كانت الإجابات وافية عندما تولى الرئيس شخصيا مهمة موظف البدالة وردّ على اتصالات المواطنين، وفي دولة أخرى التقطت الكاميرات زعيما يستقل حافلة عامة وظهر ثالث يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.
واليوم الاثنين، تصدرت وسائل الإعلام مشاهد لرئيس يزاحم المصورين في تغطية حدث رياضي خارج بلاده، ليقول للناس إن الحاكم يختار أن يراه الناس بشرا من دون حجاب.
هذا الحاكم هو رئيس التشيك بيتر بافل، الذي ظهر، الأحد، في حلبة "هنغارورينغ" لتغطية منافسات سباق الجائزة الكبرى للفورمولا 1 في المجر.
وسرعان ما تحولت مشاركة بافل في السباق إلى حديث وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بعدما نشر رئيس الوزراء المجري بيتر ماجار عبر حسابه على منصة إكس صورا للرئيس التشيكي وهو يحمل كاميرته ويتنقل بين المصورين، في مشهد بدا بعيدا عن البروتوكولات المعتادة لرؤساء الدول.
وقديما كان بافل مصورا يغطي رياضة السيارات، وربما أراد أن يقول للناس إن الرئاسة لا تجبّ ما قبلها من مكونات شخصية الإنسان.
ولكنّ بيتر لم يكن وحيدا في التبسط والتخفف من أحمال الهيبة والأبهة، فقد سبقه آخرون استقلوا حافلات النقل وردوا على مكالمات الجمهور، في إعراض واضح عن المبدأ الذي يقول إن الاختلاط بالعامة يسقط المهابة.
ففي عام 2016، ضجت وسائل الإعلام بصورة رئيس وزراء بريطانيا حينها ديفيد كاميرون وهو يماكس (يساوم) شخصا يشتري منه سيارة نيسان مستعملة لزوجته.
ونقلت الصحف يومها عن صاحب السيارة إيان هاريس: "لقد اتصل بي شخص وسألني إذا كنت لا أمانع في أن يأتي رئيس الوزراء البريطاني لرؤية السيارات، وكنت متأكدا أن أحد أصدقائي يمازحني". وأضاف: "لم أصدق ما رأته عيناي عندما جاء ديفيد كاميرون. لقد أمضى نصف ساعة وهو يبحث عن سيارة".
وتمت عملية الشراء بالفعل، حيث دفع كاميرون مبلغا قيمته 2100 دولار في سيارة نيسان صغيرة موديل 2004، وقادها بنفسه نحو "داونينغ ستريت".
وقد قاد كاميرون حكومة المملكة المتحدة في الفترة بين عامي 2010 و2016، وعندما فشل في إقناع الناخبين بالبقاء في الاتحاد الأوروبي، قدم استقالته وقال في يوم مشهود: "لا يمكنني الاستمرار في قيادة سفينة أجهل الوجهة المفضلة لركابها".
أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فسبق أن نزل إلى قسم بدالة الهاتف في قصر الإليزيه وتولى شخصيا الرد على مكالمات الناس وأجاب عن الأسئلة المتعلقة بأداء الحكومة. كان ذلك في مستهل ولايته الأولى عام 2017، وحينها وُصفت المبادرة بأنها استثنائية وغير مسبوقة من رئيس دولة تمتلك سلاحا نوويا وتخولها عظمتها نقض قرارات مجلس الأمن الدولي.
ولم تصدق إحدى المتصلات أنها تتحدث شخصيا مع الرئيس، فيما سأله شاب قائلا "كم استغرقت من الوقت حتى تم انتخابك رئيسا؟".
وقد عبر هذا الشاب عن تطلعه لأن يكون يوما سيد الإليزيه، بينما اتصل طالب يدرس في الخارج يشتكي للرئيس من ارتفاع الضرائب، وجاءت شكوى مماثلة من رجل متقاعد.
وقد وصل ماكرون السلطة عام 2017 في عمر 39 عاما بعد قفزة سياسية قوية، ليكون أصغر رئيس لفرنسا منذ عهد نابليون بونابرت.
وكانت الإجراءات بسيطة وخاطفة جدا في بيننهوف بلاهاي أثناء انتقال السلطة من مارك روته إلى ديك شوف في يوليو/تموز 2024.
فبعد 14 عاما في المنصب، حضر روته إلى القصر على متن دراجة هوائية، وأطلع سلفه على الملفات المهمة وسلمه مطرقة مجلس الوزراء، ثم امتطى دراجته مجددا أمام الكاميرات.
وعلى منصة إكس يومها، كتب الدبلوماسي الهولندي كارل فان أوستروم: "هذه هي هولندا.. رئيس وزرائنا منذ 14 عاما يترك منصبه على دراجة".
وإذا كانت هذه الممارسات ليست شائعة في الدول النامية، فإن بعض قادة أمريكا اللاتينية لهم بصمات واضحة في البساطة والتقشف والاختلاط بالناس.
لقد حمل رئيس أوروغواي الراحل خوسي موخيكا لقب "أفقر رئيس في العالم"، فقد كان يقود البلاد في الفترة ما بين 2010 و2015، ويقيم في الوقت ذاته في مزرعة شديدة التواضع بضواحي العاصمة مونتيفيديو، ويقود سيارته من نوع فولكس فاغن بيتل موديل 1987.
ولم يكن هذا الحاكم يحب الرسميات، إذ لم يرتدِ ربطة عنق في فترة رئاسته، وكان يتحدث بلغة بسيطة وأحيانا فظة، لكنّ أسلوب حياته المتقشف ورسالته المناهضة للاستهلاك أكسباه شعبية داخل أوروغواي وخارجها، وخاصة في صفوف الفقراء.
وعندما زاره الملك الإسباني السابق خوان كارلوس عام 2015 في مزرعته، خاطبه ممازحا: "يقولون إنني رئيس فقير، الفقراء هم من يحتاجون الكثير، تعلمتُ أن أعيش متخففا من الأمتعة. لا يمكنك ذلك، لأنك لسوء حظك ملك".
كذلك عرف الناس عن قرب رئيس كولومبيا السابق غوستافو بيترو، ويُنقل عنه القول: "الدولة المتقدمة ليست تلك التي يستطيع فيها الفقراء اقتناء السيارات، وإنما تلك التي يختار فيها الأثرياء استخدام وسائل النقل العام".
وفي مايو/أيار الماضي، فاجأ بيترو الجميع بكسره للبروتوكول خلال زيارته إلى قرطاجنة، حيث توقف في سوق بازورتو الشعبي وتناول حساء السمك مع السكان المحليين، كما شاركهم الرقص على أنغام الشامبيتا، وهي موسيقى ورقصة شهيرة في منطقة الساحل الكاريبي الكولومبي. وقد انتشرت لقطات هذه الزيارة على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة