آخر الأخبار

“اعتقوني”.. صرخة جورج فلويد المغربي في إيطاليا

شارك

أعادت حشرجات المرحوم عبد الرحيم فقير -وهو يستغيث مرددا النداء بالدارجة المغربية "اعتقوني" (أنقذوني)، ورجال شرطة إيطاليون يجثمون على ظهره في ساحة من مدينة بولونيا- إلى الأذهان سابقة الفتى جورج فلويد في أوهايو الأمريكية مايو/أيار 2020، وهو يردد: لا أستطيع التنفس.

هو نفس المشهد يتكرر.

فظاظة رجال الأمن لا تحركهم أنّات مواطنين في الأصفاد وتوسلاتهم وهم يئنون. كِلا الشخصين ماتا اختناقا، من دون أن تستدرّ توسلاتهما "رأفة" رجال الأمن.

أما حالة ثالثة، وإن اختلفت عن الحالتين الأولى والثانية في بعض فصولها، فهي تعيد طرح دور الأمن على الساحة العمومية، وهي حادثة الفتى الفرنسي مرزوق نايل (أو نائل على الأصح، وإن كان الفرنسيون يكتبونها ناهل)، حينما سعى أن يفر من رجل أمن فرنسي، فأطلق عليه النار وأرداه قتيلا في صيف عام 2023.

يتعامل الأمن بفظاظة مفرطة مع المهاجرين. سبق لرجال الأمن في فرنسا، أن طاردا الفتيين زياد وبوبانا سنة 2005، في كليشي سو بوا، ضاحية باريس، وحاولا الاختباء قرب مُولّد كهربائي، وماتا صعقا، واندلعت مظاهرات الضواحي، كما سُميت

حالتا جورج فلويد، ومرزوق نايل، أفضتا إلى أزمة في الولايات المتحدة، وفي فرنسا، ولا يُدرى ما يؤول إليه الأمر في إيطاليا، وإن كان الراجح أنها لم تسلم من تداعيات الحدث المأساوي.

هرع في الولايات المتحدة اتجاه قريب من حركة اليقظة وأرسل النداء، "حياة السود لها قيمة" (Black lives matter)، واستنفر المجتمع الأمريكي، وكادت الولايات المتحدة تعيش ما أسماه البعض بنُذر حرب أهلية.

ليس من قبيل الترخص القول إن الحركة تلك، جراء مقتل الفتى جورج فلويد، هي ما منعت دونالد ترمب من ولاية ثانية حينها، في استحقاقات عام 2021.

أما اغتيال الفتى نائل، فكان الشرارة التي أشعلت فرنسا، وأدخلتها في أتون اضطرابات، أشبه ما تكون بحرب أهلية.

إعلان

وتعود المأساة، مع حالة المرحوم عبد الرحيم فقير. وتعيد الحالة الأولى، كما في الحالتين الثانية والثالثة، مسكوتا عنه يطفو إلى السطح؛ بسبب فظاظة رجال الأمن.

الأول هو وضع الأمريكيين السود، فهو ليس وضعا يحيل إلى ماض يحمل مخلفات الاسترقاق، والمنع من الحقوق المدنية حتى عام 1965، ولكنه حاضر، بندوبه وجراحه، يتم التستر عليه، ويظل قنبلة موقوتة.

أما الحالة الثانية، حالة مرزوق نائل، والثالثة، حالة عبد الرحيم فقير، فتلتقيان في تعامل رجال الأمن، مع المهاجرين المغاربيين والأفارقة.

يتعامل الأمن بفظاظة مفرطة مع المهاجرين. سبق لرجال الأمن في فرنسا، أن طاردا فتيين زياد وبوبانا سنة 2005، في كليشي سو بوا، ضاحية باريس، وحاولا الاختباء قرب مُولّد كهربائي، وماتا صعقا، واندلعت مظاهرات الضواحي، كما سُميت.

عنف الدولة مُنظّم، يقع تحت طائلة القوانين، والقضاء، وقواعد للسلوك، ولكن عندما يشتط الأمن، أي حينما يكف أن يكون منظما، يغدو الأمر مشكلة

ومثله الفتى أداما توري، الذي مات في مخافر رجال الدرك عام 2016 من دون أن تُعرف ملابسات وفاته، وأسست حركة تحمل شعار "العدالة لأداما".

مكمن الخطورة هو أن مصدر العنف المفضي إلى الموت هو الأمن. الشرطة أداة من أدوات الدولة في الاضطلاع بوظيفة سيادية هي الأمن.

عنف الدولة مُنظّم، يقع تحت طائلة القوانين، والقضاء، وقواعد للسلوك، ولكن عندما يشتط الأمن، أي حينما يكف أن يكون منظما، يغدو الأمر مشكلة.

لا تقوم الدولة على الانتقام، ولا على الفظاظة، لكن حين تجنح إلى العنف الفج، فتكف عن أن تكون دولة، أو تخضع لمستلزمات الدولة.

وعنف الأمن، سواء كان فظا، أم رمزيا، هو ما يفضي إلى ردود فعل. أولها شعور سلبي من لدن فئات مجتمعية من غير الأصليين تجاه السلطات العمومية، وعدم احترام رموزها، والتماهي مع أوطان الآباء، عوض وطن المولد الذي لا يتعامل معهم التعامل الذي تفرضه المواطنة، ورفض المشاركة في الانتخابات.

ومصدر الخطورة، كما قدم السوسيولوجي الفرنسي سباستيان روشي، في كتاب له عن الأمة الفرنسية غير المكتملة، هو أن الأمن يُقوض المواطنة والانتماء إلى الأمة، فتصبح الأمة غير مكتملة.

وبقدر ما يضطلع الأمن بمهام التوعية لدى الفئة الأصلية، ويقوم بعمليات القرب، وزيارات ميدانية لمدارس الأحياء الراقية، بقدر ما يتصرف بفظاظة مع ذوي السحنات (كذا)، من مراقبة الهوية -فيما يسمى إجراءات استباقية- واستعمال العنف اللفظي، من قبيل "أسود"، "زنجي"، "عربي قذر"، والنداء بكاف المخاطبة، والإيماء بالرأس، والتفتيش بقفاز، وإصبع "الشرف" (حركة مهينة)، بل يمكن أن يذهب الأمر إلى طرح المشتبه أرضا، وتطويقه بالأصفاد، وسوء المعاملة في مخافر الشرطة، والضرب المبرح في غياب أي شهادة.

الحالات التي ألمعنا لها هي حالات كان يمكن أن يطبعها الكتمان، ولا يعلم بها أحد، ولكنها الظاهر من الجبل الثلجي، وهي تفيد توجها راسخا في الغرب، وهو أن صانع الهوية لم تعد المدرسة، وإنما الأمن.

وتوارى المثقف، الذي كان يصوغ القيم، لفائدة منظري اليمين، أو الأيديولوجيين البيض.

إعلان

هناك تداخل كبير بين الاتجاهات اليمينية المتطرفة وجسم (هيئة) الأمن، وأغلب عناصر الأمن، على الأقل في فرنسا، يصوتون لصالح التجمع الوطني اليميني، ولا يتورع رجال السياسة في مغازلة رجال الأمن والتغاضي عن تجاوزاتهم.

لا يمكن أن نتستر على شيء أضحى اتجاها غالبا في الغرب، وهو زيغ الأمن الذي أصبح واضع النواميس في علاقة مشوبة ومُريبة، مع اليمين المتطرف، يتبنى رؤاه، وينبري اليمين المتطرف، حاميا له منافحا عنه

كان مما انتهيت إليه، حول زيغ الأمن في فرنسا، في كتاب لي بعنوان "فخ الهويات"، أن شرطة سيئة (وكنت أتحدث عن الحالة الفرنسية) تؤثر سلبا على الديمقراطية، وعلى التماسك الاجتماعي، والعيش المشترك، وتكتسي ممارسات الأمن بشكلها العنصري والفظ، طابعا دائما (Endémique) ومقترنة بالمنظومة (systémique)؛ أي أن عنصرا من المنظومة الأمنية حتى وإن أراد أن ينسلخ عن الاتجاه العام، فلن يستطيع.

ربما كانت المفاجأة هي أن الفظاظة أتت هذه المرة من إيطاليا، وهي أمة قريبة وجدانيا من الضفة الجنوبية لحوض البحر الأبيض المتوسط، ولها سوابق إنسانية مشرفة في تدبير شؤون المهاجرين، في لامبيدوزا وفي غيرها.

لقد طالبت السلطات المغربية بالوقوف على ملابسات حادث مقتل عبد الرحيم فقير، وهو أمر مشروع وواجب، لكن يتوجب أكثر من ذلك، لأن عنف الدولة غير المنظم يهدد تماسك المجتمع، والعيش المشترك بداخل إيطاليا، ولذلك يتوجب على إيطاليا أن تجري حوارا مع ذاتها، حول ذاتها، وطبعا، أن تفتح مرة أخرى باب الحوار مع الضفة الجنوبية، لأن المشاكل متداخلة ولا يمكن اختزالها في مقاربة أمنية.

أستحضر بأسى بادرة جمعية إيطالية تحمل اسما له رمزية "واحة"، وحافظت على الاسم باللغة العربية، وكانت ترى نفسها في توجهها واللقاءات التي احتضنتها، ظلا وارفا وسط هجير من الجهل المتبادل، والإعراض المتبادل، ونظمت لقاءات في كثير من دول العالم العربي، وشاركتُ في لقاء بميلانو، وتعذر علي المشاركة في لقاء في سانت كاترين، بسيناء في مصر.. أشعر بعد حادثة مقتل عبد الرحيم فقير وكأن دعوتها صرخة في واد، ونفخة في رماد.

والرهان ليس فقط معرفة ملابسات وفاة المرحوم عبد الرحيم فقير، ولكن ألا يتكرر ذلك في إيطاليا وغير إيطاليا.

لا يمكن أن نتستر على شيء أضحى اتجاها غالبا في الغرب، وهو زيغ الأمن الذي أصبح واضع النواميس في علاقة مشوبة ومُريبة، مع اليمين المتطرف، يتبنى رؤاه، وينبري اليمين المتطرف، حاميا له منافحا عنه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا