في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديات متزايدة في الحفاظ على تماسك علاقاتها مع بعض حلفائها التقليديين ، يبرز تطور آخر لا يقل أهمية يتمثل في تنامي التعاون بين أبرز خصومها الدوليين: الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية.
وبحسب ما نقلت وكالة الأنباء الألمانية (د ب أ)، يرى توماس رايت، وهو زميل أول في مركز ستروب تالبوت للأمن والاستراتيجية والتكنولوجيا بمعهد بروكينغز،، أن الأشهر الأخيرة حملت دليلاً واضحاً على تقارب هذه الدول الأربع بصورة بدأت تؤثر فعلياً في موازين القوى الدولية، رغم غياب أي إطار تحالفي رسمي يجمعها.
لا يزال هناك جدل داخل بعض الدوائر الغربية بشأن مدى خطورة هذا التقارب. فهناك من يرى أن العلاقات بين الدول الأربع تظل محدودة وهشة بسبب تضارب المصالح وانعدام الثقة المتبادل، وأن الحديث عن "محور" جديد مبالغ فيه نظراً لغياب المعاهدات العسكرية أو الالتزامات السياسية العلنية.
وفي السياق نفسه، خلص التقييم السنوي للتهديدات الصادر عن أجهزة الاستخبارات الأمريكية لعام 2026 إلى أن العلاقات بين الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية "محدودة وثنائية في المقام الأول"، معتبرًا أن وصفها بـ"تحالف الخصوم" قد يبالغ في تقدير مستوى التعاون الفعلي بينها.
لكن توماس رايت، والذي شغل في السابق منصب مدير أول التخطيط الاستراتيجي في مجلس الأمن القومي في إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن ، يرفض هذا التوصيف، مؤكداً أن عدم وجود كتلة رسمية لا يعني ضعف التعاون القائم بين هذه الدول.
ويشير، في تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية، إلى أن ما يراه البعض نقطة ضعف، وهو اعتماد التعاون على صفقات وترتيبات ثنائية، قد يكون في الواقع مصدر قوة. فالعلاقات الثنائية تسمح بسرعة التفاهم والتنفيذ، كما تجعل من السهل إخفاء كثير من جوانب التعاون أو إنكارها عند الحاجة.
ويضيف أن هذه الدول نجحت خلال السنوات الأخيرة في تطوير مستويات متقدمة من التكامل العسكري ونقل التكنولوجيا والتعلم المتبادل، بما يفوق كثيراً من الشراكات الدولية التقليدية.
بحسب التحليل، فإن العداء المشترك للولايات المتحدة لم يكن كافياً وحده لتأسيس هذا النمط من التعاون. فقد جاءت نقطة التحول الحقيقية مع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022.
فبعد الغزو الروسي لأوكرانيا وفرض العقوبات الغربية الواسعة على موسكو، واجهت روسيا ضغوطاً عسكرية واقتصادية كبيرة، ما دفعها للبحث عن شركاء قادرين على سد احتياجاتها العسكرية وتوفير الدعم التقني واللوجستي اللازم لاستمرار الحرب.
ومع زيادة احتياج موسكو للمساندة الخارجية، أصبحت أكثر استعداداً لمشاركة بعض خبراتها وتقنياتها العسكرية المتطورة مع شركائها.
أصبحت كوريا الشمالية، وفق التحليل، أحد أبرز الداعمين العسكريين لروسيا خلال الحرب في أوكرانيا.
فقد زودت بيونغ يانغ موسكو بملايين قذائف المدفعية والصواريخ الباليستية وغيرها من المعدات العسكرية، بينما حصلت في المقابل على دعم روسي لتطوير قدراتها الدفاعية، بما في ذلك تقنيات مرتبطة بالأقمار الصناعية وأنظمة الدفاع الجوي، إضافة إلى توسيع التعاون الاقتصادي بين البلدين.
كما برزت إيران لاعباً رئيسياً في دعم المجهود الحربي الروسي. فقد زودت طهران موسكو بأعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة الهجومية، خاصة طائرات "شاهد" التي استخدمت بكثافة ضد البنية التحتية الأوكرانية. ولم يقتصر التعاون على الطائرات المسيّرة، بل امتد إلى الصواريخ الباليستية والخبرات الفنية والدعم التقني.
وتطور التعاون لاحقاً إلى مرحلة الإنتاج المشترك، حيث تعمل روسيا وإيران على تصنيع نماذج من الطائرات المسيرة الإيرانية داخل الأراضي الروسية.
ورغم أن بكين لم تقدم أسلحة مباشرة لروسيا، فإن دورها كان حاسماً في الحفاظ على القدرات التصنيعية العسكرية الروسية.
ويشير مسؤولون أمريكيون، بحسب التحليل، إلى أن الصين توفر لموسكو مجموعة واسعة من المنتجات ذات الاستخدام المزدوج، تشمل الإلكترونيات الدقيقة وآلات التصنيع والمواد المستخدمة في إنتاج الذخائر والمكونات البصرية الخاصة بالمركبات والدبابات.
وساعد هذا الدعم روسيا على إعادة بناء وتوسيع قاعدتها الصناعية الدفاعية بوتيرة أسرع مما كان ممكناً في ظل العقوبات الغربية.
وفي المقابل، لا تقتصر العلاقة على تلقي الدعم فقط، بل تقدم روسيا بدورها مساعدات استراتيجية لشركائها.
ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، حذر قائد القيادة الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، الأدميرال صموئيل بابارو، من احتمال نقل روسيا تقنيات متقدمة للغواصات إلى الصين، معتبراً أن ذلك قد يهدد التفوق الأمريكي التقليدي في هذا المجال.
كما خلص تقييم لوكالة استخبارات الدفاع الأمريكية عام 2025 إلى أن موسكو توسع نطاق تبادل التكنولوجيا والخبرات المرتبطة بالفضاء والأسلحة النووية والصواريخ مع الصين وإيران وكوريا الشمالية، وهو ما قد يسرّع تطوير قدراتها العسكرية المتقدمة.
يرى التحليل أن الخطر الأساسي لا يتمثل في احتمال قيام هذه الدول بشن هجوم مشترك على الولايات المتحدة، بل في التأثيرات غير المباشرة الناتجة عن تعاونها.
فأي صراع تخوضه إحدى هذه الدول قد يحظى بدعم من الآخرين، ولو بشكل غير مباشر، كما حدث في الحرب الأوكرانية.
كذلك يمكن لنقل التكنولوجيا والتعاون العسكري بين هذه القوى أن يغير موازين القوى الإقليمية بما يصعب مهمة الولايات المتحدة في احتواء خصومها أو عزلهم عبر العقوبات.
ويبرز أيضاً خطر "الصراعات المتزامنة"، إذ قد تستغل إحدى هذه الدول انشغال الولايات المتحدة بمواجهة عسكرية في منطقة معينة لتحقيق مكاسب استراتيجية في منطقة أخرى.
بحسب رايت، فإن الرهان على تفكيك هذه الشبكة من العلاقات يبدو غير واقعي في المدى المنظور.
لكن الولايات المتحدة تستطيع الحد من تأثيرها عبر تحسين جمع المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بتعاون هذه الدول، وتعزيز التنسيق مع الحلفاء، وتركيز الجهود على مواجهة القدرات العسكرية التي قد تنتج عن عمليات نقل التكنولوجيا والتعاون الدفاعي بينها.
ويخلص التحليل إلى أن السؤال لم يعد ما إذا كان هناك "محور استبدادي" جديد قد ظهر، بل ما إذا كانت شبكة تعاون عسكري وتكنولوجي وسياسي أقل تماسكاً من التحالفات التقليدية قادرة على إحداث تأثير استراتيجي مماثل أو أكبر.
ومن وجهة نظر توماس رايت، يبدو أن الإجابة باتت تميل إلى "نعم"، خصوصاً في ظل تصاعد التعاون بين الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية، وفي وقت يشهد فيه النظام الدولي تحولات عميقة وتزايداً في مخاطر اندلاع صراعات كبرى.
تحرير: عادل الشروعات
المصدر:
DW