آخر الأخبار

حصار إيران يرتد على الداخل الأمريكي.. ترمب يواجه كلفة متصاعدة

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

دخلت المواجهة المحتدمة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة شديدة التعقيد والخطورة مع انتهاء مهلة الـ60 يوما المقترنة باتفاق وقف إطلاق النار الشكلي الذي أُبرم في يونيو/حزيران الماضي، دون تحقيق أي تقدم دبلوماسي ملموس أو الانزلاق الكامل نحو مواجهة عسكرية شاملة.

والحالة هذه، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إطلاق ما أسماه "يوم الإنزال الاقتصادي" للضغط على طهران وإرغامها على التخلي عن تحكمها في مضيق هرمز والقبول بشروط واشنطن، بينما تسعى القيادة الإيرانية إلى تأكيد صمودها وإثبات قدرتها على تحمل الضغوط والعقوبات، مما أدخل المنطقة والاقتصاد العالمي في دوامة غير محسوبة من عض الأصابع.

نيويورك تايمز: تراهن واشنطن على أن تشديد الخناق الاقتصادي سينجح حيث فشلت الضربات العسكرية السابقة، لا سيما بعد تصريحات ترمب وتأكيده على فرض عواقب اقتصادية هائلة على كل من يتعامل مع إيران

جمود إستراتيجي وحسابات المعاندة

تؤكد يغانه تورباتي، مراسلة صحيفة نيويورك تايمز المتخصصة في الشأن الإيراني، أن الطرفين الأمريكي والإيراني قد استقرا في حالة مراوحة برزت فيها الحسابات، وربما التقديرات الخاطئة، لدى الجانبين.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 75 يوما على الانتخابات النصفية الأمريكية.. تنافس يحتدم وقلاع حمراء تهتز
* list 2 of 2 ترمب يدخل معركة البرازيل.. هل ينقذ بولسونارو أم يقوي لولا؟ end of list

وتقول في تحليلها بالصحيفة إن الطرفين "لا يتفاوضان بجدية، لكنهما أيضا لا يطلقان النار على بعضهما"، في مأزق قد ينتهي باستئناف القتال أو يتحول إلى جمود طويل الأمد.

وتنقل تورباتي عن محللين سياسيين أن المسؤولين الإيرانيين يعتقدون أن لديهم ما يكسبونه من الصمود بوجه الضغوط الاقتصادية الأمريكية والحفاظ على سيطرتهم على مضيق هرمز، أكثر بكثير مما قد يحققونه من تقديم تنازلات كبرى في صفقة تفاوضية.

وفي مقابل ذلك، تراهن واشنطن على أن تشديد الخناق الاقتصادي سينجح حيث فشلت الضربات العسكرية السابقة، لا سيما بعد تصريحات ترمب الأخيرة وتأكيده على فرض عواقب اقتصادية هائلة على كل من يتعامل مع إيران.

إعلان

وترى نيكول غراجيفسكي، الأستاذة المساعدة في مركز الدراسات الدولية بمعهد العلوم السياسية في باريس، في حديثها لنيويورك تايمز أن البلدين يعيشان "في حالة من التيه الدائم" وأن لا شيء "جوهريا" قد تغير خلال الأشهر الماضية سوى مزيد من "تصلب الموقف الإيراني"، ومحاولات أمريكية مكررة وغير ناجحة حتى الآن لإيجاد مخرج.

وقد توجت طهران هذا التصلب بإصدار قائمة مطالب لإعادة فتح الملاحة البحرية في مضيق هرمز، شملت رفع كافة العقوبات والتعويض عن أضرار الحرب والإفراج عن الأصول المجمدة.

وفي حديثه لنيويورك تايمز، يفسر مهرزاد بروجردي، عميد كلية الآداب والعلوم بجامعة ميزوري للعلوم والتكنولوجيا، السلوك الإيراني بأن طهران، بعد تجاوزها الصدمة الأولى للحرب، باتت مصممة على إظهار القوة، مضيفا أنه ينبغي فهم استغلالها مضيق هرمز كسلاح وتشددها في التفاوض، في هذا السياق.

ونقلت الصحيفة عن أليكس فاتانكا، الباحث البارز في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، القول إن إيران تعتقد جازمة بأن الولايات المتحدة سينالها التعب في النهاية من مواجهة مفتوحة ومكلفة، خاصة مع تعيين المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي لصقور متشددين في مناصب عسكرية رئيسية، في إشارة منه لإبقاء البلاد في حالة تأهب عسكري دائم.

الإنزال الاقتصادي ورهانات واشنطن

أمام هذا الانسداد في الأفق الدبلوماسي، أطلق الرئيس ترمب تهديدت غير مسبوقة عبر منصته تروث سوشيال، معلنا عن التخطيط لما وصفه بـ"يوم الإنزال الاقتصادي" على طهران، ومتوعدا بإلحاق أشد الأضرار بكافة الدول والشركات والمؤسسات التي تمنح شريان حياة للاقتصاد الإيراني.

ووفقا لما نقله الصحفي تياغو فينتورا في مقال تحليلي بمجلة تايم، دعا ترمب حلفاء واشنطن إلى شل قدرات طهران، مشددا على أن هذه العملية ستكون بمثابة حرب وحصار اقتصادي على نطاق غير مسبوق في التاريخ.

وأكد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن الإدارة الأمريكية تنفذ ضربة مزدوجة تجمع بين الحصار البحري المباشر و"أقسى عقوبات اقتصادية في التاريخ" لدفع النظام الإيراني إلى الانهيار.

ولم تقتصر التهديدات الأمريكية على طهران، بل وصلت إلى حد تهديد ترمب الصريح بقصف سلطنة عمان إذا عرقلت المسار الأمريكي، فضلا عن المأزق الشديد المحتمل مع الصين، التي تُعد المشتري الأكبر للنفط الإيراني، والتي امتنع بيسنت عن كشف تفاصيل الضغوط التي ستطولها قبل الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى واشنطن.

مصدر الصورة عراقجي وصف تصريحات ترمب بأنها تحريف وصرف للأنظار عن الأزمة التي تواجهها أمريكا (أسوشيتد برس)

الرد الإيراني والتصعيد النووي

في المقابل، لم تتردد القيادة الإيرانية في الرد بنبرة حادة على التهديدات الأمريكية، حيث يُبرز تقرير مجلة تايم ردود الفعل الرسمية في طهران التي اعتبرت التصعيد الاقتصادي الأمريكي مجرد محاولة للتغطية على أزمات واشنطن الداخلية.

ونقلت عن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تصريحه بأن إعلان ترمب "ما هو إلا تحريف وصرف للأنظار عن أزمة أمريكا" المتمثلة في ارتفاع غير مسبوق للدين العام وتكاليف الفائدة على حد سواء، معتبرا أن الجنوح نحو مضاعفة السياسات الفاشلة لن يجلب لواشنطن سوى المزيد من الهزيمة وكراهية الشعب الإيراني لها.

إعلان

وسار كاظم غريب أبادي نائب وزير الخارجية الإيراني على النهج نفسه، مؤكدا -عبر وسائل التواصل الاجتماعي- أن واشنطن، التي تدعي أن إيران "على شفا الانهيار"، تعود لتستجدي حلفاءها لمساعدتها.

وأضاف أن "الحرب العسكرية لَمْ تُؤْتِ أُكُلها، لذلك سَمَّوا فشلهم الجديد حربا اقتصادية". كما دعا النائب الإيراني إبراهيم رضائي إلى الانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية ردا على التصعيد الاقتصادي الأمريكي. بينما حذر رئيس لجنة الأمن القومي إبراهيم عزيزي واشنطن من أن أي خطأ أو حسابات خاطئة جديدة ستكون لها عواقب وخيمة أكبر بكثير من السابق.

الأضرار المتبادلة وتكلفة الحرب

في مقاله بمجلة نيوزويك، رصد الصحفي ديفيد أفيري التكاليف الباهظة للحرب التي بدأ يدفعها الداخل الأمريكي جراء هذا الصراع المتطاول.

وأوضح أفيري أن مصطلح "يوم الإنزال الاقتصادي" قد يبدو رنانا في أروقة البيت الأبيض، لكنه يرسم واقعا مقلقا للمواطن الأمريكي الذي يواجه ارتفاعات قياسية في أسعار المعيشة في وقت تجاوز فيه الدين الوطني الأمريكي حاجز 40 تريليون دولار.

واستنادا إلى بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي، شهدت أسعار المستهلكين ارتفاعا عاما بنسبة 3.5%، بينما قفزت أسعار الغاز والبنزين بنسبة 26.7%، وزادت تكاليف الطاقة الإجمالية بنسبة 15.7%.

وتسبب هذا التضخم في انخفاض مؤشر ثقة المستهلك بجامعة ميشيغان بنسبة 7.6% في شهر واحد، وكان التدهور الأشد بين ذوي الدخل المنخفض وكبار السن وغير الحاصلين على شهادات جامعية، وهي الفئات التي تشكل العمود الفقري للكتلة الانتخابية الداعمة لترمب.

ويشير تحليل مركز التقدم الأمريكي إلى أن حرب إيران أضافت نصف نقطة مئوية على أسعار الفائدة طويلة الأجل، مما أدى إلى تحميل الأسر الأمريكية 4.6 مليار دولار إضافية في شكل قروض استهلاكية، و12.7 مليار دولار للشركات، و30.8 مليار دولار للحكومة الفدرالية.

وتنعكس هذه المعطيات بوضوح على الخريطة السياسية، حيث يُظهر استطلاع جامعة ماركيت تقدم الديمقراطيين بنسبة 51% مقابل 45% للجمهوريين بين الناخبين المحتملين لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس، في ظل تصريح 35% من المشاركين بأن التضخم وتكاليف المعيشة هما القضية الأكثر أهمية بالنسبة لهم.

ولم تنجُ إيران، بدورها، من تداعيات الحرب التي طالت اقتصادها بشكل أشد. فقد ذكر أفيري في تحليله أن سعر صرف الريال الإيراني بلغ 1.8 مليون مقابل دولار أمريكي واحد في أبريل/نيسان، وأن أسعار الاستهلاك ارتفعت بمعدل 88% عن العام الماضي، مع ارتفاع نسبة تضخم الغذاء إلى 3 أرقام مئوية.

وفي المقابل، لم تسفر الضغوط السابقة بالضرورة عن انهيار النظام، بل يمكن أن تؤدي إلى تركيز أكبر للسلطة داخل المؤسسة الأمنية والتيار المتشدد.

تحاول طهران توظيف موقعها الجغرافي والتحكم بشرايين النفط في مضيق هرمز لفرض شروطها وتصدير أزمتها، فيما تصر واشنطن على استخدام ثقلها المالي ونفوذها الدولي لخنق الاقتصاد الإيراني

اختناق القطاع الزراعي الأمريكي

ومن جانب آخر، طالت التداعيات المباشرة للحرب الاقتصادية المحاصيل الزراعية والقطاعات الحيوية في الولايات المتحدة، وهو ما يسلط عليه الضوء الكاتب بن غيمان في تقريره على موقع أكسيوس الإخباري.

ويكشف غيمان عن ضربة مزدوجة يتعرض لها المزارعون الأمريكيون نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار الديزل مع بلوغ موسم الحصاد للذرة وصويا الفول ذروته في سبتمبر/أيلول المقبل، وذلك بعد أشهر قليلة من قفزات في أسعار الأسمدة الناتجة عن حرب إيران.

وينقل التقرير عن جيد باور، رئيس جمعية مزارعي الذرة الوطنية في ولاية أوهايو -الذي يزرع 1100 فدان- قوله إن ارتفاع أسعار الديزل سيكلفه ما بين 20 إلى 25 ألف دولار إضافية هذا العام مقارنة بأسعار يناير/كانون الثاني.

إعلان

وأضاف بأسى: "بالنظر إلى أسعار مدخلات الإنتاج لدينا، لا توجد طريقة أستطيع بها تحقيق أي ربح هذا العام، وكل ما يفعله هذا الوضع بي هو إغراقي بمزيد من الديون".

ويرى جون نيوتن، نائب رئيس الشؤون الاقتصادية في اتحاد المزارعين الأمريكيين، أن المزارعين يتعرضون لضغط شديد لأنهم يشترون بسعر التجزئة ويبيعون بسعر الجملة دون قدرة على نقل التكاليف للمستهلكين.

وصرح الخبير الزراعي بجامعة ميزوري، درو كينتزي، لموقع أكسيوس بأن الحصاد هو العملية الأكثر استهلاكا للوقود وتمتد حتى نوفمبر/تشرين الثاني، مشيرا إلى أن الحقول الزراعية المتوسطة تستهلك ما بين 5 إلى 8 غالونات من الوقود لكل فدان ذرة، وأن غالبية المزارعين يفتقرون للقدرة والتخزين اللازمين للتحوط ضد تقلّبات الأسعار عبر العقود الآجلة.

إجمالا، تُظهر تفاصيل هذا المشهد المعقد كما أوردتها الصحف المشار إليها، أن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران قد خرجت عن أطرها التقليدية لتبني معادلة صراع مفتوح يراهن فيها كل طرف على تحطيم إرادة الطرف الآخر عبر أدوات الضغط الشامل.

فبينما تحاول طهران توظيف موقعها الجغرافي والتحكم بشرايين النفط في مضيق هرمز لفرض شروطها وتصدير أزمتها، تصر واشنطن على استخدام ثقلها المالي ونفوذها الدولي لخنق الاقتصاد الإيراني، غير أن هذا السلاح يرتد بطريقة مباشرة ليتسبب في أضرار جانبية واسعة تدفع أثمانها الفئات الهشة والمزارعون والقطاعات الإنتاجية في الداخل الأمريكي.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا