آخر الأخبار

فرضية لا ينبغي استبعادها.. الحرب على إيران قد لا تنتهي قريبا

شارك

في عام 1964، وبينما كان الرئيس الأمريكي ليندون جونسون يعتزم توسيع الحرب في فيتنام، تلقى تحذيرا من الدبلوماسي جورج بول يقول "بمجرد أن تمتطي ظهر النمر لا يمكنك اختيار المكان الذي ستنزل فيه عن ظهره".

ولاحقا، أصبحت العبارة مثلا يُضرب عند التحذير من التورط في مستنقع تعرف كيف تدخل فيه لكنك لا تعرف كيف ومتى تخرج، وهو ما بات الكثيرون يعتقدون أنه يناسب الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل منذ 28 فبراير/شباط الماضي ولم تضع أوزارها بعد.

في السادس من فبراير/شباط الماضي، انطلقت مفاوضات أمريكية إيرانية في مسقط عاصمة سلطنة عمان، لتنطلق معها الآمال في تخفيف توتر تصاعد بين البلدين منذ عودة الرئيس دونالد ترمب إلى السلطة أوائل عام 2025.

لكنْ جاء صباح السبت 28 فبراير/شباط الماضي، ليحمل معه ما أجهض هذه الآمال، حيث بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات مكثفة على إيران، نجحت أولاها في تدمير منشآت مهمة وقتل عدد من كبار القادة السياسيين والعسكريين.

الحروب الأبدية

بعد أيام من الحرب خرج وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي عن صمته في مقال رأي كتبه في صحيفة الإيكونوميست البريطانية (18 مارس/آذار 2026) تضمن انتقادا واضحا للولايات المتحدة وإسرائيل، لكنّ أهم ما فيه ربما كان ما توقعه من أن ذلك الهجوم سيفتح جبهة جديدة في "الحروب الأبدية" التي تعهد ترمب سابقا بإنهائها.

البوسعيدي أكد أيضا ما تحدث عنه الكثيرون من أن آثار هذه الحرب ستتجاوز حدود الشرق الأوسط، قائلا إنه إذا لم يتوقع مهندسو هذه الحرب ذلك فهو بالتأكيد "سوء تقدير جسيم".

وبعد 4 أشهر كاملة من كلام البوسعيدي، جاءت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية ذائعة الصيت لتعتبر أن واشنطن دخلت دائرة جديدة من الحروب الأبدية بعدما انهارت مذكرة التفاهم التي كانت قد أوقفت القتال مؤقتا، لتتزايد المخاوف من تحول الحرب إلى مواجهة طويلة الأمد على غرار الحروب الأمريكية في فيتنام و العراق و أفغانستان، وذلك في ظل غياب إستراتيجية سياسية واضحة لإنهاء الصراع.

إعلان

ونقلت الصحيفة عن علي واعظ، مدير مشروع إيران في "مجموعة الأزمات الدولية"، قوله إن الطرفين نظرا إلى مذكرة التفاهم باعتبارها "استمرارا للحرب بوسائل أخرى، لا جسرا نحو السلام"، محذرا من أن غياب تسوية مستدامة قد يخلق ظروفا تؤدي إلى "حرب دائمة" بين البلدين.

وأشارت نيويورك تايمز إلى أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة وقعت مرارا فيما يسميه الباحثون "وهم الحرب القصيرة"، أي الاعتقاد بأن التفوق العسكري كفيل بتحقيق نصر سريع بأقل التكاليف، قبل أن تتحول المواجهات إلى نزاعات طويلة تستنزف الموارد والوقت.

وبصرف النظر عما يمثله ذلك من إزعاج سواء في العالم أو الشرق الأوسط خصوصا، فالحقيقة أن التساؤل عما إذا كانت الحرب على إيران يمكن أن تتحول إلى صراع دائم هو تساؤل حاضر بكثافة سواء في وسائل الإعلام أو مراكز الأبحاث أو حتى على ألسنة الناس.

مصدر الصورة جانب من الدمار في طهران نتيجة القصف الأمريكي الإسرائيلي في مارس/آذار الماضي (الأوروبية)

السؤال الدائم.. متى تنتهي؟

في الحقيقة، ربما لا تختلف الحرب الحالية التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، عن كثير من الحروب الكبرى السابقة فيما يخص قتل الأنفس أو دمار الممتلكات، أو الآثار السلبية التي تتخطى أطراف الحرب لتشمل الإقليم ثم تمتد إلى العالم ككل.

لكنّ أحد أكثر ما يميز هذه الحرب هو حالة الغموض وعدم اليقين، التي تأتي للمفارقة في زمن يعتقد فيه الناس أن كل شيء بات معروفا ومكشوفا بفضل تقدم التكنولوجيا وقوة وسائل الإعلام ومواقع التواصل.

ربما يحسدك الأجداد لو علموا بأمر ذلك الهاتف الصغير الذي بيدك ويمكنه أن يحمل إليك أخبار العالم حتى ما يجري منها على بعد آلاف الكيلومترات، لكنك غالبا سترد عليهم بحسرة أنك أصبحت تتلقى سيلا من الأخبار دون أن تفهم الكثير.

راجع مثلا أبرز العناوين التي جاءتك في غضون أيام قلائل:
ترمب يتوعد إيران.. ترمب يتحدث عن قرب التوصل إلى اتفاق.. الخيار العسكري مطروح.. الاتفاق بشأن مضيق هرمز بات قريبا.. النفط يرتفع.. النفط ينخفض..

مباحثات هنا واتصالات هناك وتصريحات لا تتوقف.

جرب أن تسأل صحفيا اعتاد أن يأتيك بالأخبار، أو تلوذ بباحث خبير اعتاد أن يكشف لك عما وراءها، أو حتى تستفسر من مسؤول أو مصدر مطلع على ما يجري، وتأهب لأن تسمع من كل هؤلاء أن أحدا لا يعرف ما يجري ناهيك عما سيجري.

بل حتى المحللون الذين يمكن أن تسمع منهم كلاما كثيرا وشرحا طويلا، انظر في الفائدة أو الخلاصة التي ستخرج بها وأخبرني إن كشفت لك سرا أو أروتْ لك ظمأ.

هل يرجع ذلك لطبيعة الخصوم؟ ربما، فالبعض يشير إلى تقلب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، أو إلى مكر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والبعض الآخر يركز على خليط إيراني يجمع بين صبر صانع السجاد ومهارة التاجر أو قل قدرته على المراوغة واستغلال الأوراق من أجل مصلحته فقط.

ربما يتمنى المواطن العادي لو عاد عقودا إلى الوراء حيث لا إعلام يخبره بما يجري، بل ولا وسائل اتصال تجعله يعتقد أنه في قلب الحدث، في حين أن الحقيقة أنه مجرد مفعول به، بل ولا يدري حتى سبب ما يُفعل به، ناهيك عن أن يعرف كيف ومتى تنتهي المأساة.

إعلان

لكنْ ربما يكون الأكثر إثارة للحيرة لدى المواطن العربي، أن الولايات المتحدة وإسرائيل تضربان إيران، فترد الأخيرة بقصف لمواقع في الدول العربية المجاورة، كان التبرير في البداية أنها مواقع عسكرية مساندة للخصوم، ثم اتسعت لتشمل منشآت اقتصادية كي يدفع الاقتصاد العالمي ثمنا باهظا وفقا لمنطق طهران.

مصدر الصورة جانب من الدمار الذي لحق بمطار الكويت جراء قصف إيراني (رويترز)

فريق العباقرة

دعنا نعود إلى مربط الفرس وهو الخوف من طول أمد الصراع، لنجد أن مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي كان أحد من اهتموا بالأمر حيث رأى في تحليل نشره قبل أيام قلائل، أن التجارب من فيتنام إلى الآن لا تبشر بخير، حيث "لم تتعلم الإدارات الأمريكية المتعاقبة الدروس من أخطائها في التقدير. وكانت النتيجة في كثير من الأحيان حروبا لا تنتهي، وكوارث إنسانية".

الباحث بالمركز راي تقي، وهو خبير في شؤون إيران والشرق الأوسط، اختار التركيز على ما جرى في فيتنام (1955-1975) مشيرا إلى أن وزير الدفاع الأمريكي آنذاك روبرت ماكنمارا، وفريقه المعروف باسم "العباقرة" اعتقد أن الضغط العسكري سيدفع الخصم إلى التراجع والخضوع، وتجاهل أن حملات القصف غالبا ما تعزز عزيمة القادة، وتحشد السكان خلف قضية المقاومة.

وانتقل تقي إلى الحرب على إيران مشيرا إلى قدرة نظامها على استيعاب صدمة مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعشرات القيادات والمسؤولين، وما تلا ذلك من توسيع نطاق المواجهة لتؤثر سلبا على المنطقة والعالم.

يقول تقي إن السؤال هنا ليس "من الذي يستطيع التسبب في قدر أكبر من الألم، وإنما من هو مستعد لتحمل قدر أكبر منه. وفي مثل هذا الصراع بين الإرادات، يكون لدى من ينظرون إلى المعركة باعتبارها صراعا وجوديا حافز أكبر على تحمل الضربات من إمبراطورية بعيدة تخوض حربا اختيارية".

وتأتي الخلاصة الصادمة لتحليل مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي مؤكدة أن الحروب غير المحسوبة والتي تُشن دون قدر كاف من التروي أو استشراف العواقب غالبا ما تفضي إلى تداعيات تستمر فترة طويلة بعد خروج من أشعلوها من السلطة".

أسباب ومؤشرات

دعنا نحاول تلخيص الأمر، بعيدا عن سذاجة ما اعتقدته الولايات المتحدة وإسرائيل من قدرة على حسم سريع للحرب ضد إيران، فلطالما كان هذا ظن من يعتقدون أنهم الطرف الأقوى في الصراع.

لنبدأ بحديث أرقام مختصر يتعلق بأبرز الحروب الأمريكية في العقود الماضية، لنجد أن حرب فيتنام استمرت 20 عاما كاملة، وهي نفس المدة التي استغرقها التورط الأمريكي في حرب أفغانستان، في حين استمرت الحرب الأمريكية على العراق نحو 8 سنوات.

الأمر تكرر مع القوة العظمى الأخرى في القرن الماضي، حيث استمرت حرب الاتحاد السوفياتي على أفغانستان نحو 10 سنوات، في حين أن وريثته روسيا تحارب أوكرانيا منذ فبراير/شباط 2022 دون أن تلوح في الأفق أي بوادر للنهاية.

ولكنْ لماذا لم يتم الحسم الذي تصوره المهاجمون؟ ربما يمكننا هنا الإشارة للأسباب التالية:


* إخفاق الضربات الجوية الأولى في تحقيق هدف إسقاط النظام أو شلّ حركة القرار الإيراني بشكل تام.
* صمود البنية التحتية والقدرات العسكرية الإيرانية أمام موجات القصف المكثفة.
* الرد الإيراني باستهداف خطوط الملاحة ومضيق هرمز والمنشآت الحيوية في المنطقة.
* عدم قدرة الولايات المتحدة على تحويل التفوق العسكري إلى حسم سياسي للحرب.
* تحول المواجهة تدريجيا من اختبار للقوة النارية إلى مسابقة في القدرة على التحمل.

ماذا تريد طهران؟

يتمثل الهدف الإيراني الأول في منع واشنطن من فرض نتيجة تبدو استسلاما غير مشروط. فبقاء النظام ومؤسساته العسكرية والسياسية، رغم أشهر من الضربات، يسمح لطهران بتقديم الحرب داخليا باعتبارها معركة صمود وليست هزيمة.

أما الهدف الثاني فهو رفع الحصار الأمريكي عن الموانئ الإيرانية ووقف الغارات، مع انتزاع اعتراف بدور إيراني أكبر في إدارة مضيق هرمز يسمح لها بمراقبة حركة السفن وفرض رسوم مقابل الخدمات البحرية، وهو ما ترفضه واشنطن.

إعلان

وتجري إيران حاليا محادثات مع سلطنة عمان بشأن ممر مؤقت ذي اتجاهين يعيد جزءا من حركة السفن، وربما يشكل لاحقا أساسا لترتيبات مشتركة لإدارة الملاحة. لكنها تؤكد أن الاتفاق على مسار بحري لن يكون كافيا ما دام الحصار الأمريكي مستمرا.

تريد إيران كذلك الحفاظ على قدر من برنامجها النووي والصاروخي يمنع خصومها من التعامل معها كدولة ضعيفة لا تمتلك فرصا للردع.

ماذا تريد واشنطن؟

هنا تبرز مشكلة أمريكية تتعلق بأن أهداف الحرب ظلت متغيرة وأوسع من أن تتحقق كلها بضربات جوية مهما كانت قوية أو مكثفة.

فقد تحدث ترمب وأركان حكمه عن منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وتدمير صناعتها الصاروخية وقوتها البحرية، كما تحدثوا عن تقليص نفوذها الإقليمي، وتشجيع الإيرانيين على تغيير النظام، ووصل الأمر أحيانا إلى المطالبة باستسلام غير مشروط.

ومع مرور الوقت، انضافت حرية الملاحة في مضيق هرمز إلى قائمة الأهداف، بل باتت في مقدمتها رغم أن المضيق كان مفتوحا على مصراعيه قبل أن تندلع الحرب.

فالإدارة الأمريكية تحتاج إلى اتفاق يضمن مرور السفن من دون رسوم إيرانية إلزامية أو تهديدات عسكرية، ويحفظ في الوقت نفسه صورة الولايات المتحدة باعتبارها القوة القادرة على حماية حلفائها والممرات التجارية.

المشكلة بالنسبة لواشنطن أن اتساع الأهداف يصعّب إعلان النصر. فتدمير منشآت عسكرية لا يعني بالضرورة القضاء النهائي على البرنامج الصاروخي، ووقف التخصيب يحتاج إلى اتفاق سياسي يتضمن آليات للرقابة، وفتح هرمز بات يتطلب ترتيبات تشارك فيها إيران وعمان ودول الخليج. وكلما رفعت واشنطن سقف مطالبها، أصبح الوصول إلى تسوية تحفظ ماء وجه الطرفين أكثر تعقيدا.

مصدر الصورة سفن تنتظر المرور من مضيق هرمز (الفرنسية-أرشيف)

متى يتوقف الطرفان؟

من استقراء المواقف والتصريحات نستطيع القول إن إيران يمكنها إنهاء الحرب حين تحصل على أربعة ضمانات مترابطة: وقف الضربات، ورفع الحصار، والحفاظ على النظام، وترتيبات في هرمز يمنحها دورا معترفا به ولا يعيد الأوضاع ببساطة إلى ما قبل الحرب.

أما واشنطن، فتحتاج إلى فتح مستقر للمضيق، وقيود قابلة للتحقق على البرنامج النووي وكذلك الصواريخ بعيدة المدى، ووقف الهجمات الإيرانية على القوات الأمريكية ودول المنطقة. كما تحتاج إدارة ترمب إلى اتفاق تستطيع تقديمه داخليا باعتباره إنجازا، لا تراجعا تحت ضغط أسعار النفط وقرب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

ما يزيد تعقيد الأمور هو أن خبرة الأشهر الماضية أظهرت أن الطرفين يفضّلان على ما يبدو التفاوض تحت النار أو سيف التهديد. ولذا مررنا بضربات مكثفة أعقبتها هدنة في أبريل/نيسان ثم انهارت، ثم وقّع الطرفان مذكرة تفاهم في 17 يونيو/حزيران تضمنت فتح المضيق وبدء مهلة للتفاوض حول الملف النووي، قبل أن تتجدد الضربات في يوليو/تموز.

وفي مطلع أغسطس/آب أوقفت واشنطن ضربة جديدة كانت قد هددت بها، بينما نفت طهران أن تكون هناك مفاوضات أمريكية إيرانية مباشرة، مؤكدة أن اتصالاتها الحالية تجري مع عمان فقط.

نهاية على مراحل

ولذلك فالسيناريو الأرجح لا يتعلق بانتصار عسكري حاسم يحققه هذا الطرف أو ذاك، بل يبدو أن الأكثر احتمالا هو اتفاق متدرج يبدأ بترتيب بحري مؤقت في هرمز، يتزامن مع وقف متبادل للهجمات وتخفيف الحصار، ثم ينتقل إلى مفاوضات أطول بشأن البرنامج النووي والصواريخ والضمانات الأمنية الإقليمية.

لكن حتى هذا الاتفاق قد ينتج هدنة مسلحة لا سلاما دائما. فالفجوة بين مطالبة واشنطن بحرية كاملة للملاحة وقيود صارمة على قدرات إيران، وإصرار طهران على الاحتفاظ بأدوات الردع ودور مباشر في هرمز، ستظل قابلة لإشعال جولات جديدة.

وبالتالي فقد لا يكون سيناريو الحرب الطويلة المتوقع عبارة عن حرب تتواصل غاراتها بشكل يومي، بل أقرب إلى نزاع ممتد تتخلله فترات الهدوء، ثم ما يلبث أن يعود إلى الاشتعال بسبب احتجاز سفينة أو ضرب أخرى أو حتى الخلاف في تفسير بند من بنود الهدنة.

ولهذا يبدو أن التحذير من امتطاء النمر كان وسيبقى دائما في محله، فإذا كان ذلك بإمكانك، فعليك أن تدرك أن النزول قد يكون غير ذلك، وقد لا تتوفر لحظة للنزول دون سقوط يلصق بك صفة المنهزم ويلحق بك تبعات ذلك.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا