في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
برزت ملفات أمنية وسياسية تعكس حجم التحديات التي تواجه حلف شمال الأطلسي ( الناتو) من حماية الملاحة في مضيق هرمز وتعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية، إلى مستقبل الحرب في أوكرانيا وتماسك التحالف، في وقت حرص فيه مسؤولون على استعراض رؤاهم إزاء أبرز القضايا المطروحة على جدول أعمال قمة الحلف المنعقدة في أنقرة.
وقال وزير الشؤون الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو إن بلاده تستعد لنشر كاسحات ألغام في مضيق هرمز للمشاركة في جهود تأمين الملاحة البحرية، مشددا على أن التحرك البلجيكي ينطلق من عقيدة دفاعية بحتة، ولا يهدف إلى المشاركة في أي عمليات هجومية أو الانخراط في حرب.
وأكد بريفو، في مقابلة مع قناة الجزيرة – على هامش القمة – حرص بلاده على الإسهام في إعادة حركة الملاحة في المضيق إلى طبيعتها، موضحا أن هذه الخطوة تأتي ضمن تحالف أوروبي تقوده فرنسا وبريطانيا، ويعمل بالتوازي مع المبادرات الأمريكية في المنطقة لضمان احترام القوانين البحرية.
ولفت الوزير إلى أن هذا التحالف الأوروبي يعمل حاليا خارج المظلة الرسمية لحلف الناتو، لكنه لم يستبعد طرح مسألة أمن المضيق للنقاش داخل الحلف بهدف بلورة مبادرة مشتركة في المستقبل، في ظل التصعيد الأخير والضربات التي طالت سفنا تجارية.
وأوضح أن هذه التطورات جاءت في أعقاب الهجمات التي تعرضت لها 3 سفن تجارية في مضيق هرمز، وأعقبتها ضربات أمريكية، الأمر الذي أسهم في تصعيد جديد، إذ استهدفت إيران ما قالت إنها منشآت أمريكية في الكويت والبحرين، وسط اتهام طهران لواشنطن بانتهاك مذكرة تفاهم إسلام آباد.
وفي هذا السياق، شدد الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، في مؤتمر صحفي على هامش القمة، على أن التحالف بات اليوم أقوى من أي وقت مضى، لا سيما بعد انضمام فنلندا والسويد، وزيادة الإنفاق الدفاعي للدول الأعضاء.
وأشار الرئيس إلى الجاهزية العالية للحلف في منطقة القطب الشمالي، حيث تمتلك 7 دول أعضاء خبرة واسعة في تلك المنطقة، مدعومة بقوة قوامها نحو مليون جندي مستعدين لمهام الدفاع والحماية.
وعلى صعيد التجاذبات داخل الحلف، أعرب بريفو عن خيبة أمل أوروبية تجاه الإدارة الأمريكية، ولا سيما إزاء تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المتكررة بشأن رغبته في الاستيلاء على غرينلاند، مشددا على أن أمن منطقة أعالي الشمال والمنطقة القطبية لا يمكن أن يتحقق على حساب سيادة الدنمارك وسلامة أراضيها.
كما أشاد بالتضامن الأوروبي والأطلسي الداعم لموقف كوبنهاغن، ودعا جميع الأطراف للعودة إلى العقلانية واحترام سيادة الدول الأعضاء، كما شدد على وحدة الحلف وأهمية الحفاظ على قوة الردع لمواجهة التهديدات الوجودية، وعلى رأسها التهديدات الروسية والجماعات الإرهابية.
وتطرق الوزير البلجيكي إلى مطالب واشنطن بزيادة الإنفاق العسكري الأوروبي، مقرا بمشروعية القلق الأمريكي، وضرورة تحمل أوروبا مسؤوليات أكبر في حماية القارة، لافتا إلى عمل بلاده بوتيرة متسارعة للوصول إلى هدف تخصيص 2% من ناتجها المحلي الإجمالي لميزانية الدفاع.
وكشف بريفو عن حزمة استثمارات بلجيكية واسعة في المجال الأمني لبناء منظومة دفاعية حديثة، شملت التعاقد على طائرات "إف 35" وشراء فرقاطات جديدة، وتعزيز قدرات كاسحات الألغام وقوات المشاة، إلى جانب الاستثمار في الدفاع الجوي والذكاء الاصطناعي والتقنيات الدفاعية المتقدمة.
وأشار إلى أن الدول الغربية تستفيد حاليا من الدروس المستخلصة من الحرب في أوكرانيا، لفهم كيفية إدارة حروب القرن الحادي والعشرين، وتوظيف التكنولوجيا العسكرية لخدمة الحلفاء، بهدف تعزيز الركيزة الأوروبية داخل التحالف.
وفي سياق التعاون الإقليمي، سلط الرئيس الفنلندي الضوء على الشراكة الإستراتيجية مع بولندا، موضحا أن البلدين يمتلكان اثنين من أكبر الجيوش في القارة الأوروبية، ويتحملان مسؤوليات أمنية جسيمة؛ إذ تتولى فنلندا تأمين الجبهة الشمالية الممتدة من بحر البلطيق إلى القطب الشمالي، بينما تتحمل بولندا مسؤولية حماية الجبهة الشرقية للحلف.
وعلى الصعيد الميداني في أوكرانيا، أشاد الرئيس الفنلندي بالتحسن الملحوظ الذي حققته كييف على المستويات العسكرية والمالية والسياسية.
ونوه، على وجه الخصوص، بقدرة القوات الأوكرانية على توظيف الطائرات المسيرة والصواريخ متوسطة المدى، لتوجيه ضربات مؤثرة استهدفت البنية التحتية ومرافق النفط الروسية.
كما شدد على ضرورة تسريع وتيرة الدعم العسكري لأوكرانيا، لا سيما من خلال تزويدها بأنظمة الدفاع الجوي المتقدمة، مثل منظومة باتريوت، ومنحها التراخيص اللازمة لاستخدامها بحرية أكبر.
وحول مسار الحرب وفرص السلام، استبعد الرئيس أن تقدم موسكو على إنهاء الصراع بسبب ما تتكبده من خسائر اقتصادية أو بشرية في صفوف قواتها.
ورأى أن القيادة الروسية لن تضطر للجلوس إلى طاولة المفاوضات إلا عندما تتصاعد الضغوط الداخلية، ويبدأ الشعب الروسي في معارضة الحرب، معتبرا أن التوصل إلى اتفاق فوري لوقف إطلاق النار يمثل الحل الأمثل في المرحلة الراهنة.
وفيما يخص الحراك الدبلوماسي، كشف الرئيس الفنلندي عن إجرائه سلسلة مشاورات مكثفة مع قادة دوليين بارزين، من بينهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والأوكراني فولوديمير زيلينسكي، والفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين.
ودعا إلى ضرورة توحيد الجهود الدولية لخفض التصعيد ودفع الروس نحو التفاوض، مبديا في الوقت ذاته تحفظه وعدم تفاؤله بتحقيق نتائج إيجابية سريعة.
في تعليقه على تطورات التصعيد الأخير بين واشنطن وطهران، أوضح وزير الخارجية السلوفيني توني كايرز، في مقابلة مع الجزيرة، أن الحلف عقد نقاشات بناءة مع دول الخليج والدول المعنية، دعا خلالها إلى تخفيف التصعيد وضمان حرية الملاحة، باعتبارها مبدأ أساسيا يتعين على جميع الدول احترامه.
وعبّر كايرز عن قلقه من انهيار مذكرة تفاهم، مؤكدا أن الحلف يواصل مناقشة هذا الملف حتى اختتام القمة، مشيرا إلى أن أي دور قد يضطلع به الناتو سيكون دفاعيا بالأساس، ولا يمتلك قوة لإجبار أي طرف على تنفيذ التفاهمات، وإنما يطرح خيارات محدودة تهدف إلى تخفيف التصعيد.
وحذر الوزير السلوفيني من خطورة إعادة إغلاق مضيق هرمز، مؤكدا أن ذلك سينعكس على الاقتصاد العالمي بأسره، وقد يؤدي إلى تفاقم الاضطراب الجيوسياسي والإضرار بجميع الأطراف، لافتا إلى أهمية الحفاظ على الجهود المبذولة للوصول إلى حلول تحول دون مزيد من التصعيد.
وفي إطار الموقف الأمريكي من الملف النووي الإيراني، أشار كايرز إلى سعي الحلف لاتخاذ قرارات وآليات واضحة بشأن منع انتشار الأسلحة النووية، بالتعاون مع الهيئات الدولية المعنية، وعلى رأسها الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، موضحا أن امتلاك السلاح النووي لا يسهم في تعزيز السلام العالمي.
وأضاف أن القرارات المتخذة تؤكد أن حيازة الأسلحة النووية في المنطقة تمثل تهديدا إضافيا للأمن والاستقرار، مشددا على ضرورة إخراج هذا الخيار من المعادلة بالكامل.
من جانبه، قال وزير الخارجية الألماني يوهان واديفول إن بلاده ستشارك إلى جانب بريطانيا وفرنسا في عمليات إزالة الألغام بمضيق هرمز، موضحا أن هذه العمليات التي ستنفذها وحدات أوروبية تحتاج إلى موافقة عُمانية وإيرانية، باعتبارها خطوة تخدم الاقتصاد العالمي وليس فقط الاقتصادات الأوروبية، خاصة في ظل ارتفاع أسعار النفط والطاقة عالميا.
وأعرب واديفول، في لقاء خاص مع الجزيرة، عن قلقه البالغ إزاء التصعيد الأخير في المنطقة، داعيا الأطراف المعنية إلى العودة إلى طاولة المفاوضات، مؤكدا أن الحل السياسي هو السبيل الوحيد للخروج من الأزمة، ورافضا اللجوء إلى الخيار العسكري.
واستبعد الوزير الألماني أن يؤدي ارتفاع الطلب على النفط مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة إلى تأثير كبير على المخزونات النفطية العالمية، لكنه لم ينفِ انعكاساته على المزاج الاقتصادي العالمي، ولا سيما في الهند التي تعتمد بدرجة كبيرة على إمدادات الطاقة القادمة من منطقة الخليج.
أما فيما يتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية، فتحدث واديفول عن تغير موازين القوى في الميدان، مؤكدا أن أوكرانيا باتت تمتلك اليد العليا بفضل الدعم اللوجستي والعسكري الذي تتلقاه من حلفائها في الناتو، مشيرا إلى أن الأعضاء الأوروبيين وكندا يقدمون نحو 98% من المساعدات التي تصل إلى كييف.
وشدد الوزير على أن قمة الناتو الحالية تبعث برسالة قوية وحازمة إلى كييف وموسكو معا، مفادها أن الحلف سيواصل دعم أوكرانيا ما دام ذلك ضروريا، مؤكدا استمرار الالتزام بمساندة الحكومة الأوكرانية في مواجهة الحرب.
ومع ذلك، أشار واديفول إلى أن الصراع لن يُحسم في ساحة المعركة، بل عبر طاولة المفاوضات، كاشفا عن تشكيل مجموعة أوروبية تضم ألمانيا وفرنسا وبريطانيا (الترويكا) أبدت استعدادها الكامل للمشاركة في مفاوضات مباشرة إلى جانب أوكرانيا، كما دعا موسكو إلى إعادة النظر في موقفها والانخراط في مسار سياسي.
وفي رده على الانتقادات الأمريكية المتكررة بشأن مستوى الإنفاق الدفاعي لدول الحلف، أقرّ وزير الخارجية الألماني بضرورة بذل الأوروبيين مزيدا من الجهود لتحمل مسؤولية أمنهم، مشيرا إلى أن برلين رفعت إنفاقها الدفاعي بصورة متدرجة منذ عام 2014 لتعزيز ركائز الناتو.
وأكد واديفول أن أوروبا، رغم مساعيها لتعزيز سيادتها الأمنية، لا تزال تعتمد على الوجود الأمريكي والمظلة النووية لضمان أمنها وحماية نموذجها القائم على الحرية، مشيرا إلى أن وحدة الموقف بين أعضاء الحلف كانت حاضرة خلال قمة أنقرة الحالية.
وتُعقد في العاصمة التركية أنقرة، اليوم الأربعاء، أعمال القمة الـ36 لحلف شمال الأطلسي (الناتو) بمنتدى للصناعات الدفاعية، مع ضغوط أمريكية متزايدة على دول الحلف لتحمّل نصيب أكبر من تكلفة الدفاع المشترك، وتحقيق توازن أوضح في تقاسم الأعباء بين الأعضاء.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة