آخر الأخبار

الجزائر.. سعي لدور أكبر في ملف الطاقة وسط توترات إقليمية

شارك
من المقرر توسيع نطاق إمدادات الغاز الطبيعي والتعاون في مجال الطاقة المتجددة بين البلدينصورة من: Michael Kappeler/dpa/picture alliance

بالنسبة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ، لم تكن زيارة برلين هذا الأسبوع مجرد أول زيارة رسمية له إلى ألمانيا منذ انتخابه رئيسا عام 2019، فقد حظيت الزيارة التي استمرت يومين بإشادة في بيان مشترك صادر عن المستشار الألماني ونظيره الجزائري ، حيث أكدا على "جودة التعاون" والتزما باتفاقية جديدة طويلة الأمد للطاقة بين البلدين.

وكتبت كيرستين غاملين، المتحدثة باسم الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير، على منصة "إكس": "تُعد الجزائر شريكا محوريا لأمن الطاقة في أوروبا. ومن المقرر توسيع نطاق إمدادات الغاز الطبيعي والتعاون في مجال الطاقة المتجددة. وعلى المدى الطويل، يتمحور الهدف حول إنشاء ممر جنوبي للهيدروجين يمتد من شمال أفريقيا إلى ألمانيا".

هذا التوافق الألماني الجزائري المتصاعد، يفسره الدكتور توفيق بوقاعدة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر، بخصوصية العلاقة بين البلدين، إذ يرى أنها "مبنية على أسس ندّية وقائمة على ترجمة المصالح المشتركة دون إملاءات، مستفيدة من غياب أي هواجس سياسية أو ثقافية، أو موروث تاريخي مؤلم كما هو الحال مع فرنسا".

تمتلك الجزائر ثاني أكبر احتياطيات مؤكدة من الغاز الطبيعي في أفريقيا بعد نيجيريا، كما أنها أكبر منتج للغاز الطبيعي في القارة. وفي 2 يوليو/تموز، سلمت شركة الطاقة الجزائرية الحكومية "سوناطراك" أول شحنة من الغاز الطبيعي المسال مباشرة إلى محطة "فيلهلمسهافن 1" العائمة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال في ألمانيا

ومع ذلك، فإن إنشاء خط أنابيب مباشر إلى ألمانيا من شأنه أن يلغي الحاجة إلى عمليات التسييل وشحن الغاز المسال وإعادة تحويله إلى غاز لتلك الكميات؛ وهو ما قد يقلل من تكاليف نقل إمدادات الغاز، على غرار ما هو معمول به حالياً عبر خطي الأنابيب اللذين يربطان الجزائر بإيطاليا وإسبانيا.

وقالت أليس غاور، مديرة قسم الجغرافيا السياسية والأمن في شركة الاستشارات "أزور ستراتيجي" (Azure Strategy) ومقرها لندن: "لقد عززت الحرب في إيران وتعطل صادرات النفط عبر مضيق هرمز من أهمية الجزائر في مجال الطاقة".

وصرحت لـ DW قائلة: "رغم أن الجزائر لا يمكنها الحلول محل إمدادات الخليج، إلا أن الغاز الذي تصدره عبر خطوط الأنابيب يصل إلى جنوب أوروبا دون المرور عبر ممرات الشحن الخليجية، مما يوفر للحكومات الأوروبية خيار تنويع مصادر الإمداد في وقت تتجدد فيه المخاوف بشأن أمن الطاقة".

يشاطر حافظ الغويل، مدير برنامج شمال أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط ومنطقة الساحل في مركز "ستيمسون" للأبحاث ومقره واشنطن، هذا الرأي، إذ صرح لـ DW قائلا: "لقد زرت الجزائر قبل نحو شهر والتقيت بأعضاء في الحكومة، بمن فيهم وزير الخارجية".

وأضاف: "يمكنك أن تلمس بوضوح وجود إرادة سياسية على أعلى المستويات الحكومية بضرورة استغلال الجزائر لما يحدث على الساحة العالمية، فضلاً عن موقعها الفريد كمنتج رئيسي للغاز".

تكثيف الجهود الدبلوماسية

وتشير غاور إلى أن أهمية الجزائر بالنسبة لأوروبا تتجاوز بكثير ملف الغاز؛ حيث تقول لـ DW: "توفر الجزائر تعاوناً في مجالات مكافحة الإرهاب والهجرة واستقرار منطقة البحر الأبيض المتوسط".

فعلى مدى سنوات، تعاونت الجزائر مع الدول الأوروبية في إدارة ملف الهجرة، بما في ذلك عمليات الترحيل، وقضايا الحدود، ومكافحة شبكات التهريب.

علاوة على ذلك، تتمتع الجزائر بمكانة فريدة نوعا ما، إذ تحافظ على علاقات جيدة مع كل من إيران والولايات المتحدة، وكذلك مع دول الخليج والصين وروسيا. كما أنها تقع في نقطة استراتيجية حيوية بين شمال أفريقيا ومنطقة الساحل.

وتلفت غاور الانتباه إلى أن "الرئيس تبون يولي أيضا اهتماماً متجددا للتعاون الأفريقي، مما يعكس طموح الجزائر للعمل كجسر يربط بين شمال أفريقيا ومنطقة الساحل والقارة بأسرها".

ومع ذلك، تشير غاور أيضا إلى أن هذا النهج يأتي استجابةً لضغوط، فالجزائر تواجه عزلة متزايدة بشأن قضية مطالبة المغرب بالسيادة على إقليم الصحراء الغربية المتنازع عليه.

فبينما تدعم الجزائر "جبهة البوليساريو" في سعيها للاستقلال، يعتبر المغرب الصحراء الغربية جزءا من أراضيه. وبعدما اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسيادة المغرب على المنطقة عام 2020 ، حذت كل من إسبانيا وفرنسا والعديد من الدول الأفريقية حذوه.

وفي تحليل نُشر في مارس/آذار من قبل "معهد الدراسات الأمنية"، كتب محللون أن "تحركات الجزائر تهدف إلى الحفاظ على نفوذها الإقليمي في ظل المبادرات المغربية المتنامية".

كما سلط المؤلفون الضوء على دور الجزائر المحوري في منطقة الساحل، نظراً لمشاركتها حدودا "رخوة" يصعب ضبطها تمتد لأكثر من 2280 كيلومترا (1417 ميلا) مع مالي والنيجر ، ومواجهتها للعديد من التحديات المشتركة، بما في ذلك الإرهاب والجريمة العابرة للحدود والهجرة غير النظامية.

وخلص التحليل إلى أن "إعادة فتح قنوات الحوار من شأنها أن تخدم مصالح أمنية واقتصادية وسياسية ملحة لجميع الأطراف". سعت الجزائر مؤخرا إلى إصلاح علاقاتها مع كل من مالي والنيجر، كما تدعم حلا سياسيا لجارتها الكبرى الثالثة، ليبيا، التي لا تزال منقسمة فعليا إلى شطرين إداريين.

في المقابل، يرى بوقاعدة أن "التحرك الجزائري الأخير في الساحل يتجاوز البعد الأمني التقليدي، إذ تسعى الجزائر للترافع أمام الشركاء الأوروبيين لتسويق رؤيتها القائمة على تحقيق الاستقرار عبر بوابة التنمية والشراكات الاقتصادية، بعد أن فشلت المقاربات العسكرية للقوى التقليدية في القارة".

وهنا يشدد بوقاعدة على أن التجارب والواقع أثبتا أن الجزائر صمام أمان إقليمي وحاسم؛ لافتا إلى أن فشل المبادرات وتفاقم الأزمات في مالي وليبيا جاء نتيجة لتجاوز المقاربة الجزائرية والارتهان لإرادات خارجية زادت الوضع سوءا.

وأكد المتحدث على المبدأ الجزائري الثابت في نظره، والذي يقول "لن نكون جزء من المشكلة، ولكننا حتما سنكون طرفا في مسار حقيقي للحل، عبر توفير ظروف الحوار بعيدا عن لغة السلاح والتأثيرات الأجنبية".

ضغوط داخلية

كما قال توفيق بوقاعدة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر، لـ DW: "ثمة مبدأ أساسي في العلوم السياسية مفاده أن السياسة الخارجية غالباً ما تعكس السياسة الداخلية".

ويرى بوقاعدة أن هذا ينطبق أيضاً على وضع الجزائر. بينما يشير حافظ الغويل، من مركز "ستيمسون"، إلى أن الجزائر باتت قادرة الآن على استغلال استقرارها الحالي لمعالجة الديناميكيات الداخلية.

وأوضح قائلا: "يمكن للاستثمارات الأجنبية في القطاع الخاص أن تساهم في خلق فرص عمل، وتحديدا في معالجة معدلات البطالة المرتفعة بين الشباب".

لم تعلن الجزائر بعد عن أرقام رسمية لمعدل بطالة الشباب لعام 2026، إلا أن أحدث تقديرات البنك الدولي تشير إلى أن النسبة تتراوح بين 29بالمئة، و30 بالمئة.

في عام 2019، استقال الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة ، الذي حكم البلاد لفترة طويلة، عقب اندلاع حركة الاحتجاجات المعروفة بـ "الحراك". ومع ذلك، وفي ظل حملات القمع التي استهدفت النشطاء، لا تزال العديد من مطالب الحركة المتعلقة بمزيد من الانفتاح السياسي دون تلبية.

وعليه، لا يزال النظام السياسي في الجزائر مثار جدل حتى يومنا هذا. فوفقا لـ "مؤشر بيرتلسمان للتحول "لعام 2026، تلاشت إلى حد كبير الآمال في الإصلاح التي أعقبت احتجاجات الحراك عام 2019، إذ عادت البلاد إلى حد بعيد إلى الأوضاع التي كانت سائدة قبل "الربيع العربي".

كما صنفت منظمة "فريدوم هاوس، وهي مؤسسة بحثية تتخذ من واشنطن مقرا لها، الجزائر مجددا ضمن فئة الدول "غير الحرة" في تقريرها السنوي "الحرية في العالم" لعام 2026.

وتشير تقييمات حديثة صادرة عن منظمتي "هيومن رايتس ووتش" و"منظمة العفو الدولية" إلى أن الجزائر تشهد تقلصا مستمرا في الحيز المدني، حيث تذكر "هيومن رايتس ووتش" أن السلطات واصلت ملاحقة الصحفيين والنشطاء والمنتقدين عبر الإنترنت.

ولذا، تظل أليس غاور حذرة، إذ صرحت لـ DW قائلة: "لقد غيّرت القيمة الجيوسياسية المتنامية للجزائر موازين الانخراط الدولي"، مضيفة أن "هذا يمنح الجزائر مجالا أوسع للمضي قدماً في أجندتها الداخلية مع تراجع الضغوط الخارجية المعارضة".

تحرير: و.ب

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا