على الأقل لقد تحدثوا مع بعضهم مرة أخرى: فقد التقى الأحد الماضي (22 آب/ أغسطس 2026) في الأردن وبوساطة أمريكية مسؤولون سوريون وإسرائيليون للمرة الأولى منذ عدة أشهر. ودارت بين الوفدين محادثات بهدف تهدئة الوضع بعد الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على الأراضي السورية، ومنع امتداد التوترات بين إسرائيل وتركيا إلى سوريا .
وجاء هذا اللقاء بين وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني ورئيس الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان بسبب الهجوم الإسرائيلي على مطار أبو الظهور العسكري في محافظة إدلب في 18 آب/أغسطس. واستهدف الهجوم بحسب مصادر سورية مدرج المطار ومستودعات تخزين، ولم يسفر عن وقوع قتلى. ومن جانبها أعلنت إسرائيل أن سوريا انتهكت، أو هددت بانتهاك، تفاهمًا أمنيًا سابقًا من خلال السماح للقوات التركية باستخدام المطار. ورفضت دمشق وأنقرة هذه الاتهامات.
ومن الجدير بالملاحظة أن الولايات المتحدة الأمريكية انتقدت هجوم حليفتها إسرائيل بوصفه بأنه "تصعيد غير ضروري"، وقد دعمت بذلك - على الأقل من الناحية الخطابية - حليفيها الآخرين في أنقرة ودمشق.
ومن المؤكد أن إسرائيل تعتبر أي وجود عسكري تركي محتمل في سوريا خطًا أحمر. ولكن من غير الواضح إن كانت تركيا تخطط لنشر قوات تركية في سوريا على المدى البعيد، أو إن كانت حتى على وشك نشر قواتها. ولم يُكشف عن أية أدلة ملموسة تؤكد أو تنفي ذلك. ولكن في ربيع عام 2025، ذكرت وكالة رويترز للأنباء، نقلًا عن مصادر لم تسمها، أن تركيا قد تفقدت على الأقل ثلاث قواعد جوية في سوريا، ومن المحتمل أنها تريد نشر قواتها في هذه القواعد ضمن إطار اتفاقية دفاع مشترك مُخطط لها. وقد وقعت أيضًا في ذلك الوقت غارات جوية إسرائيلية.
وقد برّر مركز الأبحاث الأمريكي "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات" (FDD)، المقرّب من إسرائيل ، هذا الهجوم بقوله إن إسرائيل تخشى من احتمال أن تستغل أنقرة وجودها في سوريا "كمنصة للضغط على إسرائيل أو تهديدها".
وهذا التفسير غير كافٍ بحسب رأي بينته شيلر، خبيرة الشؤون السورية في مؤسسة هاينريش بول الألمانية المقرّبة من حزب الخضر . وتقول الخبيرة الألمانية: "لا توجد حتى الآن أدلة على تخطيط تركيا لنشر قوات هناك". وبحسب تعبيرها من المحتمل أن إسرائيل لديها معلوماتها الخاصة، ومع ذلك يجب النظر إلى الهجوم الإسرائيلي ضمن سياق السياسة الإسرائيلة كلها تجاه سوريا وتنامي دور تركيا الإقليمي.
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يلتقي نظيره السوري أسعد حسن الشيباني، كانون أول/ديسمبر 2025صورة من: Murat Gok/Anadolu Agency/IMAGO
وتقول بينته شيلر إن زيادة الحاجة إلى الأمن لدى إسرائيل أمر مفهوم بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول. وبالإضافة إلى أن إسرائيل تنظر بالتأكيد بقلق أيضًا إلى تطور آخر يتجاوز سوريا، بحسب تعبير شيلر: "إسرائيل تدرك بكل تأكيد كيف تحاول تركيا حاليًا ترسيخ وجودها إقليمًا كقوة مهيمنة". ولذلك فإن الهجوم على مطار أبو الظهور يمثل "بوضوح أيضًا رسالة إلى تركيا".
وتركيا تدعم الرئيس المؤقت أحمد الشرع وتراهن على وحدة سوريا. ويصف تحليل أجرته مؤسسة كارنيغي الأمريكية هذا الوضع بأنه تنافس استراتيجي بين إسرائيل وتركيا: "شمال شرق سوريا هو (…) الساحة المركزية التي تتصادم فيها رؤيتان استراتيجيتان خارجيتان لسوريا". وكذلك تنظر مجموعة الأزمات الدولية إلى سوريا باعتبارها خط صدع بين تركيا الصاعدة وإسرائيل.
دونالد ترامب في لقاء مع الرئيس السوري أحمد الشرع على هامش قمة الناتو في أنقرة، تموز/يوليو 2026صورة من: Saul Loeb/AFPوتقدّم العلاقات الجديدة مع الولايات المتحدة الأمريكية لسوريا نفسها بعض الآفاق، التي تمثل دعمًا أمريكيًا، على الرغم من الماضي الإسلاموي للرئيس الجديد أحمد الشرع. فقد بدأت الولايات المتحدة في صيف عام 2025 وبشكل تدريجي تخفيف العقوبات المفروضة على سوريا ، وفي تشرين الثاني/نوفمبر من ذلك العام، استقبل الرئيس الأمريكي ترامب الرئيس الشرع في البيت الأبيض. ثم التقى الرئيسان مجددًا على هامش قمة الناتو في أنقرة في تموز/يوليو 2026. وانسحبت الولايات المتحدة عسكريًا من سوريا في الربيع، وفي يوم الاثنين الماضي (24 آب/أغسطس)، أزالت سوريا رسميًا من قائمة الإرهاب .
ولكن يبدو في الصراع الحالي أن سوريا تعتمد بشكل رئيسي على نفسها، وحتى فيما يتعلق بتركيا. ومع ذلك يرى الخبير ماركوس شنايدر أن الوجود التركي المحتمل في سوريا لا يمكن مقارنته بالوجود الإيراني السابق في عهد نظام الأسد . وعلى العكس من الرأي السائد في إسرائيل، يعتقد شنايدر أن أنقرة مهتمة قبل كل شيء باستقرار سوريا وضمان أمن حدودها الجنوبية. ويقول إن "فكرة أن تقدم تركيا، الدولة العضو في حلف الناتو ، على مهاجمة القوة النووية إسرائيل تعتبر فكرة سخيفة". ويضيف أن المشكلة الحقيقية هي أن إسرائيل تنظر بشكل متزايد إلى تركيا كخصم استراتيجي، وتستنتج من قدراتها نوايا عدائية.
وتقول الخبيرة بينته شيلر إن الشرع يبحث عن الدعم في السياسة الخارجية حيثما يمكنه الحصول عليه. وتضيف: "تركيا دخلت في الأشهر الأخيرة وبشكل متزايد إلى دائرة الدول التي تتوقع دمشق الحصول منها بالتحديد على مساعدات". وهذا لا يتعلق بالأمن فقط: إذ إن أنقرة تريد توسيع نفوذها الإقليمي، ولديها في الوقت نفسه اهتمام بالحفاظ على الهدوء في حدودها المشتركة مع سوريا.
ولذلك فإن السؤال الجوهري هو: من سيحدد في المستقبل النظام الأمني في سوريا؟ لقد أقامت إسرائيل بعد سقوط الأسد منطقة أمنية شمال هضبة الجولان وهجمات بشكل متكرر أهدافًا سورية. والمطالبة بمثل هذه المنطقة العازلة ثابتة بعمق في الفكر الأمني الإسرائيلي كما يظهر تحليل من مؤسسة كارنيغي؛ لكن من غير الواضح قليلًا إن كانت إسرائيل لديها نية كما يفترض بعض المحللين لتقسيم سوريا بشكل دائم بهدف إبقائها ضعيفة.
يستخدم مركز الأبحاث الأمريكي "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات" لهجة مختلفة ويشير إلى تشكيك إسرائيل في الجيش السوري الجديد والدعم التركي. بينما يقول الخبير الألماني ماركوس شنايدر: "النظام الجديد في سوريا مدّ يده منذ البداية إلى إسرائيل، على الرغم من أصوله الأيديولوجية". ويضيف أن دمشق لا تريد الحرب مع إسرائيل، لكنها تسعى لاستعادة سيادتها الوطنية. وهذا يتعارض بالتحديد مع وجود إسرائيل العسكري في سوريا وومع خطوطها الحمراء.
تحديات سياسية داخلية: الجيش السوري يبدأ عمليات ضد مواقع وحدات حماية الشعب الكردية المقرّبة من حزب العمال الكردستاني، كانون ثاني/يناير 2026صورة من: Anagha Subhash Nair/Anadolu/picture allianceوخلصت الخبيرة بينته شيلر إلى أن سوريا تقع بين جارين قويين عسكريًا، لا يحترمان سيادتها ولا حدودها لإقليمية. ولذلك يتوقف الأمر الآن على مهارات أحمد الشرع التفاوضية: كيف يمكنه الدفاع عن السيادة السورية تجاه هذين الجارين، وإيجاد مسار سوري خاص به؟ ولكن ضعف سوريا لا يكمن فقط في كونها أضعف عسكريًا، بل يجب عليها أولًا بناء نظام سياسي مستقر.
ومن هنا يبدأ أيضًا الباحث السياسي السوري حايد حايد في تحليل أجراه لصالح معهد الأبحاث البريطاني تشاتام هاوس. ويرى أن نجاحات الشرع في السياسة الخارجية يجب ألا تحجب حقيقة أن العديد من الصراعات الداخلية في سوريا لا تزال عالقة. "وبهذا المعنى فإن أكبر نقاط ضعف سوريا لا تكمن عند حدودها الخارجية، بل في داخلها". وكلما قلّ سعي دمشق إلى خلق توافق شرعي، تبقى مساحة المناورة للقوى الخارجية أكبر.
أعده للعربية: رائد الباش
المصدر:
DW