تتسارع التطورات الميدانية على الحدود بين المغرب ومدينة سبتة الخاضعة للإدارة الإسبانية، إثر موجات الهجرة غير النظامية التي شهدتها المنطقة أخيرا، وما رافقها من استنفار أمني على جانبي الحدود.
وفي هذا السياق، تكشف صور أقمار صناعية عالية الدقة -تظهر في الإعلام لأول مرة، وحللتها وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة- تسلسلا زمنيا للتطورات بين 30 يوليو/تموز و2 أغسطس/آب 2026.
وتُظهر الصور انتقال المشهد من تجمعات بشرية كثيفة على الشاطئ المغربي المحاذي لمعبر تراخال، إلى إجراءات أمنية إسبانية في البحر، شملت تمركز سفينة بحرية وتركيب حواجز عائمة قبالة كاسر الأمواج الفاصل بين مدينتي الفنيدق المغربية وسبتة.
أظهرت صور الأقمار الصناعية عالية الدقة، الملتقطة في 30 يوليو/تموز الماضي، حجم التجمعات البشرية التي حاولت العبور نحو مدينة سبتة.
وتكشف الصور الفضائية كثافة الحشود المتجمعة على طول الشاطئ المحاذي لمعبر تراخال وقرب كاسر الأمواج، حيث تُظهر النقاط الداكنة الممتدة على الرمال حركة واسعة لأشخاص تجمعوا في محاولة للوصول إلى الجانب الإسباني.
وفي صورة لاحقة التُقطت في 31 يوليو/تموز، تظهر الكثافة البشرية وقد تراجعت مقارنة باليوم السابق، بما يعكس تغيرا واضحا في المشهد الميداني خلال أقل من 24 ساعة.
وقال رئيس حكومة سبتة، خوان خيسوس فيفاس، إن ما يصل إلى 60 ألف شخص ربما دخلوا المدينة خلال يومين، واصفا ما جرى بأنه حدث غير مسبوق بالنظر إلى حجم التدفق الذي شهدته المدينة في مدة قصيرة.
تكشف المقارنة البصرية بين صور 31 يوليو/تموز و1 و2 أغسطس/آب، الملتقطة عبر شركتي "فانتور" و"بلانت"، تسلسلا زمنيا لعمليات الانتشار الإسبانية في المنطقة البحرية المحاذية لمعبر تراخال الحدودي.
ففي الصور الملتقطة بتاريخ 31 يوليو/تموز المنقضي، يظهر بوضوح وجود سفينة بحرية تتمركز قبالة الساحل الحدودي دون وجود عوائق بحرية ممتدة.
وفي اليوم التالي، أي في 1 أغسطس/آب، وثقت الصور الفضائية بدء زوارق بحرية بسحب وتثبيت خط من الحواجز البحرية العائمة يمتد من كاسر الأمواج باتجاه البحر، والتي تمتد من الشاطئ نحو عمق البحر.
وتكتمل الصورة في 2 أغسطس/آب، حيث يظهر الحاجز البحري ممتدا بشكل مستقيم ومستقرا انطلاقا من كاسر الأمواج، مع استمرار وجود السفينة التابعة للبحرية الإسبانية في المياه المقابلة لمراقبة المنطقة.
تتطابق هذه الصور الفضائية مع إعلان الحرس المدني الإسباني بدء عمليات تركيب حواجز بحرية عائمة عند معبر تراخال الفاصل بين مدينة الفنيدق المغربية وسبتة.
وأوضحت السلطات الإسبانية أن هذه المنظومة تتألف من حاجز مطاطي عائم يبلغ طوله 500 متر، وجرى تعزيزه بخط من الطفافات التابعة للبحرية الإسبانية لتعزيز المراقبة في المنطقة.
وقالت وزارة الداخلية الإسبانية إن تركيب الحاجز يأتي ضمن الإجراءات الرامية إلى تعزيز الرقابة على الحدود، وذلك بعد حكم أصدرته المحكمة العليا الإسبانية في 8 يوليو/تموز بشأن تطبيق إجراءات الإعادة على الحدود.
وعلى الجانب المغربي، أظهرت مشاهد متداولة محاولات قوات الأمن تفريق مئات الأشخاص الذين تجمعوا على الطريق المؤدي إلى معبر سبتة، حيث استخدمت القوات سيارات المياه لإبعاد المتجمعين، وتظهر في المشاهد أعمدة دخان في محيط المنطقة.
كما شهدت المنطقة محاولات عبور عبر الشريط الساحلي الموازي للطريق، وتخللت الأحداث اضطرابات أسفرت عن احتراق حافلة في أحد شوارع الفنيدق المحاذية.
ومع تراجع حدة الأزمة، أعلنت السلطات الإسبانية في مدينة سبتة استئناف حركة المشاة بالمعبر الحدودي في الاتجاهين، إلى جانب التوجيه بإعادة فتح مسار مخصص لعبور المركبات. وعقب هذا القرار، تمكنت نحو ألف سيارة من العبور نحو الجانب المغربي، لتنتهي بذلك حالة الإغلاق التي فرضتها التداعيات الأمنية الأخيرة.
ولم تقتصر تداعيات الحدث على مدريد والرباط، بل امتدت إلى لشبونة، حيث أكد رئيس الوزراء البرتغالي لويس مونتينيغرو وجود تواصل مستمر مع إسبانيا والمغرب، معربا عن أمله في أن تكون عملية إعادة المهاجرين فعالة.
ووصف المسؤول البرتغالي الوضع بأنه خطير نظرا لعدم تمتع سبتة بحرية التنقل نفسها المطبقة في منطقة شنغن، معلنا عزم حكومته تعزيز وجود قوات الأمن وتشديد الرقابة على الحدود البحرية والبرية في جنوب البلاد.
وفي ختام هذا المشهد الميداني المتوتر، لم تقتصر التداعيات على الاستنفار الأمني، بل امتدت لتخلّف فاجعة إنسانية وخسائر فادحة في الأرواح. فقد أعلنت السلطات الإسبانية مصرع 72 مهاجرا على الأقل، تعددت أسباب وفاتهم، فمنهم من قضى غرقا في مياه البحر أثناء محاولة العبور، ومنهم من قضى دهسا إثر التدافع الكبير لاجتياز حاجز كاسر الأمواج.
وفي وقت تواصل فيه سفن الحرس المدني الإسباني عمليات البحث عن ضحايا آخرين في المياه المحاذية للشاطئ، تعيد هذه الكارثة الإنسانية إشعال النقاش وتوجيه الأنظار نحو سياسات الهجرة في القارة الأوروبية وتداعياتها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة