آخر الأخبار

خمسة عوامل تفسر ابتعاد الشباب العراقي عن الأحزاب المدنية

شارك
يعاني الشبان العراقيون راهناً من محدودية وعدم جاذبية الأحزاب والتنظيمات السياسية ذات المرجعيات الليبرالية أو المدنية أو الوطنية العامة.صورة من: Hadi Mizban/AP/picture alliance

منذ شهور يشغل علي الزيدي منصب رئيس الحكومة العراقية، وهو أعلى منصب تنفيذي وسيادي في البلاد. والزيدي شاب في أوائل الأربعينات من عمره، قادم من عالم الأعمال، ذو خلفية دراسية حقوقية، مظهره مدني ويبدو منفتحاً في معتقداته ونمط عيشه؛ لكنه مع كل ذلك وصل إلى سُدة الحكم بتوافق وأصوات مجموعة من الأحزاب الدينية والطائفية والقومية، التي ليس من بينها أي تيار سياسي مدني.

فالبرلمان العراقي يتألف راهناً من كتل وتشكيلات ذات خلفيات دينية طائفية فحسب، يُضاف إليها كتلتان برلمانيتان قوميتان كرديتان. حتى بعض التجمعات التي تأخذ لنفسها تسميات تنموية وحقوقية، هي في الجوهر أحزاب دينية طائفية أو مناطقية.

ليس في الأمر ما هو جديد. فطوال سبع دورات انتخابية جرت بالتواتر منذ العام 2003، لم يتمكن أي حزب مدني قي العراق من أن يحظى بشعبية واسعة، والوصول إلى البرلمان بحضور مؤثر. ما يدل على وجود أزمة سياسية واجتماعية عميقة، تتعلق بعزوف الشباب عن الانتظام في الأحزاب المدنية.

يتألف البرلمان العراقي راهناً من كتل وتشكيلات ذات خلفيات دينية طائفية، يُضاف إليها كتلتان برلمانيتان قوميتان كرديتان.صورة من: Murtadha Al-Sudani/Anadolu/picture alliance

آثار الحرب الطائفية

يفسر الكثير من المراقبين هذه الظاهرة بالأحداث القاسية التي مرّ بها العراق عقب سقوط النظام السابق عام 2003. إذ اندلعت حرب أهلية مدمرة ذات أبعاد طائفية خلال الأعوام 2005-2008، راح ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين، وقُسمت بسببها المناطق والمُدن والمجتمعات المحلية العراقية على أسس طائفية. رفعت تلك الوقائع حالة الاستنفار والمخاوف الطائفية المتبادلة لأقصى المستويات، ما فتح المجال أمام الأحزاب الدينية/الطائفية لزيادة مستويات شعبيتها وحضورها ونفوذها ضمن الأوساط والطبقات الشعبية، بما في ذلك طبقة الشباب.

تداخلت الحرب الأهلية العراقية مع الصراع الطائفي على المستوى الإقليمي. فمع انطلاق شرارة "الربيع العربي" في العام 2010، ووصولها إلى بلدان المشرق العربي، شهدت بلدان المنطقة والمجتمعات المحلية في سوريا واليمن ولبنان والبحرين انقسامات شاقولية على أسس طائفية، كانت بدورها أشبه بحروب أهلية إقليمية طائفية طويلة، انعكست عقائدياً وسياسياً وأمنياً على الداخل العراقي، بدأت على شكل تظاهرات في "المناطق السُنية" في العام 2011، وتوجت بحرب تنظيم داعش الإرهابي في العراق منذ العام 2014، والتي لم تنتهِ آثارها وبعض فصولها حتى الآن.

هذه الأجواء ما كانت مساعدة أبداً لظهور وتبلور تيار سياسي ذو خلفية مدنية، بالذات في أوساط الشباب.

يُعيد النشطاء المدنيون العراقيون الأمر إلى النفوذ الإيراني داخل العراق، بالذات عقب انسحاب القوات الأميركية في العام 2011. صورة من: Ahmad Al-Rubaye/AFP/Getty Images

النفوذ الإيراني

النشطاء المدنيون العراقيون يُعيدون الأمر كذلك إلى النفوذ الإيراني داخل العراق ، بالذات عقب انسحاب القوات الأميركية في العام 2011. فإيران تمكنت من تأسيس العديد من الشركات الاقتصادية والمؤسسات الدعوية والأجهزة الأمنية وحتى الفصائل المسلحة التابعة لها في العراق، تستعملها لخدمة التنظيمات والأحزاب السياسية العراقية المرتبطة بها، القائمة على أسس وإيديولوجيات دينية وطائفية، والتي كانت أغلبها تحت الرعاية الإيرانية منذ ثمانينات القرن المنصرم، أثناء سنوات الحرب الإيرانية العراقية الطويلة وقتئذ.

لم تُختصر السطوة الإيرانية على التأسيس ودعم الحلفاء فحسب، بل امتدت لقمع التيارات السياسية والإيديولوجية المعارضة لهم، وإن عبر الوكلاء المحليين. فالمئات من عمليات الابتزاز والتهديد والاغتيال طالت الحقوقيين والشخصيات النسوية والنشطاء المدنيين والتيارات الليبرالية العراقية، كانت أصابع الاتهام في كل واحدة منها توجه للتنظيمات المسلحة التابعة لإيران.

هيمنة الأحزاب الدينية على الدولة

تشير الوقائع العراقية أن ثلاثة تيارات سياسية، ذات مرجعيات إسلامية طائفية، تُسيطر على العصب المركزي للسلطة في البلاد، بشكل متواصل منذ العام 2003 وحتى الآن. فحزب الدعوة والتيار الصدري والمجلس الإسلامي الأعلى "آل الحكيم"، ظلوا يشغلون النواة الصلبة للسلطة على الدوام، وإن اختلفت تسمية التحالفات السياسية والقوائم الانتخابية والكتل البرلمانية التي استخدموها في شغل تلك المكانة. وتمكنوا في بعض المرات من إشراك تيارات الإسلام السياسي "السُنية" النظيرة.

بأدوات السلطة، تمكن الإسلاميون طوال سنوات من الاستحواذ على مؤسسات الدولة العراقية و السيطرة على أجهزتها واحتكار ثرواتها ، وعبرها شيدوا شبكات واسعة من الريعية والزبائنية الاقتصادية، التي ربطت بهم طبقات واسعة من المجتمع العراقي، بينما عزلت الشخصيات والتيارات المناهضة. وعلى رأسها التيارات المدنية.

غياب النموذج

يعاني الشبان العراقيون راهناً من محدودية وعدم جاذبية الأحزاب والتنظيمات السياسية ذات المرجعيات الليبرالية أو المدنية أو الوطنية العامة، قادرة على استيعاب وتنظيم العراقيين المنحدرين من مختلف الحساسيات القومية والدينية والمناطقية والطائفية، لكن وفق رؤية وبرنامج سياسي مدني. مثلما كانت تشكيلات "الحزب الوطني العراقي" بقيادة "كامل الجادرجي" و"الحزب الديمقراطي التقدمي" بزعامة "محمد حديد" وحتى الحزب الشيوعي العراقي، خلال العقود الأولى من تأسيس الدولة العراقية. تلك القوى التي فقدت شعبيتها مع مرور الزمن، بالذات منذ اندلاع الانقلابات العسكرية.

تشكلت بعض الكتل السياسية العراقية على أسس "مدنية"، مثل "حزب الأمة العراقية" بقيادة مثال الآلوسي و"الحزب الوطني العراقي" بزعامة إياد علاوي و"البيت الوطني العراقي"، لكنها لم تستطع بناء هياكل تنظيمية حيوية وخطاباً إيديولوجياً جذاباً، ولأجل ذلك لم تستقطب طبقات واسعة من الشبان والقواعد الشعبية.

هزيمة انتفاضة تشرين

على الرغم من كل ذلك، تمكن الشبان العراقيون من تنظيم أنفسهم، وأطلقوا أوسع موجة احتجاج مدنية في شهر تشرين/أكتوبر من العام 2019، رفعت مطالب موحدة مناهضة للطبقة السياسية، توسعت في أغلب مناطق البلاد، وتجاوزت الحساسيات العرقية والدينية.

لكن الانتفاضة تعرضت لقمع شديد، راح ضحيته 670 قتيلاً و25 ألف جريح وآلاف المعتقلين، شاركت فرق من الجيش والشرطة وفصائل الحشد الشعبي في قمع التظاهرات ، واُتهموا بتنفيذ عمليات اغتيال طالت عشرات النشطاء المدنيين. ما أثار الرعب في نفوس الشبان العراقيين، ودفعهم إلى العزوف عن النشاط السياسي على أساس مدني.

رستم محمود (ع.ج.م)

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا