شنّ علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي للشؤون الدولية، هجوماً لاذعاً على رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ، واصفاً إياه بأنه "شاب قليل الخبرة"، واعتبر زيارته الأخيرة إلى واشنطن ولقاءه الرئيس الأميركي دونالد ترامب "مصدر عار عميق"، في واحدة من أشد التصريحات الإيرانية تجاه بغداد منذ تولي الزيدي رئاسة الحكومة في مايو/أيار.
وكشفت تصريحات ولايتي حجم القلق الإيراني من توجهات السياسة الخارجية العراقية في ظل القيادة الجديدة، خصوصاً بعد نجاح الزيدي في إجراء زيارة إلى الولايات المتحدة رغم الضغوط الإيرانية المكثفة لإلغائها.
ونُشرت تصريحات ولايتي في صحيفة "فرهيختكان" الإيرانية المقربة من التيار المحافظ، قبل أن تتناقلها وسائل إعلام أخرى، فيما لم يتسنَّ التحقق بشكل مستقل من النص الأصلي الكامل للتصريحات.
وجاء هجوم ولايتي بعد أيام من لقاء الزيدي بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض في 14 يوليو/تموز، وهي الزيارة التي سعت طهران، بحسب موقع "أكسيوس"، إلى إفشالها عبر ضغوط مارستها على رئيس الوزراء العراقي وعلى قوى عراقية مقربة منها، إلا أنها أخفقت في ذلك.
وقال مسؤولون أميركيون إن تلك الضغوط عززت قناعة الزيدي بالمضي في سياسة "العراق أولاً"، في إشارة إلى توجه حكومته لإعطاء الأولوية للمصالح العراقية في علاقاتها الخارجية.
اختار الزيدي، وهو مصرفي لا يمتلك أي خبرة سياسية سابقة وأصبح أصغر رئيس وزراء في تاريخ العراق بعد أدائه اليمين في 14 مايو/أيار، الولايات المتحدة لتكون أول محطة خارجية له منذ توليه المنصب، في خطوة عُدّت رسالة واضحة بشأن أولويات حكومته.
ووصل إلى واشنطن في 13 يوليو/تموز على رأس وفد ضم أكثر من عشرين مسؤولاً من القطاعات السياسية والأمنية والاقتصادية.
وخلال لقائه ترامب في المكتب البيضاوي، تجنب الزيدي الانخراط في النقاش بشأن العمليات العسكرية الأميركية ضد إيران والحصار البحري المفروض عليها، وركز بدلاً من ذلك على ملفات التعاون الاقتصادي، وجدول انسحاب القوات الأميركية المتبقية من العراق بحلول 30 سبتمبر/أيلول، ومكافحة الفساد، ونزع سلاح الفصائل المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة.
كما حملت الزيارة دلالة رمزية، إذ جاءت بعد أيام فقط من استقبال الزيدي موكب تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي أثناء مروره في النجف وكربلاء في طريقه إلى مدينة مشهد، في مشهد عكس استمرار محاولات بغداد الحفاظ على التوازن بين واشنطن وطهران.
وخلال استقباله للزيدي، أشاد ترامب بما وصفه بـ"الكيمياء الهائلة" التي تجمعهما، وقال إن رئيس الوزراء العراقي "رجل أعمال ثري" وصل إلى الحكم من دون أي خبرة سياسية.
وأضاف: "سجلوا كلامي، كنت أعرف ما أفعله. هذا الرجل سيكون قائداً عظيماً في الشرق الأوسط، وليس في العراق فقط. نفوذه سيمتد إلى مختلف أنحاء الشرق الأوسط".
من جهته، قال الزيدي، عبر مترجم، إنه ينقل تحياته من "أقدم حضارة في العالم"، موضحاً أن الهدف الأساسي من زيارته هو الإعلان عن "شراكة اقتصادية" بين العراق والولايات المتحدة.
وشكل الملف الإيراني أحد أبرز محاور اللقاء، في وقت تتعرض فيه بغداد لضغوط لنزع سلاح الفصائل المدعومة من إيران، والتي شنت بعض مجموعاتها هجمات على قواعد ومنشآت دبلوماسية أميركية بعد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في فبراير/شباط.
وأكد الزيدي أن حكومته حددت نهاية سبتمبر/أيلول موعداً نهائياً لإنهاء وجود تلك الفصائل المسلحة، قائلاً: "لن يكون هناك أي مبرر لوجودها بعد 30 سبتمبر".
وفي المقابل، قال مسؤول في إدارة ترامب إن واشنطن ستحدد خطواتها المقبلة بناءً على مدى نجاح العراق في تنفيذ عملية نزع السلاح.
برز الزيدي كمرشح توافقي بعد أشهر من الجمود السياسي عقب الانتخابات البرلمانية، فيما كان الإطار التنسيقي، الذي يضم أحزاباً شيعية مقربة من إيران، يدعم في البداية رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي.
لكن ترامب تدخل، مهدداً بوقف الدعم الأميركي إذا عاد المالكي إلى رئاسة الحكومة، قبل أن يدعم وصول الزيدي إلى المنصب.
وقالت فيكتوريا تايلور، مديرة مبادرة العراق في المجلس الأطلسي، إن الزيدي بات يُوصف داخل الأوساط السياسية بـ"ترامب الشرق الأوسط"، نظراً لخلفيته في قطاع الأعمال وافتقاره إلى الخبرة السياسية.
وأضافت أن نجاحه في عالم الأعمال جعله شخصية جذابة بالنسبة لإدارة ترامب، لكنها شددت على أن الواقع العراقي أكثر تعقيداً، لأن الزيدي وصل إلى السلطة عبر المنظومة السياسية القائمة، وسيظل مضطراً للتعامل مع توازناتها.
وأشارت إلى أن أكبر اختبار أمامه سيكون مواجهة الفساد السياسي ونزع سلاح الفصائل المدعومة من إيران.
وفي إشارة إلى حساسية التوازنات التي يواجهها، تهرب الزيدي خلال زيارته من الإجابة عن سؤال يتعلق بتصريحات ترامب السابقة بشأن مقتل قائد "فيلق القدس" الإيراني قاسم سليماني والقيادي العراقي أبو مهدي المهندس عام 2020، مكتفياً بالقول: "في ذلك الوقت لم أكن منخرطاً في السياسة... دعونا نتحدث عن المستقبل".
وحظي الزيدي بدعم إدارة ترامب رغم أنه كان يرأس سابقاً مصرف "بنك الجنوب الإسلامي"، الذي كان من بين المصارف التي منعها البنك المركزي العراقي عام 2024 من التعامل بالدولار في إطار إجراءات مدعومة أميركياً لمكافحة غسل الأموال وتحويل الأموال إلى إيران.
ومنذ توليه رئاسة الحكومة، أطلق الزيدي حملة واسعة ضد الفساد شملت تنفيذ مداهمات واعتقال عشرات النواب الحاليين والسابقين، إلى جانب مسؤولين حكوميين متهمين بالفساد، بينهم شخصيات مرتبطة برئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني.
وأكد مكتب رئيس الوزراء أن زيارة واشنطن تهدف إلى تعزيز الشراكات الاقتصادية والتنموية، وجذب الاستثمارات الأميركية، وتوسيع مشاركة الشركات الأميركية في مشاريع البنية التحتية، إضافة إلى تطوير قطاع الطاقة في العراق.
المصدر:
يورو نيوز