، اندلعت في الأسابيع الأخيرة مواجهات ميدانية بين الحوثيين والقوات المدعومة من السعودية داخل اليمن؛ حيث أعلنت القوات الحكومية، الاثنين، عن تحقيق تقدم في عدة جبهات.
واستخدم الحوثيون صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة في شن هجمات على ميناء المخا، الخاضع لسيطرة القوات الحكومية .
وكان الصراع الذي استمر سبع سنوات بين المملكة العربية السعودية والحوثيين قد انتهى بهدنة عام 2022، إلا أن الحوثيين طالبوا منذ ذلك الحين بإنهاء المحاولات السعودية لعزل مساحات واسعة من شمال اليمن -التي تسيطر عليها الجماعة- من خلال فرض حصار اقتصادي وقيود على التنقل .
وقد أدى هذا الحصار إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في أجزاء كبيرة من اليمن. وفي هذا السياق، صرّح نصر الدين عامر، وهو مسؤول حوثي بارز، CNN في يوليو/تموز بأن الإجراءات السعودية "كافية لدفعنا إلى التحرك بشكل أكثر حزماً مما كنا عليه؛ فنحن لسنا بحاجة إلى أي أجندات أخرى ".
وأضاف عامر، وهو عضو في المكتب السياسي للحوثيين، عبر تطبيق "تيليغرام"، الثلاثاء، إن "الرد المستمر والعميق يفوق بكثير ما يتم تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو أوسع نطاقاً بكثير".
وتشير أحدث الهجمات الحوثية إلى استعداد الجماعة المتمردة لتوسيع نطاق الصراع، وذلك رغم الحشود الكبيرة للقوات السعودية بالقرب من الحدود مع المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون في اليمن .
" حصار مقابل حصار "
أكد بيان عسكري للحوثيين، صدر، الثلاثاء، أن قواتهم ستتمسك بمعادلة "حصار مقابل حصار" إلى أن يتوقف "العدوان" ويُرفع الحصار .
ويقول علي واعظ، من "مجموعة الأزمات الدولية"، إن الحوثيين "يحاولون السيطرة على مزيد من الأراضي القريبة من باب المندب، وهو ممر مائي استراتيجي حيوي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي".
وأضاف أن "ذلك سيعود بالنفع على إيران أيضاً؛ إذ سيمكنها من ممارسة الضغط ليس فقط على مضيق هرمز -باعتباره ممراً حيوياً- بل أيضاً على باب المندب"، وهو المضيق الضيق الواقع عند الطرف الجنوبي للبحر الأحمر .
وأشار واعظ في حديثه لشبكة CNN إلى وجود خطر أكبر يتمثل في أن "النزاع الذي يبدو أنه يتجدد في اليمن قد يأخذ مساراً خاصاً به ويستمر حتى بعد انتهاء الأعمال العدائية بين إيران والولايات المتحدة ".
ويرى الكاتب والمحلل السعودي، علي الشهابي، أن الرياض على الأرجح تستعد لصراع طويل الأمد مع الحوثيين .
وقال الشهابي لشبكة CNN : "لقد أدركت السعودية أن الحوثيين لا يتصرفون بعقلانية، وأن فرص التوصل إلى تسوية سياسية معهم ضئيلة للغاية"، مضيفاً أن الحوثيين "سيحتاجون إلى تكبد بعض الخسائر حتى يعودوا إلى طاولة المفاوضات".
المصدر:
سي ان ان