في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في مدينة هاليفاكس شمال إنجلترا، عاد فندق "وول ميرشانت" لاستقبال النزلاء بعد 4 سنوات قضاها مأوى لطالبي اللجوء، مما أسفر عن تشتيت العائلات وقطع الروابط التي بنوها في مجتمعاتهم المحلية، وإعادة توزيعهم على مساكن غير مهيأة أو مواقع عسكرية نائية، وفق تقرير نشرته صحيفة "آي بيبر" البريطانية.
وبالنسبة للحكومة البريطانية، يمثل الفندق نموذجا لما تصفه بـ"إعادة الفنادق إلى المجتمعات المحلية". لكن بالنسبة لمن عاشوا فيه، فإن إغلاقه يُعد بداية مرحلة جديدة من التنقل وعدم الاستقرار.
فالحكومة تمضي في تنفيذ خطتها لإنهاء الاعتماد على الفنادق لإيواء طالبي اللجوء، بعدما تحولت خلال الأعوام الأخيرة إلى أحد أكثر ملفات الهجرة إثارة للجدل بسبب تكلفتها المالية وارتباطها بالنقاش السياسي بشأن الهجرة.
وبحسب صحيفة "آي بيبر"، فإن الأزمة تكمن في تراكم طلبات اللجوء والنقص المزمن في المساكن الاجتماعية، مما جعل الإقامة المؤقتة في الفنادق تتحول إلى واقع يمتد أشهرا وأحيانا سنوات.
فبحلول نهاية مارس/آذار الماضي، بلغ عدد الطعون المقدمة ضد قرارات رفض اللجوء نحو 87 ألفا و500 طعن، بزيادة 70% مقارنة بالعام السابق. وفي الشهر نفسه، كان 20 ألفا و885 طالبا للجوء (21% من إجمالي المنتظرين لقراراتهم) يقيمون في الفنادق، في حين كان 72 ألفا و768 شخصا (75%) يعيشون في أنواع أخرى من أماكن الإقامة المؤقتة.
ولا يُعد استخدام الفنادق لإيواء طالبي اللجوء سياسة جديدة في بريطانيا، فقد كانت السلطات المحلية تلجأ منذ أعوام إليها في حالات الطوارئ إلى حين توفير مساكن دائمة. لكنْ مع جائحة كورونا التي بدأت في ديسمبر/كانون الأول 2019 تزايد الاعتماد عليها بشكل غير مسبوق.
ففي مارس/آذار 2020، كان نحو 1200 شخص يقيمون في الفنادق، قبل أن يرتفع العدد إلى 9500 شخص بحلول أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه. وبحلول عام 2023، استخدمت الحكومة نحو 400 فندق لإيواء أكثر من 56 ألف طالب للجوء.
ومنذ ذلك الوقت، بدأت بريطانيا البحث عن بدائل أقل تكلفة. وفي يونيو/حزيران 2026، أعلنت وزارة الداخلية إغلاق 20 فندقا إضافيا، لينخفض العدد من 400 إلى 170 فندقا.
وتخطط الحكومة لنقل آلاف من طالبي اللجوء إلى مواقع عسكرية سابقة، إذ أعلنت أنها تسعى لاستخدام 3 مواقع تابعة لوزارة الدفاع في بيستر وبارنهام ولينتون أون أوز، تستوعب نحو 3750 طالبا للجوء إذا حصلت المشروعات على الموافقات اللازمة.
وتقول وزارة الداخلية إن تكلفة الإقامة في أحد هذه المواقع تبلغ نحو 132 جنيها إسترلينيا (نحو 176 دولارا أمريكيا) للفرد في الليلة، مقارنة بـ144.98 جنيها (نحو 193 دولارا أمريكيا) في الفنادق.
وعرض تقرير صحيفة "آي بيبر" معاناة طالبي لجوء أقاموا أعواما في فنادق، لكنهم يقيمون حاليا في مركز "سانت أوغسطين" في هاليفاكس، وهو مؤسسة خيرية تقدم الدعم لطالبي اللجوء واللاجئين.
والتقت مراسلة الصحيفة لاجئا سوريا فر مع زوجته وأطفاله الثلاثة من شمال سوريا خلال سنوات الحرب. وبعد وصوله إلى بريطانيا، أمضى عامين متنقلا بين فندق للاجئين في برادفورد وأماكن إقامة مؤقتة أخرى.
وقال لمراسلة الصحيفة إن أصعب ما في التجربة لم يكن انتظار قرار اللجوء، بل التنقل المستمر من مكان إلى آخر، موضحا "نكوّن صداقات، ويتأقلم الأطفال مع مدارسهم، ثم يأتي قرار النقل فنبدأ كل شيء من جديد. تشعر وكأنك أصبحت لاجئا للمرة الأولى مرة أخرى".
وأكد أن الأطفال هم الأكثر تضررا، لأنهم يضطرون في كل مرة إلى ترك مدارسهم وأصدقائهم والتأقلم مع بيئة جديدة.
وبحسب الأستاذ الجامعي من جامعة دورهام جوناثان دارلينغ، فإن المقيمين في الفنادق غالبا لا يحصلون إلا على بضعة أيام من الإخطار قبل نقلهم إلى مساكن مشتركة، وقد تكون في مدن أخرى بعيدة.
وهذا ما حدث لبعض سكان فندق "وول ميرشانت"، إذ نُقلوا إلى موقع عسكري في شرق ساسكس.
ولا تقتصر الصعوبات على السكن، فالمقيمون في الفنادق يحصلون على أقل من 10 جنيهات إسترلينية (نحو 13 دولارا أمريكيا) أسبوعيا لتغطية احتياجاتهم الشخصية، بينما يحصل من يعيشون في مساكن أخرى على أقل من 50 جنيها (نحو 66 دولارا أمريكيا) أسبوعيا.
وفي السنوات القليلة الماضية، تحولت فنادق اللجوء إلى رمز للنقاش السياسي بشأن الهجرة في بريطانيا، فقد شهدت مدن عدة احتجاجات أمام فنادق تؤوي طالبي اللجوء. وأظهرت دراسة -نُشرت في مايو/أيار الماضي- أن شريحة كبيرة من البريطانيين ما زالت تعتقد أن الهجرة في ارتفاع، مع أن الأرقام الرسمية تشير إلى العكس.
وفي هاليفاكس نفسها، خسر حزب العمال سيطرته على المجلس المحلي في انتخابات مايو/أيار 2026 لمصلحة حزب الإصلاح، الذي جعل من مكافحة "الهجرة الجماعية" أحد أبرز شعاراته.
لكن صحيفة "آي بيبر" لفتت الانتباه أيضا إلى طرف آخر استفاد من هذه الأزمة، وهو الشركات الخاصة التي تدير مساكن طالبي اللجوء.
ففي مايو/أيار 2025، أفادت تقارير بأن الشركات الثلاث المتعاقدة مع الحكومة حققت أرباحا بلغت 380 مليون جنيه إسترليني (نحو 507 ملايين دولار أمريكي) من عقود الإقامة، وتجاوزت أرباح سلسلة فنادق "بريتانيا" وحدها 150 مليون جنيه إسترليني (نحو 200 مليون دولار أمريكي) منذ بدأت استقبال طالبي اللجوء عام 2014.
ويشير خبراء إلى أن كثيرا من الفنادق التي وقعت هذه العقود لم تكن أصلا تحقق نجاحا تجاريا، بل كانت تعاني ضعف الإقبال أو صعوبات مالية، وهو ما جعل عقود الحكومة فرصة لإنقاذ أعمالها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة