دلت التجربة -منذ الاحتلال الفرنسي لسوريا– على أن من يرغب في السيطرة على الأرض يحتاج إلى وجود دائم، ولا يكون ذلك من خلال سياج أو مواقع عسكرية فحسب، بل عبر الحيوانات والرعي للسيطرة اليومية على الأرض، وذلك وفقا لتقرير نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية.
وقبل 6 أشهر، قرر جيش الاحتلال الإسرائيلي الاعتماد على هذه الإستراتيجية، وخصوصا على المنحدرات الغربية لنهر الرقاد (أحد روافد نهر اليرموك) خلف السياج الحدودي في الجولان السوري المحتل، عندما قاد العقيد بيني كاتا -القائد المنتهية ولايته للواء الجولان– في سرّية تامة عملية حشد قطيع يتبع لـ"يوئيل زيلبرمان"، مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة "هاشومير هحداش" والمقيم في "ناطور" بالجولان المحتل.
وتقول الصحيفة: "ضمن مهمة مختلفة عن أي عملية تكتيكية أخرى، تمكن زيلبرمان من إدخال قطيع من الأبقار إلى منطقة تبلغ مساحتها حوالي 10 آلاف دونم (الدونم الواحد يساوي 1000 متر مربع)، خلف السياج الحدودي للجولان على الجانب السوري، مقابل مستوطنات إلياد وأفني إيتان ونوب وحسبين".
وبذلك، أسس زيلبرمان -وهو مقدم في قوات الاحتياط- واقعا أمنيا جديدا بالمنطقة في صورة وجود مدني زراعي إسرائيلي دائم، يشكّل رادعا ويطهر المنطقة من "العناصر الأجنبية"، وهو مشروع عكس تغييرا جذريا في مفهوم الدفاع لدى الجيش الإسرائيلي، وتشكل بعد حرب 7 أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، وظل سرا حتى كشف عنه موقع "ينيت" وصحيفة يديعوت أحرونوت.
وجاء هذا التطور تلبية لحاجة عملياتية فرضها "استفزاز" السوريين بشكل مستمر، عبر قطعان الماشية السورية التي كان يتحرك رعاتها في المنطقة بأريحية، مما يشكل تحديا أمنيا عبر تسلل محتمل أو تهريب للأسلحة.
وتعود القصة إلى يناير/كانون الثاني الماضي، عندما وافق قائد الفرقة 210 العميد "يائير بلاي" والقائد السابق للواء 474 العقيد "بيني كاتا" على خطة جديدة تقضي بالاستيلاء على منطقة رعي، باستخدام قطيع من الماشية ليكون قوة احتجاز وأمن وإنذار.
وبالفعل جُهزت جميع المعدات والبنية التحتية تحت مسؤولية زيلبرمان الذي أُعلم بأن مهمته تنطوي على مخاطرة كبيرة، وأن لا أحد في الجيش الإسرائيلي يضمن سلامته أو سلامة قطيعه، لكنه واصل المهمة وأدخل قطيعا من الماشية رفقة "مزارعين مدنيين"، الأمر الذي دفع الرعاة السوريين إلى ترك المكان خشية على ماشيتهم، وبذلك لم تعد هذه الأرض محايدة، بل صارت تكرّس وجودا إسرائيليا -عبر زيلبرمان- شكّل مصلحة لـ"دولة إسرائيل".
ومن وجهة نظر الجيش الإسرائيلي، فإن "استمرارية" القطيع وبقاءه في المكان -بخلاف طبيعة الكتائب والقوات التي درجت على الحركة والتنقل- تُعدّ إحدى أهم المزايا في هذا المشروع الأمني، الذي حمل الأسبوع الماضي اسما ذا دلالة شخصية عميقة، وهو "علوت هاشاحار" نسبة إلى النقيب "شاحار جاملا" قائد سرية في وحدة إيغوز الذي قُتل قبل نحو 3 أسابيع في لبنان.
ويخلص التقرير إلى الدرس الذي استفاده زيلبرمان من 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 (إشارة إلى عملية طوفان الأقصى)، ناقلا قوله إن هذا التاريخ "حطم العديد من المفاهيم. الدرس الأهم والأكثر إيلاماً الذي تعلمناه هو أن مفهوم ‘الأسوار‘ خاطئ. فكرة الجلوس خلف الأسوار مجرد فكرة".
وأضاف زيلبرمان أنه بعد دخول القطيع إلى الجانب السوري من الجولان، صار أي شخص في المنطقة يُعتبر عدوًّا حقيقيا بعد أن كان بإمكان السوريين الذين يقتربون تقديم الأعذار بسبب قرب قطعانهم من السياج، معتبرا أن "هذه هي بالضبط طريقة عمل حزب الله وحركة حماس، إذ إنهما -عبر القطيع- كانا يراقبان ويتفقدان الدوريات العسكرية ومواعيدها، ومعدات القوات. لكن هذا الأمر انتهى، ولم يعد بإمكانها الوصول إلى هنا".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة