آخر الأخبار

من العراق إلى إيران.. لماذا تكرر أمريكا أخطاء الحروب الطويلة؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في حلبة السياسة الدولية، لا شيء يبدو أكثر إغراءً وأشد إيلاما من السراب الإستراتيجي الذي تلاحقه القوى العظمى المتمثل في وهم السيطرة المطلقة والقدرة على حسم النزاعات التاريخية بضغطة زر أو بضربة خاطفة.

وفي الحرب الحالية على إيران، لا يقتصر الخطر على كلفة المواجهة العسكرية أو اضطراب أسواق الطاقة، بل يمتد إلى سؤال أكبر يتعلق بمستقبل القوة الأمريكية نفسها، فهل أصبحت الولايات المتحدة عاجزة عن مقاومة جاذبية الحرب حتى عندما تدرك مسبقا أخطارها؟

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 5 أخطاء.. كيف يقرأ الإعلام الألماني سياسة ترمب تجاه إيران وغزة؟
* list 2 of 2 أذربيجان تضبط علاقتها بإسرائيل.. تراجع أم إعادة تموضع؟ end of list

هذا هو السؤال المحوري الذي تطرحه الباحثة إيما أشـفورد، الزميلة البارزة في برنامج "إعادة تصور الإستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة" التابع لمركز ستيمسون الأمريكي للأبحاث، في مقال تحليلي نشرته مجلة فورين أفيرز بعنوان "انجذاب أمريكا القاتل إلى الحرب".

أما مراسلة الشؤون الخارجية في مجلة بوليتيكو، نهال طوسي، فتذهب في تحليلها إلى أن واشنطن دخلت بالفعل مستنقعا جديدا يشبه ما غاصت فيه في العراق، لكن في بيئة دولية أكثر خطورة.

من وعد بإنهاء الحروب إلى حرب جديدة

في مقالها، ترى أشفورد أن المفارقة الأولى تكمن في أن دونالد ترمب عاد إلى البيت الأبيض وهو يقدم نفسه بوصفه الرئيس الذي سيضع حدا لـ"الحروب التي لا تنتهي"، بل إن السنة الأولى من ولايته الثانية أعطت مؤشرات على إمكانية حدوث تحول حقيقي في السياسة الخارجية الأمريكية.

فقد ضغط ترمب على الحلفاء الأوروبيين لزيادة إنفاقهم الدفاعي، ودفع باتجاه محادثات سلام بين روسيا وأوكرانيا، وسعى إلى تخفيف التوتر مع الصين بشأن تايوان، بل إن إستراتيجية الأمن القومي لعام 2025 جاءت لتكسر النمط التقليدي عبر الاعتراف الصريح بأن المصالح الأمريكية محددة ومحصورة، وأن أيام سيطرة الشرق الأوسط على السياسة الخارجية للولايات المتحدة قد ولت أخيرا.

كما أن حرب يونيو/حزيران 2025 مع إيران، التي عُرفت بــ"حرب الــ12 يوما"، كانت قصيرة وذات هدف محدد، في حين أن العملية الأمريكية في فنزويلا لم تتجه -بحسب التحليل- إلى تغيير شامل للنظام هناك.

إعلان

ولكن بعد مرور 18 شهرا، وجدت الولايات المتحدة نفسها غارقة حتى أذنيها في حرب جديدة ومفتوحة في الشرق الأوسط.

وعلى الرغم من النجاحات التكتيكية التي حققها الجيش الأمريكي، تؤكد أشفورد أن واشنطن لم تحقق أي نصر إستراتيجي ذي معنى، بل إن إيران أصبحت تبسط نفوذها في بعض الجوانب بصورة أكبر مما كانت عليه قبل اندلاع المواجهة.

بل إن تلك النجاحات -طبقا لمقال فورين أفيرز- ساعدت في تعزيز نفوذ التيار المحافظ المتشدد داخل الحزب الجمهوري، ومهدت الطريق لعودة منطق التدخل العسكري.

وبعد شهر واحد فقط من عملية فنزويلا التي أسفرت عن اختطاف رئيسها نيكولاس مادورو، أطلقت القوات الأمريكية عملية "الغضب الملحمي" ضد البنية العسكرية الإيرانية، مع حديث مبكر من الإدارة عن تغيير النظام في طهران.

وبعد 6 أشهر -تقول أشفورد- تعرضت القدرات العسكرية الإيرانية لأضرار كبيرة، لكن إيران لم تسقط، بل بقي نظامها في السلطة، في حين نفد جزء مهم من مخزونات الولايات المتحدة من الذخائر الدقيقة وتعرضت قواعدها الإقليمية لأضرار، وأصبحت طهران أكثر قدرة على تهديد الملاحة في مضيق هرمز.

المشكلة ليست في ترمب وحده

لا تضع أشفورد اللوم على ترمب أو على صراع الصقور والمتحفظين داخل إدارته، فالمشكلة -في رأيها- أعمق من الأشخاص، إنها تكمن في بنية النظام السياسي والإستراتيجي الأمريكي نفسه.

لقد وعد ترمب الناخبين بإنهاء "الحروب الأبدية" التي لا طائل منها في الشرق الأوسط، تماما مثلما فعل سلفه باراك أوباما، لكنه أثبت أنه "عاجز" عن فعل ذلك.

واللافت أن التورط الأمريكي الجديد يحدث في وقت وصل فيه الرأي العام الأمريكي والعديد من القادة السياسيين إلى يقين تام بأن هذه الحروب ليست سوى أخطاء كبرى.

لكن هذه النجاحات التكتيكية -وفق أشـفورد- ساعدت في تعزيز نفوذ التيار المحافظ المتشدد داخل الحزب الجمهوري، ومهدت الطريق لعودة منطق التدخل العسكري.

على أن الخروج من هذه النزاعات يصبح -حسب رأي المقال- أشد صعوبة بمرور الوقت، نظرا لاعتياد الإدارة على فرض أهداف حدية ومطالب قصوى للحروب المباشرة، مما يجعل الرؤساء يتراجعون عن وقف التدخل خوفا من اتهامهم بالضعف، خاصة عندما تكون التكاليف المباشرة موزعة وغير ملموسة للشعب الأمريكي.

ولفتت الباحثة بمركز ستيمسون إلى أن الدستور الأمريكي يمنح الكونغرس سلطة إعلان الحرب، لكن المشرعين لم يعلنوا حربا منذ الحرب العالمية الثانية، كما لم يصدر الكونغرس تفويضا باستخدام القوة العسكرية منذ عام 2002.

لدى الولايات المتحدة جيش "عرمرم" وشبكة واسعة من القواعد في العالم، ويملك الرئيس بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، قدرة كبيرة على تحريك هذه القوة بسرعة

حوافز ضارة

وأوضحت الكاتبة أن الحوافز والبنية الهيكلية للنظام السياسي الأمريكي هي التي تجذب واشنطن دوما إلى "مستنقعات يمكن تفاديها"، فاستخدام القوة العسكرية أصبح أمرا يسيرا للغاية بالنسبة للرؤساء، إذ اعتادوا منذ عام 1991 على نشر القوات حتى لتأمين مصالح ثانوية.

وتظهر التكاليف والأخطار القريبة لتوجيه الضربات لدولة أصغر أو أطراف غير حكومية وكأنها ضئيلة، في حين تنازل الكونغرس بمرور الوقت عن سلطاته الدستورية في الرقابة وإعلان الحرب، ولم يصدر أي تفويض لاستخدام القوة العسكرية منذ عام 2002.

إعلان

وبحسب أشفورد، فإن لدى الولايات المتحدة جيشا "عرمرما" وشبكة واسعة من القواعد في العالم، ويملك الرئيس بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، قدرة كبيرة على تحريك هذه القوة بسرعة.

والنتيجة أن بدء الحرب أصبح أسهل كثيرا من إنهائها، لأن معظم الأمريكيين يستطيعون المضي قدما في حياتهم اليومية من دون أن يشعروا مباشرة بأن بلادهم تخوض حربا.

أما الانسحاب، فيمكن أن يتحول بسهولة إلى اتهام للرئيس بالضعف، خصوصا عندما تكون الإدارة قد رفعت سقف أهدافها منذ البداية، ولهذا فإن واشنطن تميل إلى تحديد أهداف قصوى حتى في الحروب المحدودة، ثم تجد صعوبة في إعلان أن تحقيق جزء من تلك الأهداف يكفي.

كما تطرق تحليل فورين أفيرز إلى الصراع الداخلي الدائر في أروقة الإدارة الأمريكية حول توجيه السياسة الخارجية. ففي الوقت الذي يسعى فيه أتباع تيار "أمريكا أولا" من المحافظين الشباب إلى تجنب حروب تغيير الأنظمة ويرفضون إعطاء أولوية مطلقة لإسرائيل، لا يزال المحافظون الجدد والتقليديون يمارسون تأثيرا كبيرا عبر الترويج لرؤية سادت في حقبة الرئيس جورج بوش الابن تقوم على نشر الديمقراطية وتغيير الأنظمة بالقوة.

وكما تبين أشفورد، اعتُبرت الحرب على إيران دليلا على انتصار الصقور -أمثال وزير الخارجية ماركو روبيو والسيناتور الراحل ليندسي غراهام– على الداعين إلى ضبط النفس وفي مقدمتهم نائب الرئيس جيه دي فانس.

مصدر الصورة رجل يخوض مياه الخليج، وسفن راسية في مضيق هرمز (غيتي)

تأزم الخيارات ومأزق الانسداد الإستراتيجي

في سياق متصل، كشفت الصحفية نهال طوسي في مقال بمجلة بوليتيكو تحت عنوان "مستوى جديد كليا من التورط الأمريكي في حرب إيران"، عن عمق الشلل والارتباك اللذين يسيطران على صانعي القرار في واشنطن بشأن الحرب مع إيران.

وذهبت إلى أن الموقف الحالي يعيد إلى الأذهان أحلك أيام حرب العراق في منتصف العقد الأول من القرن الحالي، عندما بدت الولايات المتحدة عاجزة عن انتشال البلاد من أتون التمرد والحرب الأهلية هناك.

وفي رأي طوسي، فإن النصر الذي تروم واشنطن تحقيقه يبدو معضلة أشد حدة، فعندما سألت الكاتبة مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين عن كيفية تحقيق النصر في إيران، كان الرد الأول -حسب قولها- أقرب إلى صرخة احتجاج "ما كان ينبغي لنا أن نبدأ هذه الحرب أصلا"، ثم يأتي السؤال الأكثر إحراجا "ماذا تقصدون بالنصر؟".

وتؤكد الكاتبة أن البيت الأبيض لم يقدم حتى الآن إجابة مستقرة عن هذا السؤال، مشيرة إلى أن الحرب بدأت بهدف إنهاء البرنامج النووي الإيراني وتدمير جزء كبير من القدرات العسكرية، مع التلميح إلى تغيير النظام، أما الآن، فيبدو أن الأولوية تحولت إلى فك قبضة إيران على مضيق هرمز.

هذا التغير في الأهداف -حسب اعتقاد طوسي- هو أحد أبرز أوجه التشابه مع العراق، حيث دخلت الولايات المتحدة الحرب بأهداف محددة، قبل أن تتحول المهمة إلى سلسلة متشابكة من الأهداف الأمنية والسياسية والعسكرية.

ويقول مسؤول أمريكي مطلع على إستراتيجية الإدارة في الشرق الأوسط، نقلت عنه طوسي من دون الكشف عن هويته: "لا أرى مخرجا من هذا" المأزق، مضيفا أن فريق ترمب "يسيء فهم" حكام إيران بصورة جوهرية، وأن الإدارة اعتقدت دائما أن زيادة الألم ستؤدي إلى انهيار النظام، بينما ظل النظام قائما ولم يسقط.

ويذهب دان شابيرو، المسؤول السابق في وزارة الدفاع خلال إدارة الرئيس جو بايدن، إلى وصف الوضع بعبارة أكثر قتامة، قائلا "من النادر أن نجد أنفسنا في طريق مسدود من صنعنا، مع خيارات سيئة حرفيا فقط".

وفي شهادة تعكس عمق الأزمة الداخلية، نقلت طوسي عن إيليوت أبرامز، المسؤول السابق في إدارة ترمب الأولى، قوله "إن هذه اللحظة خطيرة للغاية، وإدارة ترمب الحالية تظهر مستويات من عدم اليقين وعدم الكفاءة".

الخطر الأكبر في حرب إيران قد لا يكمن فقط في ما ستخلفه من تداعيات في طهران أو الشرق الأوسط، بل ما ستتركه في واشنطن نفسها

إيران ليست العراق

تتفق المقالتان على أن تجربة العراق تقدم درسا أساسيا، لكنهما تحذران في الوقت ذاته من أن إيران تمثل تحديا أكبر.

إعلان

فالعراق كان دولة أقل حجما، وكان نظام صدام حسين شخصيا بصورة أكبر، وكانت القوات الأمريكية حينها موجودة على الأرض بعد الغزو.

أما إيران فهي دولة أكبر بكثير، ولا تمتلك الولايات المتحدة قوات برية داخلها، كما أن النظام الإيراني متغلغل في مؤسسات الدولة والمجتمع، ويمتد الرد الإيراني إلى حلفاء واشنطن وقواعدها ومصالحها في أنحاء الشرق الأوسط.

ومن هنا تبدو التيارات الثلاثة المتصارعة في واشنطن التي ترصدها طوسي، أمام خيارات شديدة الصعوبة، فالصقور الذين يدعون إلى زيادة الضغط العسكري على طهران، وتوسيع عمليات استهداف المسؤولين الإيرانيين، وتسليح جماعات عرقية داخل إيران، يواجهون مشكلة جوهرية وهي عدم وجود ضمانة بأن المزيد من القوة سيؤدي إلى سقوط النظام.

أما التيار الثاني فهو المتحفظون أو دعاة ضبط النفس، الذين يريدون إنهاء التصعيد حتى لو تطلب الأمر تقديم تنازلات، بينما يقبع الثالث بين الاثنين، ويدعو إلى استمرار الحصار البحري والضغط الاقتصادي حتى تنهار قدرة النظام على الصمود أو يطيح به الإيرانيون أنفسهم.

وهكذا، فإن الخطر الأكبر في حرب إيران قد لا يكمن فقط في ما ستخلفه من تداعيات في طهران أو الشرق الأوسط، بل ما ستتركه في واشنطن نفسها.

والسؤال -كما تلخصه أشـفورد- ليس عما إذا كانت أمريكا ستستخدم قوتها، وإنما عما ستقرره بنفسها بشأن المكان الذي يستحق أن تستخدم فيه هذه القوة، قبل أن تفرض عليها حروبها المتكررة حدود خياراتها.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا