آخر الأخبار

بعد تصعيد النيل الأزرق.. هل يقايض طرفا نزاع السودان الأرض بالسياسة؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

كلما تعثرت محاولات الحسم في السود ان، انتقلت المعارك إلى جغرافيا جديدة، لتتحول الأطراف البعيدة عن مراكز الثقل العسكري إلى ساحات ضغط إضافية، ويبدو تصعيد النيل الأزرق أحد تعبيرات هذه المعادلة، حيث تتداخل السيطرة على الأرض مع إعادة توزيع الجهد العسكري وفتح النزاع على أدوار إقليمية أوسع.

ولا تنفصل أهمية النيل الأزرق عن موقعه الحدودي ومنشآته الحيوية، لكن دلالة التصعيد تتجاوز قيمة الأرض نفسها إلى الوظيفة التي يمكن أن تؤديها في حرب لم يعد فيها كسب المواقع منفصلا عن تحسين شروط التفاوض، ومن هنا يبرز سؤال ما إذا كانت الجبهات الهامشية أصبحت أوراقا لإدارة الصراع سياسيا.

ويرى الكاتب الصحفي والمحلل السياسي عثمان ميرغني، خلال مشاركته في برنامج "ما وراء الخبر" أن فتح جبهة الجنوب الشرقي يمكن أن يستهدف إشغال الجيش السوداني بعيدا عن مسارح العمليات الرئيسية في كردفان (وسط) ودارفور (غرب) حيث يتركز هدفه الإستراتيجي باستعادة كامل الأراضي السودانية.

ووفق هذه القراءة، لا تكمن أهمية مدينتي الكرمك وقيسان في كونهما هدفا نهائيا بقدر ما ترتبطان بقدرتهما على استنزاف جزء من الموارد العسكرية وإجبار الجيش على توزيع اهتمامه. فالجبهة الجديدة قد تكون محدودة ميدانيا، لكنها تؤدي وظيفة أكبر في حسابات الحرب.

لكن الدكتور فتحي أبو عمار، الأكاديمي السوداني ورئيس تحرير صحيفة الوسط، يرفض اختزال هذه الجبهة في وظيفة الإشغال، معتبرا أن النيل الأزرق منطقة ذات أهمية إستراتيجية واجتماعية، وأن وجود حواضن وقوى مسلحة فيها يجعلها جزءا أصيلا من طبيعة الصراع لا مجرد مناورة جانبية.

وهنا تتضح المفارقة؛ فالجغرافيا نفسها يمكن أن تكون هدفا عسكريا مستقلا وورقة ضغط في آن واحد، حيث لا تعني السيطرة على مدينة حدودية أو طريق إمداد بالضرورة التقدم نحو حسم الحرب، لكنها تمنح الطرف المسيطر قدرة أكبر على إعادة ترتيب أولوياته والتأثير في حسابات خصمه.

تدويل جبهات الهامش

وتزداد قيمة هذه الجغرافيا عندما تكون متصلة بحدود دولية، إذ تتحول ساحة القتال المحلية إلى عقدة إمداد واتصال تتجاوز طرفي النزاع. وفي هذا السياق، يرى الخبير في الشأن الأفريقي بمعهد دراسات الكومنولث مارتن بلوت أن المنطقة تمثل مسارا مهما لإمداد قوات الدعم السريع وتدريب مقاتلين.

إعلان

وبحسب بلوت، فإن وجود قاعدة في أقصى غرب إثيوبيا وتدريب مقاتلين هناك، إلى جانب ما وصفه بدعم من الإمارات وتشاد وأفريقيا الوسطى، يجعل الحفاظ على هذه المنطقة جزءا من القدرة العملياتية لقوات الدعم السريع، وهكذا يصبح تأمين الجغرافيا شرطا لاستمرار القوة نفسها.

وفي المقابل، تستند الحكومة السودانية إلى شبكة دعم إقليمية مختلفة، بحسب بلوت، الذي أشار إلى اعتمادها على دول بينها السعودية ومصر، وبذلك لا تعود الجبهة الجنوبية الشرقية مجرد خط تماس سوداني، بل تصبح نقطة تتقاطع عندها مصالح أطراف خارجية تدفع النزاع نحو مزيد من الاستطالة.

وهذا ما يفسر جانبا من ظاهرة تدويل الهوامش؛ فكلما اتسعت الحرب جغرافيا، ازدادت قدرتها على استيعاب قوى خارجية وشبكات إمداد عابرة للحدود، والنتيجة أن الأطراف المحلية لا تقاتل فقط على المدن والطرق، بل على بيئات تسمح باستمرار الحرب نفسها.

ويشير ميرغني إلى أن ثقل العمليات العسكرية لا يزال في كردفان ودارفور، حيث يرى الجيش السوداني أن استعادة السيطرة عليهما تمثل المسار الحقيقي نحو هدفه العسكري. أما النيل الأزرق، فرغم أهميته الاقتصادية والإستراتيجية، فلا تبدو معاركه الحالية قادرة وحدها على تغيير ميزان الحرب.

لكن محدودية القدرة على الحسم لا تعني محدودية القيمة السياسية، فبحسب قراءة ميرغني، يمكن للدعم السريع وحلفائه أن يستخدموا الضغط في الجنوب الشرقي لإشغال القوات الحكومية بدرجات مختلفة، بينما يمكن للجيش أن يتعامل مع السيطرة على المدن والمواقع بوصفها مقدمة لتحسين شروط أي تفاوض لاحق.

وتظهر هذه الفكرة بوضوح في تفسير ميرغني لموقف مالك عقار، نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الذي ربط التفاوض باستعادة المدن وتجميع قوات الدعم السريع في مناطق محددة. فالمقصود، وفق هذه القراءة، ليس رفض التفاوض مطلقا، بل الدخول إليه بعد تغيير ميزان السيطرة الميدانية.

الأرض ورقة تفاوض

وهنا تصبح الأرض نفسها جزءا من لغة التفاوض، إذ يرى ميرغني أن بقاء مدن رئيسية تحت سيطرة الدعم السريع أثناء المفاوضات قد يحمل، من منظور الجيش، خطرا على وحدة السودان ويفتح الباب أمام واقع جغرافي قابل للانقسام، وبذلك تتحول السيطرة إلى شرط سياسي سابق على التسوية.

غير أن الأكاديمي فتحي أبو عمار يقدم القراءة المقابلة، إذ يعتبر استمرار العمليات العسكرية دليلا على تمسك الجيش بخيار الحسم، ويرى أن كل جولة قتال تمنح الأطراف فرصة لتحقيق مكاسب سياسية ودبلوماسية وعسكرية وإدارية، وفي هذه الحالة تصبح الجغرافيا وسيلة لتعزيز النفوذ أكثر من كونها هدفا عسكريا خالصا.

وتتقاطع القراءتان عند نقطة أساسية: لا يبدو أن أيا من الطرفين يملك حتى الآن القدرة على فرض نهاية عسكرية كاملة، ولذلك تستمر محاولات تحسين المواقع قبل التفاوض، ويرى بلوت أن تصاعد القتال بالتزامن مع الحديث عن الهدنة ليس استثناء، بل هو سلوك شائع في النزاعات المسلحة.

لكن المشكلة أن هذا المنطق يحمّل المدنيين تكلفة الرهان على الأرض، فقد تسبب التصعيد الأخير في النيل الأزرق، وفق المنظمة الدولية للهجرة، في نزوح نحو 200 ألف شخص، بينما تتسع الأزمة الإنسانية في بلد يعيش ملايين سكانه أصلا بين النزوح واللجوء.

إعلان

ويرى الخبير في الشأن الأفريقي أن استمرار الحرب يرتبط أيضا بتدفق الدعم الخارجي، وأن أي تسوية جادة ستظل بعيدة ما لم تتراجع قدرة الأطراف على الحصول على السلاح والتمويل والغطاء السياسي. ومن دون ذلك، يمكن لكل جبهة جديدة أن تصبح مساحة لإعادة إنتاج الحرب بدلا من إنهائها.

أما مآل هذا المسار فيتوقف على ما إذا كانت السيطرة الميدانية ستتحول إلى رصيد تفاوضي أم إلى وقود لجولة جديدة، فإذا واصل كل طرف احتجاز المدن والممرات والحدود باعتبارها ضمانة سياسية، فقد تتحول هوامش السودان إلى مراكز ثقل جديدة تطيل الحرب وتزيد تعقيد تسويتها.

وفي النهاية، لا تكمن خطورة تصعيد النيل الأزرق في اتساع رقعة القتال وحده، بل في انتقال الصراع من التنافس على الحسم إلى إدارة الجغرافيا باعتبارها أداة سياسية. فحين تصبح الأرض وسيلة لتحسين شروط التفاوض، يصبح الوصول إلى السلام مرتبطا أولا بإنهاء الرهان على الأرض نفسها.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا